
1205583797.pdf
http://www.alarab.co.uk/Previouspages/Alarab%20Weekly/2008/03/15-03/w22.pdf
روائي يخرج من معطف الشعر :عبد الجبار العش على محك كمال الرياحي
نبيل درغوث

شهد فضاء دار الثقافة الزهور بتونس محاضرة نقدية متميزة قدّمها الكاتب و الناقد التونسي كمال الرياحي. حول أعمال الروائي التونسي المجدّد عبد الجبّار العشّ.
المحاضرة امتدّت حوالي الساعة و عقبها نقاش متميّز شارك فيه عدد كبير من الكتّاب و النقاد و الأكاديميين الذين أثنوا جميعا على قيمة ما قدّمه الرياحي . الذي خصّ روائي تونسي مهمّش يعيش بعيدا عن العاصمة في عزلة مع الكتابة و الكأس.
و الحق أن المحاضرة قد نجحت على جميع الأصعدة ابتدءا من اختيار المدوّنة الجريئة لعبد الجبّار العشّ و هو أحد ملاعين الكتابة في تونس تذكّرنا سيرته و كتاباته بعوالم محمد شكري و جان جينه و نجحت المداخلة في التقاطها لزاوية نظر دقيقة هي الحركة السردية فقد قطع الرياحي مع المقاربات النقدية الكلاسيكية التي ملّها المتلقّي و قدّم رؤية نقدية جديدة قائمة على التفكير و التعمّق في استراتيجيات الكتابة الفنّية عند العشّ مركّزا على قيمة الحركة السردية و تنوّعها في رواية "وقائع المدينة الغريبة" و رواية "افريقستان" و رواية "محاكمة كلب".
حملت المداخلة عنوانا دالاّ هو "الحركات السردية في روايات العشّ" بدأها بقوله
"يمثّل عبد الجبار العش واحدا من أهم الروائيين التونسيين الجدد الذين غيّروا في مسيرة السرد الروائي التونسي المعاصر بعد حلقة خلفاء المؤسسين المسعدي وخريف وقد جاء عبد الجبار العش إلى الرواية من الشعر الذي حقق فيه نجاحات كبيرة ومازال الطلبة يرددون قصائده الحارقة إلى اليوم وقد حققت روايته البكر"وقائع المدينة الغريبة "نجاحا منقطع النظير سنة صدورها عند المتلقي العربي قارئا و ناقدا وتوّجت بجائزة الكومار الذهبي كأحسن رواية تونسية لسنة .2001،والحق أن هذه القفزة الرشيقة من الشعر إلى الرواية ليست غريبة عن أستاذ يدرّس التربية البدنية .ويتواصل عطاء هذا الروائي التونسي بنفس التوهج و نفس الجدية فيخرج علينا هذا العام بتجربة روائية فريدة في تونس أطلق عليها من الأسماء"محاكمة كلب" وقد احتضنتها دار الجنوب في أهم سلسلة روائية تونسية وأشهر السلاسل العربية التي أطلقها و يديرها منذ سنوات الناقد التونسي الشهير توفيق بكار . "
ثم انتقل بعد ذلك إلى تقصّي الحركة السردية الأولى التي وسمها بالتخييل العمودي في رواية "الوقائع…" فقال:
"تكشف الرواية الأولى أننا سنكون إزاء ما يمكن أن نسمّيه ب"التخييل العمودي" ،أي التخييل الذي يحفر في عمق المكان ليفجّر الأزمات و الأحداث والمشاعر، بينما تكشف بداية الرواية الثانية ان التخييل سيتّخذ صبغة أفقية من خلال الراوي الرحّالة،ومن ثمّ سيتنوّع الفضاء الروائي مع كل حركة من الرّاوي المجنون بالتّيه.
ولانّ العتبات على أهمّيتها لا يمكن أن تعفينا من قراءة المتن وجب البحث في دلالة هذه الجغرافيا السردية وأشكال اشتغالها داخل المتن لأنّ النصّ، كما يقول جرار جنيت، دون مصاحب نصّي يبدو أحيانا كالفيل دون أنياب وإنّ المصاحب النصّي من غير نصّ مثل الأنياب بلا فيل"
تجري أحداث رواية "وقائع المدينة الغريبة" داخل المقهى وعلى عتباته ، بينما تبقى المدينة إطارا جامعا،فالحدث الرئيس المتمثّل في عجز أحد روّاد المقهى عن رفع مؤخّرته عن الكرسي و الذي بدوره نبت في الأرض ، جعل مدار الرواية على هذا المكان، فمن المقهى تنطلق الأحداث و إليها تعود.
أمّا في القسم الثاني من المداخلة قد ركّز بحثه حول رواية "افريقستان" عبر رصد ما أسماه بالحركة الأفقية للسرد أو التخييل الأفقي يقول في غضون المداخلة:
"يمثّل "الطابور" جديد عبد الجبار العش في هذه الرواية فقد أمكن له أن ينتبه إلى هذا الفضاء الذي نعيش داخله و به وعلى حافته وقريبا منه مرغمين وحوله إلى كائن حي فكان الفضاء الإشكالي أو هو فضاء النجاة و فضاء الخلاص،و فضاء الحاجة والأمل.
وقد حافظ العش على هذه الحزمة من الدلالة و المعاني للطابور في روايته لكنه حوّله من فضاء للأفراد إلى فضاء للجماعات،الشعوب الإفريقية برمتها. وحمّل هذا الحيّز كل المتناقضات الممكنة فهو وإن كان فضاء النجاة و سبيل الخلاص من واقع أفريقيا المؤلم لأنه في المقابل يمثل الفضاء الأكثر بشاعة،إذ هو فضاء القمع وانتظار المستحيل و فضاء الانصياع و فضاء الإذلال و التنازل الوقتي أو النهائي عن الكرامة وعن الحق و عن العدالة و المساواة.إنه الفضاء النموذجي للاستلاب والاغتراب والمداورة السياسية و مشاهدة ض
المزيد