آه يا نعمة الخيانة
أيها العالم الذي يتطاول في خطواتي
هوة وحريقه
أيها الجثة العريقة
أيها العالم الذي خنته و أخونه.
أنا ذاك الغريق الذي تصلي جفونه
لهدير المياه،
و أنا ذلك الإله
الإله الذي سيبارك أرض الجريمة.
إنني خائنٌ أبيع حياتي
للطريق الرجيمه ،
إنني سيد الخيانة
أدونيس
الرواية إن لم تكن جريمة كاملة تتوفر على جميع الأركان وتهتك أسرار الواقع واللغة والخيال معا فهي لا تستحق أن تقرأ.
تغويني ، دائما، فكرة أن الكاتب منحرف، وأن الرواية جريمة، في حين أن القصص والحكايات جنح وجنايات.
الجريمة والرواية صنوان يتناوبان على المصير الإنساني ، مثلهما مثل الموت والحياة ، والأمم التي لم تضطلع بأعباء الجريمة ليس في مقدورها أن تتحمل الرواية . لا يروي إلا من عاش الجريمة وتفوق عليها . أما من خذلته الجريمة فسيدفن في مقبرة الهنود الحمر الذين هم ليسوا علينا ببعيد.
عندما قرأنا هذه العبارات للروائي التونسي حسن بن عثمان ضمن شهادة أدبية بعنوان الكتابة جريمة فنية ظن بعضنا أن الأمر مجرد لعب لغوي وبلاغة سمجة تعودنا عليها من عدد من الكتاب العرب الذين لم يعد أمامهم إلا تقديم الشهادات هنا وهناك بعد أن جفت أقلامهم وجافت.
ولكن المتتبع لتجربة حسن بن عثمان الأدبية لا يمكنه ان يصدق هذه العبارات، فهي خارجة من أتون ذات يسكنها الإجرام الفني منذ بداية اكتشافها لعالم الكتابة . فمنذ نصوصه القصصية الأولى وضع بن عثمان علاقاته الحميمة موضع تجريب قصصي، فلف في أول أمره بالقص حياة صديقه الراحل في قصة قصيرة رمى بها إلى النشر في حالة اختلف حولها، هل هي حالة صواب أم حالة فقدان للصواب؟ وطرحت معها أسئلة حارقة وخطيرة. هل يمكن ان تأتمن على سرك عند كاتب أو فنان؟ هل صداقة كاتب تشبه الانتحار، بما أنك تضع حياتك الخاصة في مواجهة الفضيحة المرتقبة؟ انك تضع دواخل نفسك بأحلامها وأحزانها بكبائرها وصغائرها في موضع فرجة علنية..
منذ فقد عباس الصواب ولم يعد يقيم لا فوق الأرض ولا تحتها، تحول حسن بن عثمان من ارتكاب الجنح إلى ارتكاب الجرائم، فلم تعد أقلامه ترضى الإقامة في جنس أدبي غير الرواية باعتبارها إدانة كبرى للذات وللعام.
ولئن كانت عبارة كولن ولسن الرواية واحدة من أكبر التعويضات الممتعة التي استطاع الإنسان أن يبتكرها لحد الآن، حمالة أوجه، فأي معنى للتعويض يقصده ولسن؟ حسن بن عثمان لا يترك مجالا للتخمين.. إنه التعويض عن شهوة سفك الدم وارتكاب الجرائم.
إن الرواية تمنح الفرصة لكاتبها حتى يرتكب ذات الجرائم التي حرمه منه الواقع، وربما بأكثر فظاعة، عبر اللغة. ومن ثم فالروائي مجرم استطاع أن يجترح لنفسه طريقا فريدة لارتكاب الجريمة. يستمد هذا الرأي أصوله من منجز سيجموند فرويد الذي ذهب في تحليله للأثر الفني إلى أن هذا الأثر نتاج اللاشعور وعملية تصعيد وإعلاء للغرائز ولاندفاعات ألهو . والجريمة وسفك الدم والخيانة وانتزاع الملكية والممارسات السادية والمازوشية من أهم تلك الغرائز الراقدة في لاوعي الإنسان، والتي عبرت عنها لوحات سلفادور دالي حين انفلت اللاشعور من مخبئه ليتحدث عبر الألوان والأشكال عن عمق الكائن المنحرف، ذلك الكائن الذي تحدى الإله ودشن خطاياه وهو بعد في جنته.
هكذا تعود بنا رواية حسن بن عثمان إلى حقيقة الكائن الذي لا يقوى على العيش داخل فضاءات الحلال، لأن كريات الحرام التي تسبح في دمائه وتجري في شرايينه لا تتركه يستكين إلى لذة مستعادة. إنه كائن شهواني نهم حتى النخاع. وهذه الصفات هي التي جعلت منه كائنا حرا.
تلمع عتبة الإهداء في رواية ليلة الليالي إلى احتياطي كبير من الوفاء جعلت الروائي يتوجه بنصه إلى ثلاثة وجوه عامة هي: محمد دريج وأحمد الحاذق العرف وسمير العقربي:
إلى محمد دريج، تبنى روايتي الأولى ونشرها على نفقته
أحمد حاذق العرف، عرف الثقافة اليانع
سمير العقربي، موزيكار لأهم الأدوار
وكما يبدو من العبارات المصاحبة لأسماء المهدى إليهم، فإن تنوع دوافع حسن بن عثمان لإهداء نصه إلى هذه الأسماء يشي بتلك العلاقات التي تربط الكاتب بمحيطه: علاقته الحميمة بالأصدقاء وهو الذي جعل أحدهم يقدم على نشر الرواية الأولى للمؤلف. علاقته بزمرة من المثقفين النوعيين، علاقته بالفن والفنون الكرنفالية خاصة من خلال ما يشي به سجل المهدى إليه.
إن كل هذه الدوافع المتنوعة تعزف نغما واحدا هو الوفاء: الوفاء لأصدقاء الطريق الأولى، ولغصن الثقافة اليانع وللفن الجماهيري ومن ثم للجماهير.
غير ان قراءة هذا الإهداء في ضوء ما جاء به النص تربك انتظارات المتلقي بعد ان يصدمنا المتن الروائي وشكله بنقيض







































بقلم
