العرب الأسبوعي تحاور :كمال الرياحي.. كاتب تونسى متعدد يشبه ذاته

أكتوبر 20th, 2008 كتبها كمال الرياحي نشر في , حوارات مع المؤلف

 

topbar

 

8/10/2008 08:55:16 طµ
كمال الرياحي


كمال الرياحي.. كاتب تونسى متعدد يشبه ذاته

 

العرب أونلاين ـ نبيل درغوث*:
الكتاب هو المكان الوحيد فى العالم الذى يستطيع فيه غريبان كاملان أن يلتقيا بحميمية كاملة
بول أوستر

كمال الرياحى من مواليد 1974 بالعروسة- تونس، تخرّج من الجامعة التونسية حاصلا على الأستاذية فى اللّغة العربية وآدابها سنة 2001 وشهادة الدراسات المعمّقة ماجستر اختصاص أدب حديث سنة 2005. التقيناه على هامش محاضرة قدمها فى أحد المراكز الثقافية بتونس فعرضنا عليه الحوار فرحب به . فكان لقاء أدبيا متميزا مع كاتب يحمل أكثر من موهبة يجمع بين كتابة الشعر والأقصوصة والرواية والرسم والنقد الأدبى مبدع متعدّد، مفرد فى صيغة الجمع.

جال بنا كمال الرياحى فى أروقة الماضى والحاضر متحدثا عن طفولته ومراهقته وعن المهن التى زاولها والمشاكسات التى كان يقترفها رغم تصريحه بالعدول عنها. فقد بقى مشاكسا فى الكتابة. وأكّد لنا أنّ الكتابة تجيء من منطقة مظلمة على تخوم الوعى واللاوعى وهذه المنطقة محروسة بالنسيان. وحدّثنا أيضا عن الكتابة وعلاقتها بالذاكرة وكيف أن هذه الذاكرة هى ذاكرة بصرية وسمعية تنتمى إلى موروث الشعوب والحضارات المتعاقبة.

ولعلّ من يعرف كمال الرياحى ككاتب فقط يغيب عنه أنه رسّام أيضا رغم انقطاعه عن ممارسة الرسم فقد وظّفه فى الكتابة القصصية والروائية. ولم يكتف بالحديث عن الحياة. بل مسك بيدنا ليلج بنا إلى عالم اللامعقول عالم الموت و الشيطان. مبيّنا لنا أنّ القصّ و الموت لا يفترقان وأن فعل الكتابة هو فعل مقاومة الموت والنسيان وفعل شيطنة بامتياز.

صدر له
• نوارس الذاكرة قصص تونس 1999
• سرق وجهى قصص و شعر تونس 2001
• حركة السرد الروائى و مناخاته كتاب نقدي الأردن 2005
• المشرط رواية ط1 تونس 2006- ط2 تونس 2007 هذه الرواية حاصلة على جائزة الكومار الذهبي

وله أيضا بالاشتراك
* سميحة خريس:قراءات فى التجربة الروائية - الأردن 2005
* حوارات ثقافية فى الرواية والنقد والقصّة والفكر والفلسفة - الأردن 2005
* حوارات ثقافية فى الشعر والفن التشكيلى والمسرح - الأردن 2005

كمال الرياحى عرفناه محاورا فذّا أمتعنا بـ حواراته النهرية على صفحات مجلّة عمّان وغيرها من الدوريات العربية والأجنبية. لكن هذه المرّة غيّر مكانه من كرسى المحاور الذى يبثّ الأسئلة إلى كرسى المحاور الذى يستقبل الأسئلة للإجابة عنها.

إليكم هذا الحوار الممتع مع روائى و ناقد لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد.

- كيف جئت إلى الكتابة الأدبية ؟هل كان قرارا منك أم ساقتك الأقدار إلى محنة الأدب؟ ماذا تنتظر من الكتابة كفعل وجودى ؟ وبم تطالبها لحظة ممارستها؟
يغرس الواحد منا إصبعه فى التربة فيعرف الأرض التى ينتمى إليها من الرائحة التى يشمّها، وأغرس أنا إصبعى فى الوجود، فينم عبيره عن اللاشيء، فأين أنا؟ ومن أن، وكيف جئت هنا؟ و ما هذا الشيء المسمى بالعالم؟ وكيف وصلت إليه؟لماذا لم أسأل و لماذا لم أؤهل لأتطبّع بطرقه وعاداته؟ بل قُذفت إلى جوعه وكأنما اشتريت من خاطف ملعون أو من تاجر أرواح؟و كيف أصبحت مهتما به ؟ أو ليس أمرا طوعيا؟ وإذا كنت مرغما على تمثيل دور فيه،فأين المخرج؟بودّى لو أراه؟ نسخت هذه العبارة لكيركغارد وأنا فى سنّ مبكّرة فى كراس شخصى كنت أهيم به ملتقطا أروع ما قرأت من كلمات لكبار الفلاسفة والكتاب.لا أدرى الآن من أين التقطت تلك العبارة ولكننى كنت كلما فتحت دفاترى القديمة إلا و توقفت عندها.

أعلم اليوم أن الأسئلة الوجودية التى كانت تطرحها كلمات كير كغارد قادت مسيرتى الحياتية إلى وقت غير بعيد وأن حيرته مازالت تسكننى بنفس الدهشة.

ولكنى أعلم أيضا أننى ما خلقت إلا لأكتب وقد تنقلت منذ طفولتى بين مهن شتّى من عامل فلاحى إلى صائد سحليات وخنازير إلى مهرّب ملابس من وجدة بالمغرب إلى عامل فى الكهرباء إلى بائع كتب فى الشوارع الخلفية بالعاصمة إلى مصوّر فوتوغرافى يجوب الأقاصى و يتسلق الجبال لاقتناص صور لنساء الغابات إلى محرر فى صحف تونسية وعربية إلى أستاذ متعاون بالجامعة إلى محاور…

رحلة تعلمت منها أن الإنسان مثل التمثال أو كما وصفه همنقوايقد يتحطّم لكنّه لا يهزم حياتى إذن حياة ملؤها البناء والتخريب حياة تجريبية دائما لا تكل المغامرة ،أستجيب لندائها مثل الرجل المسكون بالجن،أداورها و تدارونى ،أهزمها وتهزمنى ،أشعر دائما أننى أمتلك طاقة غريبة تحرّكنى لأكتشفها،لا أدرى صراحة إلى الآن ما نوع هذه الطاقة لأن عندى إحساسا أن بداخلى كائن أكبر منى بكثير ينازع من أجل أن يظهر للعلن.

أعود إلى سؤالك حول ماذا أريد من الكتابة؟ ليتنى أعرف ماذا تريد منى الكتابة لأنها هى التى تطاردنى مثل عاشقة عظيمة،فلم أذهب نحوها يوما لكنها كانت تقطع عليّ الطريق كلما تركتها إلى هم حياتى آخر فكانت تباغتنى و أنا مسافر أتاجر بسراويل الدجينز و الأحذية الرياضية و معاطف الجلد التى كنت أبتاعها من مدينة وجدة بالمغرب وأعود بها عبر القطار الدولى إلى تونس و أنا بعد فى الثامنة عشر من عمري.تباغتنى الكتابة فاستل قلمى و أكتب على العلب الكرتونية و غيرها.الكتابة هى التى تأتينى و أنا أطارد خنزيرا برّيا فى الجبال فأركن إلى شجر الصنوبر لأكتب .لقد تيقنت أن الكتابة هى التى تريدنى و تريد منى شيئا قدريا نصبته لى فى مكان ما.
هذا لا يعنى أننى بلا طريق ،لأنى مؤمن بمقولة كولن لولسالانسان حيوان هادف ومن ثم فأنا توّاق دائما لتحقيق أهدافى وأعمل من أجلها بضراوة.و الخيال هو عضو الإنسان فى التغيير الذاتي لذلك فنحن معشر التخييل نعيش من أجل تحقيق ذواتنا التى حلمنا بها لأننا نعلم جيدا أن ما خلقنا به و فيه ليس قدرنا على الإطلاق و أننا نوجد فى مكان آخر و علينا طوال حياتنا أن نبحث عنا إلى أن نتقابل مع ظلالنا و أرواحنا.

- يقول نيتشه : أبتهج كلما أرى الناس يرفضون رفضا مطلقا مجرد التفكير فى الموت فكمال الرياحى لا يبهج نيتشه لحضور الموت فى نصوصه ، فلماذا الموت موجود فى مجموعتك القصصية نوارس الذاكرة ؟
هذا صحيح، وأنا عاشق كبير للموت وما يدور حوله، وأعتقد أن أجمل ما فى الإنسان أنه كائن يموت، لذلك يحتفل بالموت من خلال تلك الطقوس التى نعرفها و التى تتغير من حضارة إلى أخرى .الموت هو تتويج للزمن والزمن هو الحى الذى لا يموت رغم كل ما نقوم به من حماقات من أجل اغتياله فنسمى استقالتنا من الفعل و الركون إلى الراحة و تبذير حياتنا فى اللهو بقتل الوقت.

و الموت فى كتاباتى يمثل مناخا خاصا لارتباطه بتجربتى الحياتية فقد عشت كل طفولتى بين جبانتين واحدة بجانب بيتنا الريفى و هى جبانتنا نحن و جبانة أعبرها قبل أن أصل إلى المدرسة و هى جبانة عشيرة أخرى و بين المقبرتين كنت أحلم بالتحليق بعيدا إلى أن جاء اليوم الذى غادرت فيه أسرتى القرية و نزلنا المدينة فإذ بالبيت تفتح نوافذه على مقبرة كبيرة للنصارى .هكذا أقنعت نفسى أن القبور تلاحقنى أينما ذهبت و استأنست بها و أحببتها فباتت مكان إقامة و كتابة و تخييل.

و من ثم فالموت حاضر فى كل ما أكتب بداية بالشعر الذى وأدته و بعثته فى مكان آخر إلى الرواية مرورا بالقصة القصيرة.
هل تعلم أن القص و الموت لا يمكن أن يفترقا أبدا فشهرزاد ظلت تقاوم السيف،الموت، بالحكاية و جماعة الديكامرون لبوكاشو ظلوا يقاومون الوباء بالحكى فى قصر بعيد فى الريف و كاتب السيرة الذاتية يقاوم الإحساس بالفناء بتخليد نفسه عبر الحكى و كتاب اليوميات و المذكرات كذلك، و كتاب السير يرومون تخليد الشخصيات العظيمة،قد يتخذ الحكى أنماطا كثيرة من التمظهر فالأهرامات كانت حكيا فرعونيا لكنه حكى معمارى و ليس أروع من ذلك الحكى الذى يقص الموت العظيم.

نحن نعيش بالحكى و له و كما يقول بول أستر القصص أساسية للحياة البشرية،أعتقد أننا بحاجة للقصص بقدر حاجتنا للطعام و الهواء و الماء و النوم،لان القصص هى الطريقة التى من خلالها ننظم و نرتب الواقع.

- يقول إلياس خورى : الكتابة ذاكرة فكيف هى ذاكرة الأمكنة فى إبداعك؟
أولا أريد أن أتوقف عند عبارة الياس الخورى ،فعلا الكتابة ذاكرة و هى سيرة ذاكرة بمعنى أنها ليست ذاكرة شخصية بل ذاكرة شعب و حضارة و هى كذلك ذاكرتى البصرية و السماعية ،إنها كما يصفها ساراماجولغتنا الفعلية الحقيقية العميقة.إنها مخزن ثرواتنا،منجم الذهب،أو منجم الماس،و نحتاج إلى أن نبقيه نشطا و مفتوحا.

و ليس من قبيل المصادفة أن تكون مجموعتى القصصية الأولى بعنواننوارس الذاكرة فقد دخلتها بذاكرتى المزدحمة بالأسئلة و القصص،كنت أريد أن أصرخ فى وجه العالم إنى كلى قصص فهلموا الى اسمعكم .هذا الإحساس أحسست به و أنا أدخل المدينة التى بدت لى فى البداية فقيرة من القص.كانت مثل جدول الرياضيات صامتة باردة ،ملغزة و بليدة مقارنة بقريتى التى كانت أفرانها تحكى رائحة الخبز و جبالها تفوح بأزكى الروائح و أروع القصص الممنوعة.

- من أين يأتى نصّ كمال الرياحي؟
يجيء النصّ عادة من منطقة مظلمة من الوعى تتقاطع فيها الذاكرة بالراهن. منطقة عصيّة على الفهم و على الإدراك .هى منطقة ممنوعة من التمظهر .منطقة حدودية بين الوعى و اللاوعي. منطقة محروسة جيّدا بأشرس أنواع الجيوش يحملون شارة موحّدة :النسيان.
لكننى عندما أريد أن أبسّط هذا السؤال و أنزله إلى منطقة أقل تركيبا و تعقيدا. أقول إن كل نصّ كتبته جاء من صورة ، كان يتشكّل فى ذهنى لوحة و فى كثير من الأحايين كنت أجسّدها على الورق أو على القماش ثم تنادينى بعد وقت لأحولها إلى قصة قصيرة أو مقطعا فى رواية أو فكرة لدراسة نقدية لذلك حمل كتابى النقدى الصادر فى الأردن حركة السرد الروائى و مناخاتهعنوانا فرعيافى استراتيجيات التشكيل.

لقد اكتشفت موهبة الرسم عندى قبل أن أكتشف موهبة الكتابة و كثيرا ما كنت أتعرّض للتأديب من والدى أو أخى الأكبر لأننى كنت أعمل فى كتبهما و مجلاتهما مقصّى المدرسى فأقطع الصور لأشكل منها صورة أخرى من خلال عملية التلصيق…وقتها لم أكن أعرف تقنية اسمها الكولاّّج .

كنت أحيانا أتسلى بتزوير بطاقات الدخول إلى أفلام السينما التى كانت تعرض فى المدرسة و كنت أتقن تزوير الخاتم الحى بشكل كان يفاجئ زملائى ،بعد ذلك انشغلت فى سنوات التعليم الثانوى بترتيب الحيل و المقالب لأصدقائى و مازلت أذكر ما فعلته بأحدهم فى سنة الباكالوريا عندما أرسلت إليه استدعاء مزوّرا للذهاب إلى تونس كى يقوم باختبارات الدخول لسلك شرطة المرور الذى كان يعشقه و كان لا يكفّ عن إرسال المطالب فى ذلك الشأن.

أذكر أن تلك القصة دامت شهرين و ظل يحلم المسكين بالبدلة الزرقاء و المسدّس المرشوق فى حزامه و هو يأمر و ينهى فى تقاطع كبير بالعاصمة و يجهّز أدوات الحلاقة و الملابس الرياضية للاختبار و لم يشكّ أبدا فى الورقة التى أرسلتها إليه و التى كانت مزوّرة ،عندما أعلمته بالأمر قاطعنى لمدة سنة كاملة و كان من أقرب أصدقائى فعدلت عن هذه المشاكسات و علمت خطورة ما كنت أقترفه بدافع محبتى للتقليد و إظهار براعتى فى الرسم. هكذا كا


المزيد


الروائي التونسي كمال الرياحي لايلاف

سبتمبر 1st, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , حوارات مع المؤلف

 

   أفظع الجرائم لا تحدث إلا في وطننا العربي

حاوره إيهاب الشاوش من تونس:

 الروائي التونسي كمال الرياحي من مواليد 1974 تخرج من المعهد العالي للغات بتونس وتحصل بتفوق من كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة على شهادة الدراسات المعمقة في الأدب العربي الحديث عن بحث مداره تجربة واسيني الأعرج الروائية. هو أحد كتاب ومستشاري مجلة ديوان العرب ويشتغل حاليا الصحافة العربية و رئيس تحرير القسم الأدبي لجريدة فسيفساء التونسية . له عديد الدراسات النقدية والأعمال القصصية منها "نوارس الذاكرة"،"سرق وجهي" و"حركة السرد الروائي ومناخاته". عرف بجرأته في معالجة القضايا الأدبية العربية والتونسية وعمق معرفته للأمور رغم حداثة سنه(32 سنة).صدرت له مؤخرا وبمناسبة الدورة 24 لمعرض تونس الدولي للكتاب رواية "المشرط" ضمن اقدم واعرق دار للنشر بتونس وهي دار الجنوب للنشر والتوزيع وضمن سلسلة عيون المعاصرة التي يشرف عليها الأستاذ توفيق بكار. رواية الرياحي قدم لها رئيس اتحاد الكتاب التونسيين الأستاذ صلاح الدين بوجاه. جمدت لمدة اربعة ايام في معرض الكتاب واعتبرها البعض "انجيل المهمشين". حول تجربة الرياحي وموقفه من بعض المواضيع التي تخص الساحة الثقافية التونسية وتسليطا للضوء على روايته الأخيرة كان هذا الحوار:

*غالبا ما يقع التعريف بك على انك ناقدا وروائيا. هل يمكن التوفيق بين الاثنين؟

- هذا السؤال يطرح دائما بالمشهد الثقافي العربي ولا يطرح إطلاقا في الغرب لاعتبارات مازالت مجهولة. في الغرب لا أحد يشكك في قدرة "ايكو" الروائية وهوصاحب رائعة "اسم الوردة" ولا أحد يشكك في قدرته النقدية باعتباره من كبار السيميائيين في العالم…الجمع بين الإبداع والنقد ظاهرة تلدة قديمة ويكفي ان نذكر بأن كبار الكتاب العرب كانوا علماء ونقاد ايضا مثل البيروني. انا بدأت حياتي الحبرية بالكتابة الإبداعية وبالشعر تحديدا ولكن اول ما نشرت كانت مجموعة شعرية بعنوان "نوارس الذاكرة" وبعد ذلك عرفني المتلقي ناقدا من خلال كتابي النقدي "حركة السرد ومناخاته".

* لماذا راهنت منذ البداية على المتلقي العربي وليس التونسي تحديدا؟

- الساحة التونسية بالفعل ليس فيها محركات ثقافية كبرى بما في ذلك المجالات والملاحق الكبرى إلا ما ندر. هذا احد اسباب توجهي نحو الكتابة خارجها ولكن السبب الرئيس هو

نني أردت ان اختبر نصي عند المتلقي العربي. المتلقي التونسي جزء صغير من متلقي كبير في الكم والكيف. في وقت من الأوقات طغت الشللية على المشهد الثقافي التونسي لذلك لم اراهن عليه كثيرا ولا قليلا ولذلك راهنت على متلق افتراضي لا يعرف من كمال الرياحي سوى نصه.

* اذن هو هروب؟

- ليس هروبا. المشهد التونسي ليس مغريا وأنا ضد القطرية. والكثير من الكتاب اختاروا المحلية مثل محمود المسعدي الذي كان كاتبا كبيرا لكنه كان محليا. ابو القاسم الشابي لم يعرف في تونس الا بعد تجربة "ابولو" في مصر. وانا في الحقيقة كنت أعرف بالأدب التونسي خارج تونس والكثير من الكتاب التونسيين عرفوا من خلال عديد الدراسات التي كتبتها عنهم.

* يعني انت كنت سببا في التعريف بكتاب تونسيين؟

-عشرات الكتاب الذين يعتبرون كتابا. مسعودة ابو بكر مثال التي تعترف بذلك. سليم دولة ايضا وهو مفكر كبير وكان حواري معه فرصة لمعرفة هذا الفكر.

* انت قلت" ان الإخفاق المدرسي ليس علامة ابداع وان النجاح الأكاديمي ليس تهمة" ماذا كنت تعني بذلك؟

-هي ليس قواعد. العصامي ليس دليلا انه سيكون مبدعا فهذا ليس شرطا للإبداع ولا النجاح المدرسي دليلا على النجاح ولا على الإخفاق. النجاح الأكاديمي ليس علامة على جودة أن يكتبه شخص ما. وانا منتمي الى الجامعة التونسية بشكل اوبآخر لكني لا ادافع على ما يكتبه الجامعي وارى في ما يكتبه الجامعيون من ابداع مجرد تمارين مدرسية وينسحب ذلك على ما يحبرون من نقد.

* وما رأيك في ما تصدره الجامعة التونسية؟

-اصدارات الجامعة التونسية فيها الغث والسمين ككل جامعات العالم. لكن النادر منها ما يبقى ماثلا في الأرض.

* ما هي اسباب ذلك؟

-لأن جل ما يخرج من اقلام الجامعيين هوبحوث يجهزونها لترقية وظيفية ومن ثمة فنحن في حاجة الى ما اطلق عليه «قرامشي" بالمثقف العضوي". نحن نحتاج الى جامعي ينزل الى الشارع الثقافي لتحسس التجارب الجديدة لأن الجامعي يعيش في برجه النخبوي واحيانا هذا البرج يكون بمثابة القبر.

* هناك روح عجائبية في كتاباتك. هل تأثرت بأدب اميركا الاتينية؟

- لم أتأثر لأننا وباختصار مجتمعات عجائبية بطبيعتنا وأدب اميركا اللاتينية كان يمتح من ثقافتنا نحن. المجتمع التونسي والقروي منه والذي انتمي اليه رأسا هومجتمع سحري وخرافي. لقد ولدت وترعرعت في قرية خرافية بامتياز لذلك فأن ألتفت

المزيد


القارئ العربي يحتاج إلى صدمات كهربائية

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , حوارات مع المؤلف

 

 الروائي والناقد كمال الرياحي للراية القطرية      :    

حاورته :اشراف بن مراد

ichrafbenmrad@yahoo.fr   

 

 

عن دار الجنوب للنشر وضمن سلسلة عيون المعاصرة التي يشرف عليها الناقد توفيق بكار، صدر مؤخرا للناقد والروائي التونسي كمال الرياحي رواية بعنوان "المشرط "التي قال عنها البعض إنها "رواية خطيرة"و اعتبرها البعض الآخر "انجيل المهمشين".

إذ أن المشرط على حد تعبير آمال البجاوي يجسد " قلم الروائي كمال الرياحي يمزّق به وقار المعهود و يصدم به رصانة كاذبة للمألوف, مشرط يشهره في وجه المجتمع الخامل و البشر النائمين بعيون مفتوحة غير أنها لا ترى. مشرط يلمع في وضح النهار ليبدّد سكينة الليل و ما أخفى …فإذا لمعانه يٌعشي الأبصار ؟".ونذكّر أنه كان قد صدر لكمال الرياحي عديد الدراسات النقدية والأعمال القصصية منها "نوارس الذاكرة"،"سرق وجهي" و"حركة السرد الروائي ومناخاته".

عن رواية المشرط وغيرها من قضايا المشهد الثقافي التونسي والعربي ، تحدثنا مع الناقد والروائي كمال الرياحي فكان الحوار التالي:

 

 

1*الراية: صدرت لك مؤخرا "رواية المشرط" التي رمت من خلالها كشف المستور وهو ما يتضح من خلال العنوان.هل تعتقد أن القارئ التونسي بصفة خاصة والعربي عموما بحاجة إلى كل تلك الحدة والصدمة التي سببتها له الرواية؟  

-بالفعل القارئ العربي يحتاج إلى أكثر من ذلك ،إنه يحتاج إلى صدمات كهربائية وكهرروائية وكهر إبداعية ليتعرف على ذاته من جديد ولذلك ظهرت بعد نكسة 1967 مجموعة من الروايات تعيد النظر في الهوية والذات العربية.واليوم نحن نمر بفترة انتقالية أخرى فنحن لم نمرّ بعد 1967 لم نمر بنكسة فعلية إلا بعد 11 سبتمبر 2001.لذلك فان المجتمعات العربية قد تغيرت ودخلت في دوامة جديدة من الانهزامية ومن المأساة التي يعيشها الوطن العربي بشكل عام والمواطن العربي بشكل خاص. لذلك كانت رواية المشرط منطلقة من هذا الجوّ السريالي الكفكاوي الذي نعيشه يوما بيوم.

 

2*الراية: لقد نجحت رواية"المشرط" في تعرية الواقع التونسي من كل الأقنعة.لكن ألا ترى أنها جاءت موغلة في المحلية وكأنك كتبتها ليقرأها التونسي لا غير؟

 

-أنت هنا تفتحين موضوعا خطيرا جدا وهو ما معنى المحلية والعالمية. المسألة لا تطرح من هذا الجانب بل بالعكس تماما و كما يقول أحد عمالقة الرواية العالمية :"أنا أكون عالميا بقدر ما أكتب عن قريتي".لذلك فليس صحيحا أن هذه المناخات التونسية بعيدة عن القارئ العربي.

إن مهمة الكاتب التونسي أن ينقل مناخاته التونسية للقارئ أينما كان وحتى لا تكون الأعمال والروايات مستنسخة من بعضها فلا بد أن تنبت روايتي في بيئتها وفي مناخها.أما مسألة تعرية الواقع التونسي فأنا أعتقد أن همّ الرواية ليس بالأساس التعرية ،ربما الموضوع هو الذي استدعى ذلك وتطلب تلك الجرأة في الطرح .

ربما أردت القول إنه إذا كان المجتمع التونسي الذي يعد من بين أكثر المجتمعات العربية حداثة،يعيش هذه المشاكل فما بالك بالمجتمعات العربية الأخرى.

   

3*الراية:إلى أي مدى كان كمال الرياحي حرا في كتابة المشرط ؟أي إلى أي مدى خضت في ما يسمى "المسكوت عنه"؟

 

-طبعا ،الحرية هي شرط أساسي في الإبداع إذ لا إبداع دون حرية لذلك كتبت الرواية بقدر كبير من الحرية على مستويات كثيرة:لقد حاولت التخلص من كل التابواتtaboux الممكنة أي من المحرمات والمقدسات الزائفة التي تحيط بالمبدع .

طبعا هناك مقدسات لا سبيل إلى هتكها.لكني حاولت في الرواية وبأسلوبي المتهكّم السخرية من العقليات المتحجرة والأوضاع السياسية العربية المضحكة التي نعيشها و من وضع الإعلام العربي… لذا كان هناك قسط من الحرية.

ربما لو توفرت حرية أكبر، لغصنا في أعماق أخرى أكثر جرأة من هذا.وهذا هو المطلوب من الرواية أن تكون جريئة في مستوى طرحها الفني قبل أن تطرح المسالة الإيديولوجية.

لقد خرجنا من مستوى الرواية باعتبارها حكاية مغامرة إلى الرواية باعتبارها مغامرة كتابة.إذ لم نعد نكتب للمغامرة بل أصبحنا نغامر في الكتابة على المستوى الفني.أما على المستوى الإيديولوجي، فأنا ضدّ الكتابة التي لا تقول شيئا و أرى أنه ليست هناك كتابة بيضاء بالمعنى المائع لذلك لا بد للكاتب أن يقول شيئا وأن يكون له موقف من واقعه وعصره وأن يعبر عن ألم الجماهير وتطلعاتها.على أن لا يتحول الخطاب الإبداعي إلى خطاب سياسي أو إيديولوجي.

 

 

4*الراية:اعتمدت في "المشرط" مجموعة من الرموز مثل" المخاخ"،" شجرة الخروب"،" الهدهد "،"المرأة"، "ابن خلدون"..لكن ألا تلاحظ أن مشرطك قد توجه بالدرجة الأولى إلى المرأة وكأنك تحملّها مسؤولية ما حصل للمجتمع وهوانه؟

 

-بالعكس تماما ، فأنا أرى أن المرأة العربية بشكل عام منتهكة الحقوق. رغم أنها في بعض مجتمعاتنا ربما تكون قد تحصلت على بعض الحقوق إلا أنها أفقدتها هويتها الحقيقية لأنها ركضت وراء حقوق وهمية .أما القول إن الرواية كانت ضد المرأة فلا أعتقد ذلك، بل بالعكس لقد حاولت أن أبيّن أن المرأة هي الضحية الأولى لهذه المجتمعات الذكورية.

لقد تحدثت مثلا عن الهزيمة في صورة إمرأة مومس تحولت إلى محاكمة هذه المجتمعات وهؤلاء السياسيين.وفي الجزء الخاص بالمخاخ كانت المرأة ضحية في النهاية وكانت تستعبد بالإنجاب..وهذا واقع المرأة في المجتمعات العربية .وكما قلت فان الرواية ليست تونسية بمعنى "التونسية القحة "التي يمكن أن تعوق المحلّية انتشارها أو أن تفهم خارج مجالها. وإنما هي منفتحة عن المشهد الاجتماعي العربي لذلك فصورة المرأة في المخاخ هي صورة المرأة في المشرق وليست صورة المرأة في تونس.ومع ذلك أعتقد أن المجتمع العربي هو مجتمع واحد يعاني من نفس المشاكل .فالمرأة في القرى التونسية مثلا مازالت تعاني من الحس الذكوري بامتياز.

 

5*الراية : قلت إن المرأة قد ركضت وراء حقوق وهمية.فماهي حسب رأيك الحقوق الحقيقية التي لم تطالب بها المرأة بعد؟

 

-أعتقد أن المرأة قد سقطت في الفخ الذي نصبه لها الرجل الذي أوهمها بأن هذا الذي تحصلت عليه هو حقوقها. في حين أنها في المقابل أهملت هويتها وكيانها فأصبحت المرأة كما نرى اليوم في الفضائيات والمجلات مجرد فتاة إشهار.وهذا ما أفقدها هويتها الحقيقية بصفتها إنسانا.

لذلك فالرجل يغدق عليها هذه الحريات لتتحرر في خروجها وسفورها. ولكن لسائل أن يسأل لصالح من؟في الحقيقة انه لصالح الرجل الفخور بحسه الذكوري الذي يريد أن يستمتع بالمرأة في مشهده، في واقعه في الإعلام، في التلفزيون…وهو ما جعل المرأة تسقط أسيرة جمالها الذي صنعته عين الرجل.

في حين أن جمال

المزيد





ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي