الخيانة بوصفها استراتيجية فنية في تجربة الروائي التونسي حسن بن عثمان

سبتمبر 15th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , أعمدة و مقالات بالصحافة العربية

 

                

 آه يا نعمة الخيانة
أيها العالم الذي يتطاول في خطواتي
هوة وحريقه
أيها الجثة العريقة
أيها العالم الذي خنته و أخونه.
أنا ذاك الغريق الذي تصلي جفونه
لهدير المياه،
و أنا ذلك الإله
الإله الذي سيبارك أرض الجريمة.

إنني خائنٌ أبيع حياتي
للطريق الرجيمه ،
إنني سيد الخيانة

 أدونيس

الرواية إن لم تكن جريمة كاملة تتوفر على جميع الأركان وتهتك أسرار الواقع واللغة والخيال معا فهي لا تستحق أن تقرأ.
تغويني ، دائما، فكرة أن الكاتب منحرف، وأن الرواية جريمة، في حين أن القصص والحكايات جنح وجنايات.
الجريمة والرواية صنوان يتناوبان على المصير الإنساني ، مثلهما مثل الموت والحياة ، والأمم التي لم تضطلع بأعباء الجريمة ليس في مقدورها أن تتحمل الرواية . لا يروي إلا من عاش الجريمة وتفوق عليها . أما من خذلته الجريمة فسيدفن في مقبرة الهنود الحمر الذين هم ليسوا علينا ببعيد.
عندما قرأنا هذه العبارات للروائي التونسي حسن بن عثمان ضمن شهادة أدبية بعنوان الكتابة جريمة فنية ظن بعضنا أن الأمر مجرد لعب لغوي وبلاغة سمجة تعودنا عليها من عدد من الكتاب العرب الذين لم يعد أمامهم إلا تقديم الشهادات هنا وهناك بعد أن جفت أقلامهم وجافت.
ولكن المتتبع لتجربة حسن بن عثمان الأدبية لا يمكنه ان يصدق هذه العبارات، فهي خارجة من أتون ذات يسكنها الإجرام الفني منذ بداية اكتشافها لعالم الكتابة . فمنذ نصوصه القصصية الأولى وضع بن عثمان علاقاته الحميمة موضع تجريب قصصي، فلف في أول أمره بالقص حياة صديقه الراحل في قصة قصيرة رمى بها إلى النشر في حالة اختلف حولها، هل هي حالة صواب أم حالة فقدان للصواب؟ وطرحت معها أسئلة حارقة وخطيرة. هل يمكن ان تأتمن على سرك عند كاتب أو فنان؟ هل صداقة كاتب تشبه الانتحار، بما أنك تضع حياتك الخاصة في مواجهة الفضيحة المرتقبة؟ انك تضع دواخل نفسك بأحلامها وأحزانها بكبائرها وصغائرها في موضع فرجة علنية..
منذ فقد عباس الصواب ولم يعد يقيم لا فوق الأرض ولا تحتها، تحول حسن بن عثمان من ارتكاب الجنح إلى ارتكاب الجرائم، فلم تعد أقلامه ترضى الإقامة في جنس أدبي غير الرواية باعتبارها إدانة كبرى للذات وللعام.
ولئن كانت عبارة كولن ولسن الرواية واحدة من أكبر التعويضات الممتعة التي استطاع الإنسان أن يبتكرها لحد الآن، حمالة أوجه، فأي معنى للتعويض يقصده ولسن؟ حسن بن عثمان لا يترك مجالا للتخمين.. إنه التعويض عن شهوة سفك الدم وارتكاب الجرائم.
إن الرواية تمنح الفرصة لكاتبها حتى يرتكب ذات الجرائم التي حرمه منه الواقع، وربما بأكثر فظاعة، عبر اللغة. ومن ثم فالروائي مجرم استطاع أن يجترح لنفسه طريقا فريدة لارتكاب الجريمة. يستمد هذا الرأي أصوله من منجز سيجموند فرويد الذي ذهب في تحليله للأثر الفني إلى أن هذا الأثر نتاج اللاشعور وعملية تصعيد وإعلاء للغرائز ولاندفاعات ألهو . والجريمة وسفك الدم والخيانة وانتزاع الملكية والممارسات السادية والمازوشية من أهم تلك الغرائز الراقدة في لاوعي الإنسان، والتي عبرت عنها لوحات سلفادور دالي حين انفلت اللاشعور من مخبئه ليتحدث عبر الألوان والأشكال عن عمق الكائن المنحرف، ذلك الكائن الذي تحدى الإله ودشن خطاياه وهو بعد في جنته.
هكذا تعود بنا رواية حسن بن عثمان إلى حقيقة الكائن الذي لا يقوى على العيش داخل فضاءات الحلال، لأن كريات الحرام التي تسبح في دمائه وتجري في شرايينه لا تتركه يستكين إلى لذة مستعادة. إنه كائن شهواني نهم حتى النخاع. وهذه الصفات هي التي جعلت منه كائنا حرا.
تلمع عتبة الإهداء في رواية ليلة الليالي إلى احتياطي كبير من الوفاء جعلت الروائي يتوجه بنصه إلى ثلاثة وجوه عامة هي: محمد دريج وأحمد الحاذق العرف وسمير العقربي:
إلى محمد دريج، تبنى روايتي الأولى ونشرها على نفقته
أحمد حاذق العرف، عرف الثقافة اليانع
سمير العقربي، موزيكار لأهم الأدوار
وكما يبدو من العبارات المصاحبة لأسماء المهدى إليهم، فإن تنوع دوافع حسن بن عثمان لإهداء نصه إلى هذه الأسماء يشي بتلك العلاقات التي تربط الكاتب بمحيطه: علاقته الحميمة بالأصدقاء وهو الذي جعل أحدهم يقدم على نشر الرواية الأولى للمؤلف. علاقته بزمرة من المثقفين النوعيين، علاقته بالفن والفنون الكرنفالية خاصة من خلال ما يشي به سجل المهدى إليه.
إن كل هذه الدوافع المتنوعة تعزف نغما واحدا هو الوفاء: الوفاء لأصدقاء الطريق الأولى، ولغصن الثقافة اليانع وللفن الجماهيري ومن ثم للجماهير.
غير ان قراءة هذا الإهداء في ضوء ما جاء به النص تربك انتظارات المتلقي بعد ان يصدمنا المتن الروائي وشكله بنقيض

المزيد


سردية وايروسية «حكاية صوفـي» للشاعر السوري نديم الوزة

سبتمبر 13th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , أعمدة و مقالات بالصحافة العربية

بقلم: كمال الرياحي

                               

قرأت يوما مقالة لبول شاؤول بعنوان «علاقة القصة العربية بالشعر» بدأها بقوله : «أين تبدأ القصة، وأين ينتهي الشعر، أو السؤال معكوسا، أين يبدأ الشعر، وأين تبدأ القصة؟». قد يكون السؤال من أدق الأسئلة وأشفها، لأنه يفترض منذ الانطلاق تمايزا ما بين القصصي (بمعناه السردي) وبين الشعري بمعناه الشامل، أي بمعناه المداخل لكافة أشكال التعابير، والمواقف والحالات…كيف يمكن افراز ذلك الخيط الرقيق (خيط العنكبوت) الذي يجعل من القصة قصة ومن الشعر شعرا ومن القصيدة قصيدة؟
ذكرني كتاب الشاعر السوري نديم الوزة الجديد بهذه المقالة التي قرأتها منذ سنوات في مجلة «التبيين» الجزائرية لما وجدت في كتاب نديم الشعري الجديد الممهور بـ«حكاية صوفي» والصادر عن دار صامد للنشر بتونس (جانفي 2005) من ملامح لهذه الاشكالية الاجناسية للنصوص الأدبية ولتعالق القصة بالشعر.
و الحق أن هذا السؤال يعلن عن نفسه منذ الغلاف من خلال تلك العتبات النصية وأهمها العنوان والعلامة الأجناسية فبين العنوان «حكاية صوفي» الذي يعلن سردية النص الأدبي- ويتوجب عن ذلك تهييء المتلقي لتقبله وفق متطلبات السرد والحكي، وبين العتبة النصية الأخرى المتمثلة في العلامة الأجناسية (شعر)، التي تكسر أفق التلقي الأول لتلحق النص بالشعر، بون شاسع.
فهي تدفع بالقارئ إلى التسلح بما يستوجبه الشعر من أسلحة ودروع معرفية لفك شيفرته والتعاطي معه نصا أدبيا يحمل ملامح جمالية خاصة.
وعلى الغلاف الأخير اختار الناشر جزءا من مقدمة الكاتب التونسي سليم دولة تتعلق أساسا بسردية القصيدة عند نديم فنقرأ: «تتشكل الرواية في كتابات نديم الوزة من مركب منعطفات سردية تجعلنا وجها لوجه مع نص اختلافي، وقد يكون خلافيا عن قصد. أما من جهة كونه اختلافيا فهو ينبني على استدعاء حكاية، منتظم من الكلمات والإحالات والأحوال تستدعيها ذات وفق منطق سردي يعي كونه يكتب حدثا جديدا على الأذن المرباة على الشعر ق

المزيد


القصوويّة

سبتمبر 8th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , أعمدة و مقالات بالصحافة العربية

بقلم  : كمال الرياحي

" ما اعتقد أنّ عليّ  دائما  أن  أفعله هو تدمير الغرب  و حضارته , لذلك فإنّي لا أستطيع إلاّ أن أكون مع الحركات التي تحارب الغرب "

يمكن أن تقرأ  هذه العبارات لجان جنيه في حواره مع سعد الله ونّوس  و تنتشي فرحا لأن الغرب بدأ ينتج أعداءه من الداخل منذ سنوات . و يمكنك أن تعشق  جان جنيه و تتخذ كتابه " يوميات لصّ" انجيلا لك  لتسكنه جيبك حتّى يكون قريبا منك ساعة تشاهد نشرة الأخبار  و ترى الغرب يرفع المشانق في كل صوب.

و لكنّ علينا ان نتريث قليلا لنسائل هذا الموقف الذي عبّر عنه جنيه . ألا  يبدو  موقفا متطرّفا لا علاقة له بالواقع  و لا بالعقل ؟

ألا يقف هذا الموقف  على الأرضية نفسها التي يقف  عليها المتطرفون  الغربيون الذين ليس لهم من هدف  غير  تدمير  الآخر  عربيا كان أم افريقيا….

غريب أن ننتشي فرحا  بهذا الموقف  من جينيه و نرفض  مقابله من النازيين  و العنصريين عموما  و نرفضه من متطرّفينا.

ربّما نرجع كراهية جان جينيه  للغرب إلى كراهيته للمركز ورغبته  في حلحلته إلى الهامش  و تحويل الهامش إلى مركز .فحضارته  " ربّما تمّت و انتهت , انّها  الآن في طور الاحتضار  أو الموت " و لكن لا مبرّر  لموقفه القصووي  إلاّ  شخصيّته القصوويّة. ألم يصفه  محمد شكري في مذكراته قائلا :

"  إن من يقترب من جينيه عليه أن يتوقّع إما صفعة أو قبلة على وجهه"

يتعمّق هذا الإحساس و هذا الموقف عند الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي صب ّجام غضبه و كراهيته على شعبه الألماني  حتّى انه وقف مزهوّا بنفسه و هو يردّد :

" إنّه من دواعي الفخر لديّ أن تكون لي سمعة محتقر الالمان  بامتياز " فالألمان  عنده "

المزيد


اللعنة عليكم جميعا

سبتمبر 6th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , أعمدة و مقالات بالصحافة العربية

     

                        " ستموت إن كتبت ، و ستموت إن لم

تكتب، فاكتب…. و مت " هكذا لخّص لنا الفقيد الطاهر جاووت قصة الإنسان الكاتب و الكاتب الحق ، و الكتابة كما يراها "الكاتب الحر" في مداراته و جراحاته" احتجاج ضد الشرط، الوضع،الإقامة في العالم و الوجود" فعل احتجاج ضد القهر، و ضد حتمية الفناء ،هي فعل من نسيج النار،سليلة الجمر و الخمر و صرخات الهنود الحمر, و من ثم فإن من واجبها أن تلسع و أن تحرق، و أن تكوي و تشوي و تغوي القلوب و العقول.

و إذا كانت الكتابة ، فعلا، نشاطا نروم به ردم القبر على الوهم و محاولة أصيلة للخلود على نحو استعاري فهي بالضرورة سليلة الماء و الخصب،عليها أن تكون جديرة بهذا الطموح و هذا الهدف.

 

الكتابة عليها أن تستعبد كاتبها،أن يسقط فريسة لها لا أن تسقط هي فريسة له ،إن تحويل الكتابة إلى فريسة سيلحقها بــــ"فائض" الهوان البشري .

المزيد


هل نطالب بنزع أقلام المليشيات الثقافية ؟

أغسطس 29th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , أعمدة و مقالات بالصحافة العربية

 

 

          

 كمال الرياحي1سبتمبر 2006

قادني البحث و أنا ألاحق ما يكتبه المثقفون العرب عن الحرب على لبنان عبر مواقع الواب إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية: www.altawasul.net ، و الحق أنني استبشرت خيرا عندما وصلت إلى ذلك الموقع فقد كنت أمني النفس أن أجد بعض مواقف الكتاب الاسرائيلين من الحرب علّني أفهم الخلفية الثقافية التي تحرّك ذلك العدوان الغاشم و تلك البربرية الصهيونية ، فتفاجأت بخانة بعنوان “مقالات رأي لكتاب عرب”جمعت فيها مقالات المثقفين و الصحفيين العرب المعادين لحزب الله و للمقاومة ، كثيرهم يمارس جلد الذات بتعرية نفسه للشيطان و آخر يتمنّى أن يكون جنديا إسرائيليا و آخر يكتب مطولة في ديمقراطية النظام الإسرائيلي متحسّرا على وضعه…شيء مخجل فعلا أن ترى ذلك المثقف العربي و قد تحوّل إلى أداة في يد إسرائيل لتلميع صورتها في الخارج و تبرير حربها على لبنان .
ربما سارع بعض المثقفين العرب لكسب مقعد أمامي في قافلة التقدمية و مسرح الدمى الثقافية فحدث معهم ما حدث لتلميذ الباكالوريا الخائب الذي راهن على جزء صغير من برنامجه الدراسي فأصيب بخيبة رهانه و “قماره” لحظة الامتحان عندما وجد نفسه خارج اللعبة .
هكذا فعل بعض المثقفين العرب عندما راهنوا على إسرائيل ووقفوا ضد المقاومة التي خيبت آمالهم و انتصرت و انتصر لبنان الديمقراطي على إسرائيل التي أجاد القاص ألموج بهر في “أنا من اليهود” *وصف ديمقراطيتها الزائفة.
و لكن الطريف في الأمر أن التقدميين العرب و التونسيين الذين وقفوا ضد حزب الله بدعوى معارضة الأصولية و جرّدوا ا

المزيد





ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي