النشر الإلكتروني ورواية الواقعية الرقمية، أسئلة لولادة شرعية

سبتمبر 8th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات

الكتابة الرقمية تحتاج لناقد جديد بأدوات مختلفة


 
كمال الرياحي

 هل يأتي النشر الالكتروني نتاجا طبيعيا لتطور عملية النشر وازدهار صناعة الكتاب؟

أم يأتي تعويضا وحلا ممكنا لأزمة النشر والتوزيع؟

الإجابة عن السؤال الأول بالتأكيد لن تكون إلا بـ "لا"، فالنشر العربي تزداد أزمته تفاقما كل عام بسبب انحسار دائرة التلقي. أما اعتبار النشر الالكتروني حلا فهذا أيضا ليس صحيحا لأن شروط النشر الالكتروني تبقى غير متاحة للعموم بسبب التكلفة الباهظة.

إذن، ظهور النشر الالكتروني عندنا ليس سوى تجل من تجليات العولمة وأسلوب حياة استعرناه من الثقافة الغربية التي تعيش هي أيضا مأزقا في النشر الورقي، وليس أدل على ذلك من أزمة نشر الشعر في فرنسا مثلا التي لا تتعدى نسخ الطبعة الواحدة 800 نسخة.

منذ عقود تحكمت اليابان في مجالها بإلغاء الرصيف من الشوارع وصناعة سيارات صغيرة جدا لتسهيل حركة السير وبناء بعض الملاعب على سطوح البنايات. إذن في إمكان البشر العيش في واقع جديد قوامه التكثيف، واقع افتراضي واستعاري.

الكتاب الالكتروني هو الآخر كتاب افتراضي، ولكنه يحمل كل ملامح الكتاب الورقي ما عدا شكله الخارجي، وهو في وجه من وجوهه عملية تحكم في المجال/الفضاء، فزاوية صغيرة من البيت يمكن أن تتسع لمحتوى مكتبة عملاقة، لأن الكتاب الإلكتروني فقد حجمه الكلاسيكي، بل إننا يمكن أن نخزن كل مكتبات العالم في جهاز كمبيوتر، ومن ثم تتحول المكتبة إلى وجود افتراضي داخل الجهاز.

إن قرصا مثل "الموسوعة الشعرية" يحتوي على أكثر من 265 مرجعا أدبيا منها الأغاني للأصفهاني وكل مؤلفات الجاحظ والتوحيدي و المعري … و 10 معاجم كبرى منها لسان العرب وتاج العروس… وتحتوي على حوالي مليونين ونصف المليون بيت من الشعر موزعة على دواوين 2300 شاعر.

قرص بحجم اليد يحتوي على مكتبة كاملة لا يمكن أن يدعي أي باحث مهما كان شغفه بالكتب أنه يمتلكها. وكل هذا الكم من الكتب يباع بـ 10 دولارات فقط، كما أن اشتراكا في الانترنت يمكنك من تحميل ما شئت من الكتب.

لقد مثل اتحاد كتاب الانترنت العرب، بادرة مهمة للم شتات الكتاب "الأنترناتيين" الذين تخطوا صفر سنة 2000 بسلام مثل حواسيبهم. و لكن هل صحيح أن كل من ينشر في الإنترنت يجيد التعامل معها؟ سؤال يحتاج إلى جواب بطعم الـ"لا". لأن الكثير من الكتاب العرب ينشرون أعمالهم في المواقع الالكترونية بواسطات، أي عبر أشخاص آخرين يجيدون التعاطي مع الشبكة العنكبوتية. بل إن من الكتاب الذين نقرأ لهم على النت من ما يزال لا يجيد استعمال الكمبيوتر أصلا، فهو إما يرسل مقالاته بالفاكس إلى الصحف التي تحولها إلى نصوص الكترونية أو عبر واسطات بشرية. ومن أعضاء اتحاد كتاب الانترنت العرب من ما يزال غير مؤهل لكي يكون كاتبا رقميا.

ثمة مسألة أخرى هي الرواية الرقمية والتي افتتحها عربيا الروائي الأردني محمد سناجلة بروايتين "ظلال الواحد" و"شات". ولنتساءل: هل سنكتب، في المستقبل، رواية، أم سنصنعها؟

تتجه الرواية بطابعها الإسفنجي إلى ضم كل الفنون الأخرى وإلى تدجين كل التقنيات العلمية لصالحها، فهي بطابعها الاس

المزيد


فورة الأجناس ورسوخ السيرة الذاتيّة في

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات

 

 

بقلم كمال الرياحي

تصدير : " ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم" تولستوي

مدخـل :

تنهض الكتابة السرديّة العربية اليوم على الكثير من مظاهر التلوين الأجناسي. وقد ظهرت هذه الأعراض خاصّة على الرّواية التي أخذت تطعّم عوالمها بعوالم الأجناس الأدبية الأخرى و"تتبّـل" لغتها وأدواتها بلغات وأدوات تعبيرية جديدة. فتراكمت في أواخر القرن العشرين نصوص روائية تبدو كأنّها تعيش حالة إشكال تصنيفي نتيجة ذلك التنافذ والتعالق الأجناسي.

ومثلما تخطّت الرّواية قوانينها وأدواتها لتستعير من الأجناس الأدبية الأخرى تقنياتها وأدواتها، استعارت هذه الأجناس من الرواية - بدورها - بعدها التخييلي ورؤيتهـا للمكان وأدواتـها في عرض الأحداث وفي رسم شخوصها وهندسة بنائها.

والسيرة الذاتية، باعتبارها أقرب الأجناس الأدبية من الرواية، كانت واحدة من هذه الأجناس التي تلبّست بلبوس الرّواية حتّى تفرّع من جنسها نوع سمّاه جـورج مـاي بـ"السيرة الذاتية الروائية". وقد نشط هذا الجنس الخاصّ في المغرب العربي عامّة والمغرب الأقصى خاصّة. ومثّـل الكاتب محمد شكري نموذجًا من الكتّاب اللذين وضعوا حياتهم الشخصيّة على محكّ الكتابة. فكانت حياته مرجعه الإبداعي في معظم أعماله الأدبية من قصة قصيرة ورواية ومذكرات.

وخصّ سيرته الشخصيّة بثلاثة عناوين كانت "وجوه" [1] (2000) جزأها الثالث بعد "الخبز الحافي" (1982) و"زمن الأخطاء" أو "الشطار" (1992).

خضعت هذه النصوص الثلاثة إلى تعريف الفرنسي فيليب لوجون البسيط لجنس السيرة الذاتية باعتبارها "حكيا استعاديا نثريا يقوم به شخص واقعي عن وجوده الذاتي، وذلك لما يركّز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيّـتـه بصفـة خاصّـة" [2].

وقد أقدمنا على ملاحقة هذه "الوجوه" واستنطاقها لحداثة صدورها "فالخبز الحافي" قد أُشبعت نقدًا حتّى بات ما يكتب عنها اليوم لا يخلو من تكرار وإعادة لما كتب عنها في الغرب أو في الشرق، وينسحب ذلك ولو بشكل أقلّ على "زمن الأخطاء "، فاعتبرنا أن الوقوف عند هذا الجزء الثالث قد يساهم في الكشف عن وجه آخر للكاتب أو عن وجوه تطوّر التجربة الإبداعية عنده، خاصّة وأنه قد مرّ على صدور الجزء الثاني من سيرته الذاتية "الشطّار" ما يقارب العقد من الزمن. ونحن إن كنّا عزمنا على مقاربة "وجوه" نقديّا فإننـا لن نغفل النظر في الجزأين السابقين "الخبز الحافي" و"الشطّار" حتّى تكون لنا نظرة شاملة لأجزاء السيرة الذاتية باعتبارها نصّا واحدًا كتب على مراحل، بل إننا لن نتردّد في الإشارة إلى بعض النصوص الأخرى إذا ما استدعى مـنّـا الأمر ذلك لإضاءة بعض ظلال الوجوه وفكّ تجاعيدها وإنطاقها أو حملها على الاعتراف.

وسنستند في هذه المقاربة على بعض أدبيات كتابة السيرة الذاتية، وكتابة الرواية في نفس الوقت لانفتاح النص على كلا الجنسين ولأنّ "الجهد الكبير الذي يبذل لإرساء بلاغة للرواية أو إنشائية أو حتّى "خطاب قصصي" أو"علم قصّ" يفضي إلى نتائج (…) تنطبق بصفة عامة على السيرة الذاتية انطباقها على الرواية" [3].

وسنحاول قراءة هذا العمل قراءة أجناسية تسلّط الضوء على حالة "اختراق " الرّوائي" للسير ذاتي خاصة. وعلى ظاهرة التعالق الأجناسي بشكل عام. ولأجل بلوغ هذه الغاية وضعنا هذه العناوين الكبرى لبحثنا نـروم أن تكون دليلا للقارئ وطريقا لنا :
  لماذا محمد شكري ؟
  الميثاق السير ذاتي / العقد الغائم
  الحقيقة التائهة بين الذاكرة الخؤون والأنا الرقيب
  وجوه الأمكنة في "وجــوه "
  وجوه الأزمنـة في "وجــوه "
  وجــه الكاتب بيــن الوجــوه
  تراجـع اللهجـي والمتداول وتنامي الدخيل
  فورة الأجناس ورسوخ السيرة الذاتية.

I- لماذا محمد شكري ؟

تمثّل أعمال محمد شكري حالة استثنائية في القصّ العربي عامة والقصّ المغربي خاصة. وربّما ارتبط هذا الاستثناء بحياة الرجل/الكاتب الاستثنائية فقد عُدّ "محمد شكري حالة وجودية وظاهرة أدبية متميّزة في حقل الأدب العربي الحديث والمعاصر، فهو يتميّز عن غيره من الكتّاب المغاربة والمشارقة على حدّ سواء بجرأته النادرة في الحديث المكشوف عن تجربته الذاتية القاسية والشاقّة والتي تمثل نموذجا صريحا عن تجربة المهمشين أمثاله من فئات المجتمع المغربي العربي" [4].

وأشدّ ما يبرّر اختيارنا له هو صلة أعماله الأدبية بحياته الشخصيّة اليوميّة فسيرته الذاتية تكاد لا تفارق كتاباته بمختلف أجناسها الأدبية. ورغم أنّ بعض نصوص السيرة الذاتية قد سبقت نصوصه من مثل "الزاوية" للتهامي الوّزانـي (صدرت 1942) و"في الطفولة" لعبد المجيد بن جلّون (صدرت 1957)… فإنّنا نكاد نجزم أنّ محمد شكري هو الذي "أَسْكَن" السيرة الذاتية – باعتبارها جنسا أدبيا – المغرب الأقصى فانتشرت ظاهرةً للكتابة السردية. وهو ما دفع أحمد المديني إلى القول: "إننا بقولنا إن المتـن الروائي المغربي قابل ليدرس إجمالا من المنظور المخصوص للكتابة الأتوبيوغرافية لم نكن ندفع بفرضيّـة من بين فرضيات بل نسجّل ما نراه، من وجهة نظرنا، تيّارا عاماً… يشهد على ذلك غالبية إنتاج السنوات الأخيرة الساعي لتلقيح الرواية برؤيـة وجماليـة تحديثيتين يتم قسم كبير منه بنوع من التنويع على الإيقاع الأوتوبيوغرافي" [5] وقد سبقه إلى هذه الرّؤية الباحث التونسي بوشوشة بن جمعة حينما اعتبر "الكتابة عن الذات في المغرب الأقصى تمثل تقليدا في الأدب المغربي الحديث والمعاصر" [6] وقد ساهم في تكريس هذا النّمط من الكتابة محمد شكري الذي حققت أعماله الأدبية نجاحا كبيرا في الغرب الذي تبنّى تجربته وأنقذها من قانون المنع والمصادرة الشّرقي. ولم تفتح دور النّشر العربية أبوابها لكتاباته إلاّ بعد أن نشرتها دور النّشر الغربية مترجمة إلى لغات قرائها.. ولعلّ قصّة الجزء الأوّل من سيرته الذاتية "الخبز الحافي" وما عاناه هذا الكتاب من مطاردة ومصادرة وترجمة أصبحت معلومة لكل قارئ عربي.

II- الميـثاق السير ذاتي: العقد الغائم

يفتتح محمد شكري عمله بما يشبه الميثاق السّيرذاتي الذي حدّده الفرنسي فيليب لوجون وهو وعد يقطعه الكاتب، منذ البداية، على نفسه يخصّ به القارئ فحواه أنّ ما سيقوله في نصّه هو سرد لحياته الشخصية وهذا الميثاق تتوجّه من خلاله القراءة وجهة محدّدة تميّزها عن قراءة الرواية ومختلف الأجناس الأدبية الأخرى "فما يميّز موقفنا عند قراءة سيرة ذاتية عن موقفنا عند قراءة رواية ليس كون الأولى حقيقيّة والثانية خيالية، وإنّما كون الأولى تظهر لنا في لبوس الحقيقة والثانية في لبوس الخيال" [7].

وميثاق شكري في "وجوه" جاء ليعارض الدّوافع المعروفة لكتابة السيرة الذاتية فلم تكن غايته من كتابه هذا الجزء الثالث تبرير أفعاله مثلما فعل جان جاك روسو في "اعترافات" ولا كانت غايته إدانة نفسه والاعتراف بأخطائها في شبه تكفير عن الذنوب وإحساس بالندم إذ يقول: "لن أسعى في هذه التجربة إلى تبرئة نفسي أو إدانتها؛ أنا والآخرون. فبين الفرح المطلق والحزن المطلق أنا بينهما مثل دودة القزّ لن أخشى من الغد الكئيب اللّعين سواء كنت مع نفسي أو مع الشيطان" (ص7).

غير أنّ الكاتب يقدّم هذا الميثاق السّيرذاتي داخل فصل من فصول العمل السردي وعادةُ الميثاق أن يكون خارج نصّ السيرة الذاتية، مثلما فعل الكاتب في نصّه الأوّل "الخبز الحافي" حين وضع الميثاق في نصّ منفرد منفصل تحت عنوان "كلمة" رغم أنّ الطبعة الفرنسية ليس فيها هذا الميثاق. وهذا الإرباك الأوّل يفجّر الأسئلة الأولى حول المشكل الأجناسي للعمل الأدبي، خاصّة أن غلاف الكتاب لا يحسم المسألة ففي الطبعة المغربية [8] وضعت عبارة "سيرة ذاتية روائيّة، الجزء الثالث" بينما وضعت عبارة "رواية" على غلاف الطبعة اللّبنانيّة [9]. ولمّا كان الميثاق غير واضح - لوروده في نصّ أكبر وضع له عنوانا "حبّ ولعنات" وقد ورد إثر تصدير مقتطف من رواية "إسم الوردة" لأمبرطو ايكو ـ ولأنّه نظريّا يمكن للكاتب أن يتخلّى عن هذا الميثاق، وهذا التخلّي لا يخرج نص السيرة الذاتية من جنسه، بقي الحسم في جنس العمل الأدبي بعيداً.

III- الحقيقة التائهة بين الذاكرة الخؤون والأنا الرّقيب

يراجع محمد شكري في "وجوه" ما كتبه في الجزء الأول من سيرته الذاتية "الخبز الحافي " حول تلك الذكريات التي خطّتها ذاكرته عن طفولته، فيعترف باستحالة تذكّر هذه الفترة الغائمة من حياته بكل صفائها :

"إن قرية طفولتي لم يعد لها وجود حتّى في ذاكرتي، شاشة مشوّشة، تتشبّح عليها صورتي وصور الآخرين والأشكال التي لا شكل لهـا : تلك الطفولة دمّرتها الهجرة، لا أومن بمن يدّعي أنه يعرف كل طفولته" ( ص152).

وعندما تعلن الذاكرة عن فشلها وتهفُـتُ ينهض الخيال بديلا منتجًا يؤثث ويرتّق ما تركته الذاكرة مُزّقًــا. فتندحر السيرة الذاتية بعيدًا لتظهر الرواية بكل طغيانها وقدرتها الفائقة على حكي الممكن كما لو أنّه كان بالفعل. فمهما أجهد الكاتب نفسه وكابد محاولاً تذكّر فضاءات هذه الطفولة ومشاعرها فإنّه أبدًا "يكتب طفولتـه مـن خـلال رجولتـه ونضجـه، إنّـه يحـوّم حولهـا لأن كل طفولة هي رهينة برجولتها والطفل "الطفل" لا يفهمـه إلاّ الطفـل" ( ص152).

إن اعتراف شكري باستحالة تذكّر طفولته كما كانت بالفعل، وطعنه في قدسيّة ما كتبه عنها قد سبقه إليه رائد من روّاد الكتابة الأتوبيوغرافية في الـمغـرب الأقصـى: عبد المجيد بن جلّون في سيرته الذاتية "في الطفولة" [10] فالذاكرة على الدّوام كما يعرفها جورج ماي تظلّ "مترجرجة قلّبا خؤونا" [11] غير أن الحقيقة لا تكون في كلّ الأحوال ضحيّة تعطّل الذاكرة، فسلطة الذات الكاتبة لحظة الكتابة بكل ما تحمله من وعي وقيم وثقافة هي بعيدة كل البعد عن وعي ذلك الطفل "القديم" وقيمه وثقافته. لذلك تردع الذات الكاتبة الرّاهنة ذات الطفل الغائبة فتُظهر ما تسمح بإظهاره منها وتواري مالا تستلذّ فضحه. خاصّة تلك الجوانب التي تسيء لحاضرها الكهل. ومن ثمّ فضبابية صورة الطفولة عند شكري وعند كل كـتّـاب السيرة الذاتية قد ترجع ـ زيادة على قصور الذاكرة ـ إلى سطوة الأنا الأعلى" المتمثل في "الذات الراهنة" ذات الكهل. ويمكن أن ينسحب هذا التفسير على كلّ ما تدّعي الذاكرة أنها عجزت عن إتيانه وإدراكه، فينشط الخيال لتنزاح السيرة الذاتية إلى أجناس أخرى مجاورة لعلّ الرّواية أقْربُها.

ولما كانت "السيرة الذاتية معرّضة على الدوام للانحراف بسبب ما تمليه ظروف الكاتب زمن الكتابة" [12] أصبح كل ما حدّثنا عنه محمد شكري على أنّه حقيقة موضع شكّ. وهو باعترافه بقصور ذاكرته عن تذكّر حتّى المكان الذي عاش فيه يكون قد طعن السيرة الذاتية في مقتل لتتحلّل في فسحة الخطاب الروائي وتجـري أحـداثهـا في مسارب السرد التخييلي وتنأى عن حديث الحقيقة. و هذا الزيف الذي يضرب السيرة الذاتية والذي يدركه القارئ وهو يواجه "وجوه" يطلّ علينا متسائلا عن حقيقة العلاقة التي تربط "شكري" بـ"فاطي" الساقية، وحقيقة تلك الإشاعة التي روّجتها عنه: "أشاعت عنّـي "فاطي" الودود، الكريمة، لأسباب سأظلّ أجهلها حتى مماتي، بأنّي أبوها المغرم بها ذو النزعة السّفاحية، وحين استنكرت هي وتشبثت أنا بها هدّدتني بالبلاغ عنّي إلى السلطات، هربت لاجئا إلى مستشفى الأمراض العصبية في تطوان لأحمي نفسي مدّعيا الجنون ومنعًا لتفاقم الفضيحة وحفظا لكرامة أسرتها العزيزة التي ورثتها من للاّ شفيقة". ( ص98)

هل فعلا "ظلّ " شكري لا يعلم السبب الذي دفع فاطي لخلق تلك الإشاعة؟ هل هذه الإشاعة كافية ليدخل إنسان بقدميه وباختياره مستشفى الأمراض العصبية ليعيش بين المعتوهين والـمجـانيـن؟

لماذا اكتفى شكري بوصف جسد "فاطي" العاري ليلة نامت عنده فيقفز من الوصف إلى الصباح متحدّثا عن غثيانه؟ هل كان غثيانه من الشراب الذي شربه ليلا أم هو ناتج عن أمر رام تركه مغيّبا؟

لماذا لا يكون الخبر الذي نقله لنا شكري على أنّه إشـاعـة هو الحقيقة؟ ألم يعش شكري حياة ماجنة عاشر فيها اللاّئطيـن والمومسات منذ طفولته حتّى شيخوخته؟ ألم يحدثـنـا في "الخبز الحافي" عن مغامراته في دور البغاء المغربية والإسبانية؟ ألم ينقل لنا في "السوق الداخلي" مغامراته مع المخنّثين؟! لماذا يرغمنا على أن نكذّب معه الخبر ونعتبره إشاعـة. ونسلّم بأنّ الحقيقة هي تلك العلاقة الملائكية مع فاطي؟! ألم يـعـترف في آخـر خبزه الحافي بأنّه ليس ملاكا؟ "لقد فاتني أن أكون ملاكا" [13] ولمّا كانت الإشاعة قد حدثت وتناقلتها شوارع طنجة مثلما كان دخول الكاتب مستشفى الأمراض العصبية بتطوان حقيقة. لماذا لا تكون هذه الإشاعة هي الحقيقة؟ ألا يكون طـرحه هـذا الخـبـر في سيرته الذاتية محاولة من الكاتب تبرئة نفسه[نورد هذه الأسئلة لا بغاية إدانة الكاتب بل لإدانة الحقيقة في السيرة الذاتية جنسا أدبيّا، مثله مثل الرواية، الكذب مادّتـه الأولى.]]؟ لكـن ألم يَعِـدْ في بدايـة السيـرة الذاتيـة بأنّه لا ينوي تبرئـة نفسـه ولا الآخرين؟!!!

إنّ "الحقيقة في السيرة الذاتية هي على الأرجح قضية زائفة، إذ أنّ السيرة الذاتية من حيث هي سيرة ذاتية، مجافية للحقيقة. وأوّل أسباب ذلك أن كاتب السيرة الذاتية لا يستطيع مهما فعل أن يتخلّص من الحاضر الذي يكتب فيه ليلتحم بالماضي الذي يرويه" [14].

وعدم الاعتراف في "وجوه" قد يكون مبرّرا من خلال ما وضعه الكاتب في بداية كتابه بأنّه لا ينوي أن يدين نفسه ويضيف في الفصل الأخير من الكتاب أن "الصّراحة الزائدة حمق يقود إلى التهوّر" (ص156).

ولمّا كان محمد شكري لا يقوى على الإفصاح بما يعرفه عن "الأشخاص" و"الأشياء" خوفًا من خلق "عدوّ لا يعرف متى يثأر منه فإنّه لا ريب يخفي من سيرته الكثير ممّا يخصّ الآخر ويخصّ ذاته. ورغم ما توهم به سيرته الذاتية في أجزائها الثلاثة من فضح للذات وتعرية لها فإن نسبيّة قول الحقيقة تجعل صورة المسكوت عنه في ذهن القارئ أكثر فظاعة وخطورة مما قيل وقد فسّر ذلك الكاتب بالخوف من القتل. هذا الخوف الذي دفعه إلى إغراق حقائق حياته وحياة غيره في الصمت. ألـم يعترف في حوار مطوّل أجرته معه جريدة القدس العربي" أن جماعات إرهابية مجهولة ما تنفكّ تهدّده وتتو

المزيد


لغة الحياة وحياة اللغة في''البق والقرصان''

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات


للروائي الجزائري المهاجر عمارة لخوص

لم يعد من الممكن إطلاقا أن نتصوّر الأدب بمثابة فن قادر أن يستغني عن أيّة علاقة باللغة.

رولان بارث
عمارة لخوص صوت من الأصوات الروائية التسعينية الواعدة التي ظهرت في الجزائر والتي تبشّر بمستقبل جديد للرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، وتمثّل روايته البكر "البق والقرصان" الصادرة في إيطاليا سنة 1999 باللغتين العربية والإيطالية نصّا مهمّا أمكن له أن ينتزع شرعيّته الروائية من خلال ما حمّله به صاحبه من تنوّع أسلوبي واشتغال على اللغة وحفر في أعماق الشخصية الرّوائية والتفاتة ناقدة إلى قضايا الراهن الجزائري الدموي دون إسراف ودون أن تتحوّل فصول روايته إلى محاضر شرطة وجرد لجرائم الإرهاب كما لاحظنا في أعمال روائية أخرى استسهل أصحابها الكتابة الرّوائية وظنوا أن مجرّد سرد المحنة يكفي وحده لبناء نص روائي فلم ينتجوا غير مسوخ سرديّة ونصوص خنثى تستعصي على التجنيس لا لجودتها بل لضحالتها. فكلّما توجهت نحو جنس أدبي إلاّ وتبرّأ منها، فضلّت مجرّد خربشات حبرية ساذجة وسجلاّت أمنية غير متقنة.
تنهض الرواية عند عمارة لخوص كما لاحظنا في روايتيه "البق و القرصان" و"كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضّك ؟". على استراتيجيات فنيّة وكفاءات ومعارف ومغامرة أسلوبية شجاعة ولا تنهض على احتلاب محنة الإنسان الجزائري والتمعّش من أحزانه ودمه النازف على جدران التعصّب والتطرّف، ورغم ذلك فإنّ رواية عمارة لخوص لا تتملّص من وظيفتها النقدية الاجتماعية ولا تتبرّأ من زمن كتابتها بل هي كتابة عمق وكتابة ترمي بنفسها في قلب الأزقة والأحياء الشعبية فتنقل معاناة تلك الطبقات المسحوقة وأحلامها الصغيرة المستحيلة. لكنها مع ذلك رواية تحصّن نفسها بما يقيها خطر السقوط في الكتابة الظرفية أو "الاستعجالية" كما يسمّيها الرّوائي الجزائري الحبيب السّائح.
وأهمّ تلك الرهانات السردية التي شغلت الروائي في نصّه البكر "البق والقرصان" : اللغة، فكأنّنا بالرواية إجابة عن سؤال عصيّ أرّق الكاتب : بأي لغة أكتب روايتي ؟‍‍
 
سنحاول في هذه القراءة تقصّي بعض تمظهرات تلك اللغة وألوانها وطرق اشتغالها ومدى مساهمتها في تشكيل جمالية النص الروائي.
1ـ العامية أو "العربية الجزائرية :
تكتسح العامية الجزائرية النص الروائي بشكل واضح، فتخترق حواره مثلما تخترق جسمه السردي. ولابدّ في البداية أن نستبعد مسألة مهمة وهي عجز الرّوائي عن الكتابة بالفصحى لأنّه أثبت في روايته الثانية أنّه بإمكانه أن يكتب رواية خالية من أيّ عبارة عامية. ومن ثمّ يتّضح لنا أن عمارة لخوص تعمّد استعمال العامية الجزائرية لأغراض فنيّة وإيديولوجية سنحاول أن نتحسّسها في هذا القسم من القراءة.
يشترك عمارة لخوص مع واسيني الأعوج في النظر إلى اللغة بصفتها كائنا حيّا. فيقول في أحد مقالاته الفكرية "اللغة كائن حي، يتأثر ويؤثّر في الفضاء الذي يحيط به ويستند إلى منظومة فكرية وشبكة علاقات اجتماعية" (1). ويقف في ذات المقال رافضا استعمال مصطلح الدارجة معتبرا ذلك المصطلح ذا حمولة إيديولوجية فيقول : "إنه مصطلح إيديولوجي [الدارجة] هدفه إقصاء اللسان من فضاء التعبير، وتهميش الناطقين به وإرغامهم على السكوت، لذلك نفضّل استعمال مصطلحات مثل العربية المصرية والعربية الجزائرية والعربية السورية… إلخ"(2). ويبدي عمارة لخوص في المقال إعجابه الشديد بالعربية المصرية التي استطاعت أن تكون لغة المتديّن والفاسق ولغة الرفيع والوضيع ولغة السياسي والفلاح ولغة الجاهل والأديب.
ومن ثمّ ينطلق الرّوائي عمارة لخوص في استعماله للهجة الجزائرية من قناعة فكرية ترى ان رفضها يعتبر عملية إقصاء أيديولوجية. والحق أن فكرة عمارة لخوص لها ما يسندها في أدبيات الرواية فميخائيل باختين يرى في التنوّع اللساني واللهجي سمة العمل الرّوائي وعلامة دالّة عليه، فالرواية هي التنوّع الاجتماعي للغات، وأحيانا للغات والأصوات الفردية، تنوعا منظما أدبيا. وتفضي المسلمات الضرورية بأن تنقسم اللغة القومية إلى لهجات اجتماعية، وتلفّظ متصنّع عند جماعة ما. ورطنات مهنية، ولغات للأجناس التعبيرية، وطرائق كلام بحسب الأجيال والأعمار، والمدارس والسلطات، والنوادي والموضات العابرة" (3).
ويذهب باختين إلى أنّ اللغة الوحيدة التي تشبه "لغة الآلهة" هي لغة الشاعر لا لغة الرّوائي لأنّ الشاعر لا يحتاج لغة غيره بما أنّ نصّه أصلا نصّ مونولوجي بينما لغة الرّوائي لغة حوارية عليه أن "يستقبل داخل عمله الأدبي التعددية اللسانية والصوتية للغة الأدبية وغير الأدبية، بدون أن يضعف عمله من جرّاء ذلك بل إنه يصير أكثر عمقا" (4).
إنّ المتأمّل في رواية "البق والقرصان" يلاحظ أن مقولة صعوبة اللهجة الجزائرية على المتلقي العربي مسألة مغلوطة تماما، إنما مرجعها إلى ذهنية إيديولوجية بقيت أسيرة ثقافة "المركز والمحيط" وما الصعوبة الآنية التي قد تعترض القارئ إلا نتاجا لطغيان اللهجة المصرية على بقية اللهجات العربية بفضل تفوقها الفني في مستوى صناعة الأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزية وقد أثبتت لهجات عربية أخرى اليوم، بفضل ثورة الاتصالات الرقمية، أن بإمكانها الوصول إلى المتلقي العربي لو أعطيت فرصة التواجد إعلاميا ونمثل لذلك باللهجات السورية والأردنية والعراقية والخليجية التي تقبّلها المتلقّي العربي والمغاربي تحديدا دون عناء بعدما عُرضت بعض مسلسلات وأفلام وأغاني تلك الأقطار على الفضائيات.
إنّ العربية الجزائرية في "البق والقرصان" لهجة سلسة لا تمثّل عرقلا أمام المتلقّي لمتابعة قراءة النص، فلا اعتقد ان عبارات من نحو "علاش" و"كيفاش" و"واشي" و"يا وخذي" و"ما عليش" و"ولفي"… ستحول دون سيولة التلقي بقدر ما تجذّر العمل الروائي في بيئته وتعطيه عبقه الخاص، خاصة أن أصل تلك العبارات عربي، ولا أعلم إن كان المتلقّي سيصدّق مليكة البلوندا فتاة المبغى إن تحدّثت بلغة عربية قحة وهي تشتكـي "علاش يـا ربّي ؟ واش عملت حتى ترفض توبتي ؟ الجميع يحتقرني، أنا خْماج، خْمَاجْ، خْمَاجْ ؟ حتى عزرائيل تعفّف من روحي المتعفنة، واش نعمل ؟ " (ص 30).
إن اللهجة المحلية من شأنها أن تكشف عن هوية متكلّمها ومستواه الطبقي الاجتماعي ومستواه الثقافي.
ونلتقي بـ"المحكية المحلية" في مستوى المتناصات الغنائية التي أثّث بها عمارة لخوص نصّه الروائي  و نمثل لذلك بهذه المقاطع :
 [1] "…  عليك بالهنا والضمان / والضمان / ما بقيت نديرك في بالي / في بالي / ما بقيت ندير فيك الأمان / الأمان / يا اللي ظنيتك عزالي / عاهدت نفسي في هذا الزمان / وعظمت الله العالي / ما توجدي حتى إنسان يشبهني ويكون بحالي / ولو تقطعي بحور ووديان / ما بقيتش تشوفي خيالي…" (ص 14).
[2] "…   نهواك / ومازلت نهواك / نهواك نهواك / والحب يقوى / والحب يقوى حتى يوم القيامة / أنا عندي قلب / بعدك ما بقلوش يحب / غيرك ما نديرو في بالي / ما بقيتش نحب / يا قلبي ما بقالك تقرب / يا اللي ظنيتك غزالي / تعيا وتتعب / لا لا لا لا لا لا…" (ص 64)
فماذا يفعل الرّوائي بهذه المقاطع الغنائية ؟ هل يترجمها إلى العربية لكي يُرضي العرب العاربة وورثة سيبويه ؟!!
إنّ الرواية لا تتردّد في أن توظف كل أنواع الخطابات بما في ذلك الأغنية الشعبية وتسمح "بأن تدخل إلى كيانها جميع أنواع الأجناس التعبيرية سواء كانت أدبية (قصص، أشعار، قصائد، مقاطع كوميدية…) أو خارج – أدبية (دراسات عن السلوكيات، نصوص بلاغية وعلمية، ودينية، إلخ) (5).
والرّواية عندما توظّف الأغنية الشعبية توجّه عملية التلقّي إلى ذاكرة بعينها فنحن على حدّ عبارة الروائي عمارة لخوص "لا نملك ذاكرة جماعية واحدة بل إن ذاكرتنا كخريطة العالم العربي مليئة بالحدود والتأشيرات"(6). لذلك تشاهد احتفالات شعب عربي ومهرجاناته في الوقت الذي يمكنك أن تشاهد فيه مجزرة شعب عربي آخر. ومن ثمّ فمسألة الهوية كما يراها لخوص مسألة نسبية إن لم نقل ثقافة وهم أو "لعبة وهم".
2ـ لغة الأرقام والأعداد :
الأرقام العددية […] جزء من النظام العلامي المكتوب الذي توخاه الإنسان في تدوين اللغة وإن لم تكن جزءا عضويا في جهازه اللغوي ولم يكن لها بالتالي ما للحروف من تأثير في نظام التواصل ونسق التخاطب.
د. عبد السلام المسدّي
ما وراء اللغة.
يبدو الحديث عن الأرقام والأعداد في نصّ سردي أمرا غريبا بحكم أن النصّ السردي يقوم أساسا على لغة الحرف، غير أن العودة إلى مفهوم "الحوارية" الباختيني الذي يربط الجنس الروائي بطبقات الكلام وتنوّعه في المجتمع، يصبح السؤال عن حضور الأرقام أمرا مشروعا إذ ترشح الحياة اليومية بها مما حوّلها في هذا الزمن المعلوماتي إلى فضاء مشفّر رقميا.
لقد تضافرت الثورة المعلوماتية والاتصالية مع التفكير المادي واستفحال ثقافة السوق لتؤسس حياة يومية جديدة نطلق عليها بقليل من المجاز عبارة "حياة رقميّة".
والحق أن العودة إلى الرّواية بصفتها جنسا أدبيا زمنيا يجعل  حضور الرقم فيها يكتسب مشروعية أخرى، فالرّواية "تعارض الفنون المكانية كالرسم والنحت وتعدّ قبل كل شيء فنا زمنيا مثل الموسيقى تماما"(7) ومثل السينما، فنا زمنيا خالصا والزمن لا يقاس إلا رقميا.
ويبدو أن عمارة لخوص كان شديد الوعي بخطورة الرقم في تشكيل الخطاب اليومي، الاجتماعي، من جهة وتشكيل النسيج الروائي من جهة ثانية، إذ نهضت لغة الأرقام في "البق والقرصان" أحد المميّزات الخاصة للرّواية، فلم يتردّد في إثبات ما يناهز عن المائة رقم وعدد في نصّه وخيّر أن يرسمها رقميا لا حرفيا وهذا ما يدفعنا إلى تلقيها بصفتها ظاهرة فنيّة واستراتيجية كتابة.
وتتوزّع تلك الأرقام والأعداد على كامل النص الروائي الذي تحول أحيانا إلى مغازة كبرى تتدلى من جوانبها بطاقات الأسعار. فالحذاء بـ"2500 دينار" والسروال بـ"1200 دينار" والموز بـ"200 دينار" والحلوى ب120 دينار وزجاجة الريكار بـ900 دينار والبارابول بـ2500 دينار والكومبيوتر بـ25 مليون والطابع البريدي لأنقلترا بـ7 دنانير ولسويسرا بـ3 دنانير…
تعكس هذه الأرقام والأعداد والأثمان الصورة الاقتصادية للإنسان الجزائري الذي يركض وراء حاجاته اليومية التي تحوّلت إلى مجموعة من الأرقام حال بينه وبين تلبيتها واقع الإفلاس والبطالة والأجر الزهيد في أحسن الأحوال.
لقد تحوّلت تلك الأرقام إلى محفّزات للحركة، فالشخصية الروائية تحتاج رقما لتشرب الخمرة وتحتاج رقما لترسل رسالة وتحتاج رقما لتشاهد القنوات الفضائية وتحتاج رقما لدخول المبغى حتى تحوّلت بدورها إلى رقم متغيّر أوتوماتيكيا مع كل رغبة وكل حاجة.
كما تبدو الأرقام، أحيانا، في لبوس الحلم، مثل حلم حسينو الـPirate الشخصية الرئيسية بالفوز في اللوطو حتى أصبحت حياته رهينة رقم : "خبطة واحدة في اللوطو تكفي وزيادة، تلزمني 6 أرقام صحيحة بين عشية وضحاها أخرج من الغرقة كما تخرج الروح من البدن المعلول، خروجا بلا رجوع" (ص 7)
إن حالة اليأس التي استفحلت بالإنسان الجزائري – والعربي عموما – جعلته أسير الأحلام، أحلام الفوز باللوطو بعد أن فشل في تحقيق حاجاته نتيجة إخفاقات الإدارة السياسية في الخروج من الأزمات الاقتصادية من ناحية ومساهمتها في مزيد تردّيها بالنهب والسرقة والرشوة من ناحية أخرى لذلك انفتحت رواية لخوص على كل الآفات الاجتماعية التي يتخبّط فيها الإنسان والمكان : المرض، البطالة، الرشوة، العجز، الاختل

المزيد


من أثر رواية أمريكا اللاّتينية في “حارسة الظلال” لواسيني الأعرج

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات

 

 

كمال الرياحي 10 أغسطس 2005

 

راهنت رواية أمريكا اللاّتينية على الواقع الذي أنتجها بما فيه من خصوصية أغرت كتّاب هذه الرواية باتخاذه قبلة في تشكيل عوالمهم السردية ,فالتفتوا إلى تفاصيل الحياة اليومية وإلى الموروث الشعبي ومخزون الذاكرة ,ليعثروا في ذلك الواقع على خامات بكر تعد بعوالم حكائية مغرية لما تحمله من غرابة ودهشة تمخّضت عن واقع حضاري مخصوص وواقع اجتماعي وسياسي مأزوم .فكانت رواياتهم روايات ثائرة ومحمّلة وعيا شديدا بقضايا راهن أمريكا اللاّتينية ناشدة بطابعها الالتزامي والنضالي الكشف عن بشاعة النظم السياسية الديكتاتورية ومآسي المجتمعات المدقعة والمقموعة .وقد مثّل هذه الرواية خاصة خوان رولفو (المكسيك)وميقال آنخل أستورياس(قواتيمالا) و خوليو كورتاثار(الارجنتين) وأخيرا غبريال غارسيا ماركيز(كولومبيا).

ولئن اتّفق النقّاد على ادراج روايات ماركيز ضمن تيار الواقعية السحرية فإن نصوص الآخرين وخاصة روايات أستورياس ظلّت عند عدد من الدّارسين أقرب إلى التيّار السّوريالي منها إلى تيار الواقعية السحرية .ولكن الذي يجمع بين روائيي أمريكا اللاّتينية على اختلاف انتماءاتهم العرقية و توجّهاتهم الفنّية هو ذلك الايمان بالمحلّية التي توحّد رواياتهم وتميّزها عن غيرها وهو ما حقّق لهذه الأعمال خصوصيتها وأهّلها لانتزاع مكانة مضيئة في خارطة الأدب العالمي .فكان أدب أمريكا اللاّتينية ,و الرواية بوجه خاص ,وجهة كثير من الرّوائيين العرب الذين تأثّروا بعوالمها وبنائها الفنّي فتطلّ من بين رواياتهم نصوص أستورياس وماركيز…

(***)

يبدو أنّ الروائي الجزائري واسيني الأعرج بحكم ازدواجية لسانه _اتقانه الفرنسية والعربية _كان أوفر حظّا من غيره في الاطّلاع على هذه المدوّنة .كما كان لإقامته بالمشرق (سورية) حيث ترجمت هذه الرّوايات دورا في اطّلاعه على تلك الأعمال التي انعكست عوالمها في نصوصه الإبداعية .فقد وجدت تلك العوالم السحرية صداها في نفس واسيني الأعرج وفي ذهنية الطفل التي يحملها بما ترشح به من عوالم الأسطورة والخرافة(1) وظهر ذلك التأثّر في كثير من أعماله الروائية . وقد رصدنا هذا التأثّر منذ روايته “نوّار اللّوز “التي لوّنت عوالمها بعوالم مشابهة لعوالم رواية أمريكا اللاّتينية حتّى أن الأعرج لا يتردّد في تحويل عنوان رواية ماركيز “احتفالات موت معلن”إلى عنوان الفصل الثالث لروايته “حارسة الظّلال “بشيء يسير من التحوير :”احتفالات موت غير معلن “(2) أمّا في روايته “أحلام مريم الوديعة” فتستبدّ بالنص بين الحين والحين مشاهد سحرية تذكّرنا بأعمال ماركيز فوالد مريم ينتحر على طريقة الساموراي ف”سكر حتّى العمى ثمّ انزلق داخل قنينة النّبيذ ,تكوّم كالجنين ثمّ سدّ على نقسه (3) بينما حشر الروائي في دماغ الراوي _و هو شاعر _ شرطيا سمّاه سفيان الجزويتي .ظلّ يحول دونه ونظم قصيدته ولم يخرج من دماغه إلاّ في نهاية الرواية في جوّ عجائبي (4). وقد لاحظنا تأثّرا واضحا بالروائي القواتيمالي ميغال أنخل أستورياس (1899_1974) صاحب جائزة نوبل للآداب سنة 1967 ,ويؤكّد واسيني الأعرج هذا التأثّر حي

المزيد


من ألاعيب السّرد عند رشيد بوجدرة

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات

كمال الرياحي

الروائي

رشيد بوجدرة

تسعى هذه الدراسة إلى تسليط بعض الضوء على واحدة من أهم التجارب الروائية في المغرب العربي يمثّلها الروائي رشيد بو جدرة الذي غادر منذ الثمانينات “فم الذئب” ليحبّر نصوصه باللغة العربية بعد أن أنجز مدونة روائية بلغة ديكارت جعلته في مصاف كبار الروائيين في الغرب وواحدا من أهم ممثلي تيار الرواية الجديدة في فرنسا إلى جانب كلود سيمون و ألان روب غريي و ناتالي ساروت ,غير أن نداء الهويّة جعله يغادر لغة فلوبار ليعود إلى لغته الأم و يقدّم مدوّنة جديدة بلغة الضاد أثبت بها أنّه متميّز دائما فأثرى بنصوصه المكتبة الروائية العربية بسرد مختلف ورؤى جديدة ,تحاول هذه الدراسة التعريف بهذا الروائي و تحسّس الأسباب التي جعلته يعود إلى العربية كما تسعى إلى تحسّس بعض ألاعيب السرد الروائي التي أمّنت لنصوصه حداثتها .

 

رشيد بوجدرة روائيّا أو “عودة الابن الضّال”

يمثّل رشيد بوجدرة[1] حالة وجودية استثنائية بين الكتّاب العرب الذين مارسوا الكتابة بغير العربية، فقد انطلق الرجل في الكتابة بالفرنسية ليُعرف كاتبا فرونكفونيا إلى جانب محمد ديب ومالك حداد وليلى صبّار وآسيا جبّار فأصدر روايته التطليق La Répudiation (1969) والإنكار L’insolation (1972) ثم الحلزون العنيد L’escargot entêté (1977) وألف وعام من الحنين Les 1001 années de la nostalgie (1979) والفائز بالكأس Les vainqueur du coupe (1979). وبعد هذه المسيرة التي كرّسته كاتبا باللغة الفرنسية يرتدّ رشيد بوجدرة عن الفرنسية ويهجر متلقيه ليجترح سنة 1982 أوّل رواية باللغة العربية فكّك بها صلته الإبداعية بلغة فلوبار وفولتار ووسمها ب”التفكّك” ليبدأ رحلة إبداعية جديدة لا يعمل ماذا ينتظره على جنباتها. وبالفعل تعرّض بوجدرة إلى هجوم مزدوج ممّن طلّقهم، قرّاء ونقّادا فرنسيين وممن عاد إليهم قرّاء ونقّادا عربا. ويكفي أن نذكّر بما ورد في مجلة الوسط (العدد 85) بتاريخ 13/09/1993 على لسان حموش أبو بكر في مقاله : تجربة الكتابة باللغة الفرنسية. “رشيد بوجدرة، تحوّل إلى الكتابة باللغة العربية ونجح في الإبداع بها، غير عابئ بالضجّة السياسية التي أحاطت بقرار تخليه عن الكتابة باللغة الفرنسية. ويقال أن الأمر وصل بجريدة “لومند” الفرنسية إلى حدّ ردّ نسخ من روايات بوجدرة الجديدة. كانت أرسلت لها من قبل الناشر الفرنسي “دونوال” الذي قام بنشرها مترجمة عن العربية. ويبدو أن محرّر “لوموند” أرفق النسخ المترجمة برسالة إلى الناشر مفادها أنه لا جدوى من إرسال مثل هذه الروايات إلى الجريدة إذ أنها لن تكتب عن أي عمل لرشيد بوجدرة بعد تخلّيه – على حد تعبيرها – عن لغة ومنطق ديكارت “.[2]

ولكن بوجدرة سرعان ما عبر مأزق الامتحان لتسّاقط من قلمه روايات أخر بلغة الضاد تثبت أنّ رواية “التفكّك” لم تكن بيضة الديك ولا هي نزوة إبداعية إنّما هي نقطة تحوّل كلّي في تجربة المبدع، فكانت روايات المرث (1984) وليليات امرأة آراق (1985) ومعركة الزقاق (1986) ثم جاءت مرحلة الصمت التي تزامنت مع اشتعال فتيل المحنة ليعود الرّجل إلى الكتابة ويكسر جدار الصمت في بداية التسعينات بنصّين روائيين يحملان بصمات المحنة وروائح سنوات الجمر وهما فوضى الأشياء (1990) وتيميمون (1994).

· لماذا عاد بوجدرة إلى اللّغة العربيّة ؟

يردّ الكاتب نفسه على هذا السؤال قائلا : ” عُدت للعربية بالغريزة، كنت منذ عام 1969، عندما بدأت الكتابة بالفرنسية أشعر بعقدة ذنب وحنين للعربية، وكانت علاقة عشق بالمعنى التصوّفي باللغة العربية، وكان انتقالي للعربية ناتجا عن ضغوط نفسية […] كنت عندما أكتب بالفرنسية أعيش نوعا من العصاب بسبب عدم الكتابة بالعربية، في بعض الأحيان كنت تحت وطأة كوابيس أراني فيها فقدت النطق بالعربية أمام جمع حاشد “.[3]

وأقرّ بوجدرة بقصور اللغة الفرنسية على نقل أفكاره ومواضيعه المتعلّقة أساسا بالإنسان الجزائري العربي المسلم، وأبدى الكاتب ارتياحه للعودة إلى العربية التي مكّنته من الرقص على درجات سلّمها فاستخدم “اللغة الشعبية واللغة السوقية” يقول ” هناك شيء يسمّى اللغة العربية بقاموسها العظيم الزخم، كما هناك أيضا اللغة الشعبية وأقول في أحيان كثيرة اللغات الشعبية. فقد استعملت “الشاوية” مثلا في بعض الروايات من خلال منولوجات أو حوار [إن] إدخال اللغات الشعبية في الكتابة الغربية يعطي العمل الأدبي نوعا من الزخرفة والزخامة والقوة للنص العربي أكثر مما يعطيه للنص الفرنسي “.[4]

وفي حوار آخر يرى بوجدرة أنّ المستقبل للرّواية العربية المكتوبة بالعربية : “المستقبل بالفعل للرّواية الجديدة المكتوبة باللغة العربية “[5] وأن لا مستقبل للكتابة الروائية العربية باللغة الفرنسية.

يمكننا أن نخلص من خلال هذه الآراء إلى أنّ عودة رشيد بوجدرة إلى اللغة العربية لها أسبابا عميقة وذاتية وأخرى موضوعيّة فهو يعيش في اغتراب لغوي، إنه يعيش خارج بيته ومسكنه أليست اللغة مسكن الكائن البشري ؟!

وهذا ما جعله يفقد الإحساس بالأمان، مما ولّد عنده كوابيس تدور حول حادثة فقدان النطق بالعربية، وهذه الحادثة الذاتية النفسية يمكن فهمها في سياق أكبر، وهو علاقة اللغة بالهويّة. يبدو أن رشيد بوجدرة أصبح يشعر أنه مهدّد في هويّته العربية نتيجة استمرار حالة الاغتراب اللغوي، وهذا ما عجّل عودته إلى العربية ويذكّرنا هذا بعبارة مالك حدّاد الشهيرة “اللغة الفرنسية سجني ومنفاي “.

أمّا الدافع الموضوعي للعودة فهو ارتباط مناخات الكتابة عنده بالفضاء والإنسان العربيين، واللغة الأجنبية لا يمكن أن تنقل خصوصيّة المناخ العربي وتفكير الإنسان الجزائري نقلا أمينا. كان رشيد بوجدرة يفكر بالعربية ويكتب بالفرنسية وفي تلك الرحلة بين لغة التفكير ولغة الكتابة تسقط أشياء كثيرة وأحيانا يسقط عمق الفكرة، فالأمر أشبه ما يكون برحلة النص بين لغتين من خلال الترجمة، فالترجمة ستظلّ خيانة للنص أبدا. وبعودة رشيد بوجدرة إلى العربية تطابقت لغة الفكر مع لغة الكتابة وسقطت رحلة الاغتراب.

يتقاطع هذا السبب الموضوعي لعودة بوجدرة إلى العربية مع الأسئلة المصيرية التي طرحها محمد ديب ذات يوم على نفسه وعلى زملائه:

“هل يمكن للإنسان أن يتلاءم مع ذاته وهو يبدع بلغة غيره، وأن يرتاح لذلك خاصة وهو يعرف أن لغته تمتلك قدرات حضارية وتعبيرية عالية ؟

- هل يمكن للمبدع أن يكتب ويكون حرّا داخل “جهاز” لغوي أجنبي ؟

- ماذا يحدث للمرء ثقافيا، عندما يفقد كل صلة بلغته الأصلية ؟ “[6]

اختصر محمد ديب الإجابة في أنّ “كل كلمة تكتبها بلغة الغير تشبه رصاصة تطلقها على نفسك، وبالتالي على قيمك وقيمتك. فما معنى وما جدوى العالمية إذا كنا بلا جذور ؟ “.[7]

وأضاف “بعد أكثر من نصف قرن من الإبداع بلغة الغير، التفت إلى تجربتي فرأيت بكل حسرة أنها بلا جدوى. لقد بقيت دوما أعيش غربة المقصّ ووحشة المجهول. وأحس أنني أعسكر وحيدا في حقل أجرد للغة أخرى، تائه أترقّب وهم التجذّر في مجالات ومدن أغلقت في وجهي إلى الأبد. فبقيت كالغجري، على أبوابها، وأهلها يخافون منّي، عيونهم مفتوحة عليّ خشية أن أسرق دجاجهم !!!”.[8]

وإجابة عن تلك الأسئلة ترك كاتب ياسين “فم الذئب” وكتب نصوصه المسرحية بالعربية الجزائرية وعاد رشيد بوجدرة إلى لغة الضادّ في أوج شهرته.

مثّلت عودة رشيد بوجدرة إلى اللغة العربية مكسبا كبيرا للرّواية العربية الجزائرية من ناحية ومكسبا آخر للرواية العربية عامّة، خاصة أن الرجل عاد مُدجّجا في تجربة ووعي كبيرين بالكتابة الرّوائية. وقد عاد رشيد بوجدرة إلى العربية عودة الفارس المنتصر لا الجندي المهزوم حيث تخلّى عن انتصاراته ومناصريه وغنائمه ليغيّر اتجاه السير في حركة لا يجرؤ عليها إلاّ الثّوار وكان بالفعل ثائرا في نصوصه على كل ما هو سائد من أساليب كتابة ومضامين متن ليؤسّس” فاجعة “الكتابة العربية. فشكّلت نصوصه مأزقا حقيقيا للكاتب العربي التقليدي الذي تربّى على الخمول والمهادنة والتقنّع.

لقد اجترح رشيد بوجدرة مسلكا جديدا للإبداع العربي علامته الأولى الكتابة دون حدود وخارج سلطة الرقابة (الفنية، السياسية، الدينية) فتحرّر من كل ما يعيق العمل الإبداعي ليحاور في جرأة كبيرة كل المحرّمات والمقدّسات التي كرّستها الكتابة المنحنية، فأعاد للمرأة العربية لسانها المنهوب منذ شهرزاد حتى تقول ذاتها، فكرا وجسدا، وتصدّى للسلطة السياسية ففضح فسادها وكشف آلاعيبها وواجه التاريخ العربي المزيّف بحقائق الوقائع

المزيد


حريّة الرواية ورواية الحرية في «سجلاّت رأس الديك» لحسن نصـر

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات

حريّة الرواية ورواية الحرية في «سجلاّت رأس الديك» لحسن نصـر

إمدادات  كمال الرياحي 19 أغسطس 2005

تتحرّر الكتابة الروائيّة عند حسن نصر في «سجلات رأس الديك»1 من كل الضوابط الكلاسيكية للعمل الروائي وتخرق كل القوانين التي أقرّها دعاة التنظير إمّا مستفيدة من فتوحات الرواية العربية والغربية أو مبادرة بفتح مسارب بكر من خلال مقولة التجريب الذي يمثل «استراتيجية فنية تسعى إلى تقويض النمط والنموذج وتطمح إلى أن تجعل الكتابة داخل الجنس مفتوحة دائما تتوسل البحث المتواصل عن شكل جديد ورؤية جديدة»2 فتأليه الفعل يرافقه التقديس والركوع والعبودية.
حسن نصر رفض الإقامة الجبرية في شكل من أشكال السرد فكسّر أغلال النوع وفتح سجون الجنس الأدبي لينساب القول في القول والشعر في النثر فتتداخل عوالم المعقول في اللامعقول ويتعانق الواقعي بالمتخيّل حتّى ينهمر الحكي زخارف ومنمنمات نقشها نقشا بريشة دقيقة غمسها في ألوان الحرية.

التنافذ الأجناسي

دأب حسن نصر على نشر أعماله الأدبيّة منذ سنة 1968 إلى 1994 على شكل تناوبي بين القصة القصيرة والرواية فنشر مجموعته القصصيّة البكر سنة 1968 تحت عنوان «ليالي المطر» ثم أصدر روايته «دهاليز الليل» سنة 1977 ثمّ مجموعته القصصية «52 ليلة» سنة 1979 فروايته «خبز الأرض» سنة 1985 التي عقبتها مجموعته القصصية «السهر والجرح» سنة 1989 لتكون «دار الباشا» روايته الثالثة التي خرجت إلى النور سنة 1994 ثم نشر نصه «سجلات رأس الديك» سنة 2001 تحت جنس الرواية.
ولكن ما إن يلتقي القارئ بمتن الكتاب حتى يلاحظ بُعد «الرواية» عن قوانين الرواية. فالكتاب احتضن سبعا وستين نصا قصيرا. فهل أوقعنا حسن نصر في فخ التلهف على استهلاك الرواية ليدفعنا إلى قراءة مجموعة قصصيّة ؟ وإن كان ذلك كذلك فما هي غاية الإيقاع بنا ؟! هل هي مشاكسة عفويّة من كاتب لقرّائه أم أن حسن نصر يريد أن يحطّم مقولة الصنم الروائي إيمانا منه بأنّ «البحث يحفّز الكاتب إلى تجاوز الأشكال المستهلكة والعقيمة. وإلى تجريب أدوات جديدة وخلق أشكال حيّة كما يمنعه من العمل وسط المجانية واللامسؤولية».3
عُدنا إلى معاقل إبداع الرجل لنفكّ شفرة سجلاته. فوقعت تحت أيدينا وثيقة تثبت أن العمل كان مشروع مجموعة قصصية بالفعل.
وانطلاقا من هذا نضع سطرا تحت «القصة القصيرة» التي كانت عمادا أساسيا من أعمدة رواية حسن نصر، فهي «فقرات» نظمها في خيط السرد النخاعي لتكون العمود الفقري لرواية حديثة. والواحدة من هذه الفقرات ـ القصص القصيرة صيغت بدقة متناهية وكتبت بحرفية مما يجعلها قادرة على أن تدرك خارج الرواية وتؤسس استقلاليتها لأنّها تمتلك كل شروط القص القصير من قصر النص ووحدة الموضوع.

وتشترك القصص في احترامها للوحدة الزمنية فهي على خلاف «القص الطويل» بما في ذلك الرواية لا تعنى إلا بلحظة من حياة إنسان. وأغلب هذه القصص ذات الشخصية الواحدة لأنّ القصة القصيرة لا تتحمل كثرة الشخوص وتلتقي النصوص في التركيز على النهاية لأنها تحتضن لحظة التنوير. فنص مثل «صحن عجة» لا يمكن للمتلقّي أن يصل إلى المعنى إلا في النصف الثاني من جملته الأخيرة حيث ينجلي الهدف والقصد. والتوقف دونها يجعل كل القول خبط عشواء لا غاية له ولا معنى. واخترنا أن نورد النص القصير كاملا حتى نوضح هذه النقطة وننيرها: «صب الزيت في المقلاة. ثم وضع ملعقتين من معجون الطماطم في الزيت. قشّر ثلاثة أسنان من الثوم. قطّعها بالسكين. ونثرها فوق الطماطم. نصب المقلاة على النار وبقي يحرك الصلصة إلى أن استوت ناضجة.
وفاحت رائحة الثوم في الأرجاء. ذرّ عليها قليلا من الملح وبهارات الفلافل. ثم فقس بيضتين وسط الصلصة. دقيقتان من الوقت، كانت العجة حاضرة. أفرغها وسط الصحن وجلس يتناول طعامه على المائدة. من غير أن يأكل لحم أي كان» (ص 60-61).

لئن مثّلت القصة القصيرة العمود الفقري لـ «سجلات رأس الديك» فإنّ أجناسا أخرى شكّلت بقية الهيكل الروائي وكونت أطرافه وألبسته حلته ليخرج إلى الناس في «أحسن صورة» ومن هذه الأجناس الأدبية التي اتسعت لها الرواية أجناس من الكتابة العربية القديمة. ربما استدعاها الكاتب مُلبّيا بها الدعوة التي وجّهها الكتّاب العرب نقّادا ومبدعين لتأصيل الرواية العربية في أبعادها الحضارية حتى تستعيد وجهها العربي وتنـزع عنها تغرّبها شكلا ومحتوى. ولئن كانت هذه الدعوة قديمة ربما نادى بها محمود المسعدي في روايته «حدث أبو هريرة قال» أو المويلحي في «حديث عيسى بن هشام» وأكّدها جمال الغيطاني في «التجلّيات» و«الزيني بركات» وواسيني الأعرج في «نوار اللوز» أو تغريبة صالح بن عامر «الزوفري» و«المخطوطة الشرقيّة».. فإن هذا الوقت بالذات ـ الذي سلت فيه الحضارة الغربية سيف العولمة لتطيح برأس كل هشّ غير أصيل ثابت ـ لا بد أن نعيد فيه طرح أسئلة التأصيل والهوية بكلّ إلحاح وجدّية.
حسن نصر استحضر فنون السرد في «ألف ليلة وليلة» وأجواء النصّ العجائبية ليوظّفها من خلال صورة «الجوال» الذي وصل مدينة «ن» ليفكّ اللغز ويأتي بحكاية لا تبتدئ بـ«كان يا مكان» ولا تشتمل على حقيقة واحدة.

و

المزيد


الحفر في الممنوع او البحث عن المنسي في رواية التمثال لمحمود طرشونة

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات

 

  

محمود طرشونة

كمال الرياحي 07 سبتمبر 2005

خلافا لما يعتقد البعض لم يكن محمود طرشونة نزيلا حديثا على الإبداع، فقد بدأ الرجل حياته الأدبية ساردا عندما أصدر مجموعته القصصية “نوافذ” سنة 1977 وسرقه، من الإبداع، البحث والنقد والترجمة والتحقيق والتدريس، فأنجز ما أنجز في هذه الحقول حتّى غاب وجهه المبدع عن ذاكرة كثير من القرّاء رغم أنّ مجموعته القصصية اليتيمة تمثّل إحدى أهم المجموعات القصصيّة التونسية بدليل طبعاتها التي تجاوزت العدد السابع وهذه حالة لافتة في تاريخ هذا الجنس الأدبي في تونس.
غير أنّ محمود طرشونة أطل علينا في التسعينات بذلك الوجه الإبداعي الذي ركنه بعيدا لسنوات طوال وكنّا نحسب أنّ ذلك الوجه قد أكله العلم، أكلا نهائيّا وكانت عودة الرجل بثلاث روايات مثّلت “دنيا” فاتحتها سنة 1993 ثم تلتها “المعجزة” سنة 1996 لتعقبها “التمثال” سنة 1999 1.

مثّلت هذه العودة إلى الإبداع حدثا ثقافيا تونسيّا جعل جملة من الأساتذة الجامعيّين العرب المنشغلين بالسرديات يقدمون على إنجاز كتاب نقدي (جماعي) وضعوا له عنوانا “عالم محمود طرشونة القصصي والروائي”. وتطمح هذه الدراسة إلى التصدّي لروايته الثالثة “التمثال” من خلال بحثها في شعرية هذه الرواية وملاحقة بنيتها وشكلها الفنّي إيمانا منّا بأنّ “مسألة الشكل ليست مسألة شكليّة”. وقد اخترنا أن نتوقّف عند سؤال الأمكنة وأنماط الشخصيّة وضروب اشتغال الزمن وأدواره السردية لنختم بحثنا برصد صيغ الخطاب الروائي.
I- فـضـــــاءات الــــروايـــة :
ينهض المكان في الرواية الحديثة ركيزة أساسية من ركائزها. فلم يعد وعاء تصبّ فيه الأحداث وتتحرّك داخله الشخصيّات، وإنّما أصبح عنصرا أساسيا من عناصر السرد. ولعلّ هذا الحضور المتميّز للمكان تدعّم مع الرواية الجديدة التي أقالت الشخصية وسلّمته البطولة ولم يعد في إمكان الناقد تجاهله فهو مفتاح بنيتها ومتنها. والمكان كما نلقاه في رواية “التمثـال”، فضاء مختلف تتقاطع فيه الجغرافيا والتاريخ والهندسة بالدلالة التي تُحمّلها له الشخصيّة من خلال ما يربطها به من علاقات تكون حميميّة حينًا ومحمومة أحيانا. فهو مصدر وعيها ولا وعيها يقظتها وحلمها، حركتها وسكونها.
ورغم تنوّع فضاءات الرواية فإنّها تعرض في الآن نفسه فضاء جامعا ومخصوصا يكون مركزا تتفرّع منه بقيّة الأمكنة وتنطلق منه الشخصيات بأحلامها وأفكارها لتعود إليه. وهذا المكان في “التمثال” هو : قرطـاج.
s المكان المرجع :
“هذه الرّبوة العالية المشرفة على مدينة قرطاج بمنازلها الفاخرة القابعة قبالة البحر تنافس جمال المشهد” (ص 10).
مثّلت قرطاج الفضاء المرجع، اختاره محمود طرشونة مسرحا لأحداث “التمثال”، فضاء مشطورا جانبه أثري قديم مازال يحاول التأبّد على ربوة عالية، وجانبه الآخر حديث بمنازل فاخرة في أسفل الرّبوة. وهذا التضادّ القائم في المكان بين قديم عالٍ وحديث سفلي جعله مؤهّلا ليكون فضاء للصراع وحيّزا فاعلا في مسار السرد ومؤثّرا في أفكار الشخصيات وأفعالها. فـ”المكان لا يعيش منعزلا عن باقي عناصر السرد وإنّما يدخل في علاقات متعدّدة مع المكونات الحكائية الأخرى” 2.
ولمّا كان المكان في أيّ عمل روائي لا يتحدّد إلاّ من خلال علاقة الشخصيّة به، لأنّ الإنسان هو الذي يُسقط عليه الدلالة التي تعبُر به من الوجود الجغرافي والهندسي الجاف والأجوف إلى الوجود المكثّف والثريّ بالمداليل والمعاني، فيتحوّل من فضاء ميّت، جامد، إلى فضاء حي، وكائن يؤثّر ويتأثّر، كان لزاما على القارئ أن يمسك بخصوصية الرؤية التي يقدّم من خلالها المكان.
والمكان في “التمثـال” يُقدّم بعين خبير في الآثار قادر على تثمين مكوّناته وتقييم جزئياته من خلال العودة بها إلى مرجعيّاتها الحضارية، غير أنّ هذه العين تتفرّد بوجهة نظرها لأنها لا تكتفي في معاينتها للمكان بالمعرفة العلميّة ولا تتعامل معه بمنطق التشيئ ولا التشريح، إنّما تتفحّصه بعين تحمل من العاطفة ما تحمله من المعرفة، وهو ما يجعل لهذا المكان خصوصيّته. فهو الفضاء الذي فجّر الأفكار والأفعال وهو العلامة الدّالة على ما كان وما يمكن أن يكون من خلال تحوّله من مكان سياحي إلى مكان حضاري يذكّر بالانتماء ويحرّض على إعادة النظر إليه وفيه بمشروع الحفر والتنقيب عن المنسي…
حاولنا حصر الأماكن الصغرى / الجزئية التي ليست سوى امتداد للمكان الأمّ والحيّز المرجع : قرطاج، وحدّدناها في موقع الحظيرة وغرفة أمينة البوني بشارع فلسطين وغرفتها بمتحف قرطاج ومنزل والديها بأوتيك ومجموع المكاتب الإدارية (مكتب حافظ سعدون، ومكتب مصطفى الساحلي ومكتب وزير الثقافة) والمتحف الإيطالي بروما.
كما حاولنا تبويب هذه الأمكنة إلى ثلاثة ثنائيات :
1. فضاء البحث والاكتشاف / فضاء الخيبة والضياع
2. فضاء الكوابيس والذعـر / فضاء الأحلام والحبّ
3. فضاء الوصل والحركـة / فضاء القطيعة والسكون.
1- الحظيرة حيّز البحث والاكتشاف :
تتّخذ الحظيرة في “التمثـال” بعد القطب وميدان الفعل فهي موقع البحث، والفضاء الذي ستقع فيه الأحداث : استخراج اسطوانة البازلت والعثور على تمثال صدربعل. وهذا ما يجعله مكانا ذا أهميّة، فهو محرّك الفضاءات الأخرى من خلال ما يفعله في الشخصيّات فيدفعها إلى التمسّك به تارة وتركه تارة أخرى.
والحظيرة في “التمثـال” حظيرتان : الأولى موقعها “بين نزل الملكة عليسة ديدون وكاترائية القديس لويس” (ص 16)، وهي التي انتهى فيها البحث إلى العثور على اسطوانة البازلت.والثانية “قرب ما تبقّى من جدران القلعة البونية”(ص 118) تحت الكنيسة حيث “برز التمثال كاملا سليما من الكسر والخدش والنقص” (ص 128).
وقد اقترن فضاء الحظيرة بالحفر والتنقيب والتسييج وبذكر أنواع الأتربة والحجارة وأسماء المعاول والرشوف مثلما اقترن بأصناف القياسات والأبعاد. وتراوح الحفر بين عمودي وأفقي دون توقّف، تقول أمينة البوني : “تواصل العمل كامل أوقات النهار طيلة أسابيع عديدة…” (ص 124). ورغم هذا الإجهاد الذي تظهر به الشخصيات من خلال العمل المتواصل في المواقع المختلفة حفرا وردما وتنظيفا للكوى وشدّا للحبال وتسييجا للحفريّة، فإنّ هذا الفضاء نطق بأجواء الفرحة وصيحات الانتصار ورقصات الغبطة حين يتوّج العمل الشاق بالعثور على المفقود.
وبدأ المكان ينتج الفرحة منذ عثور أمينة البوني على اسطوانة البازلت في الحظيرة الأولى والتي بشّرت بوجود التمثال. ألم تقل “وأخذت أرقص حولها والـحـارس ينظـر إلـيّ متعجّبـا ويبتسـم، ولا يعـرف هـل يفـرح لفرحـي أم يشفـق عليّ” (ص 56). ولعلّ هذه الفرحة تتضاعف في فضاء الحظيرة الثانية حين يقع إزميلها على الرّخام وينكشف رأس التمثال فتنتاب أمينة البوني حالة فرح هستيري يجعلها تكاد تطير فتراقص عمّالها رقصات مجنونة تمزّق بها الستار الذي يقف بينها امرأة صاحبة مشروع لها سلطة أدبية ومادية وعمّالها البسطاء والأجراء ليكون “كل شيء… مباح : وقفزت من أعلى المرقاة صائحة، فوقعت في حضن إبراهيم، أخذت أراقصه وهو لا يكف عن الضّحك، ولمّا طال الدوران بدأ يلهث ويسعل ويرجوني أن أكفّ رفقا بسنّه. فتركته وانتقلت إلى ثامر، ثمّ إلى طارق، ولمّا رأى عمر أنّ دوره آت دون ريب همّ بالفرار فالتحقت به وفرضت عليه رقصة سريعة أحرجته كثيرا ولكن لا يهمّ. هذا يوم فرح، كل شيء فيه مباح..” (ص 128).
وفي مقابل فضاء البحث والاكتشاف والفرحة هذا ينهض مكان مخالف أنتج معاني الضياع والقهر والخيبة مثّله المتحف الإيطالي بروما.
2- متحف الثري الأمريكي بروما : حيّز الضياع والفجيعة.
مثل متحف روما الذي كان “على ملك ثري أمريكي مغرم بجمع الآثار القديمة” (ص 176) والذي شهد أحد الصفحات الخمس الأخيرة من الرواية فضاء دراميّا يترك فيه السرد الوصف المجال للحوار حتى يعبّر عن مشهد الفاجعة بعثور أمينة البوني على “التمثـال” المفقود بين معروضات المتحف.
وهذا ما يجعله فضاء للفقدان ؛ فقدان التمثال وكل ما يحمله من دلالات رمزيّة. ففقدانه فقدان للمشروع وللهويّة، ألم تقل أمينة البوني منذ بداية مشروع الحفر بأنّ “المسألة مسألة هويّة” (ص 73) ؟ ولعلّ المتحف اتّسع لأكثر من هويّة من خلال تجميعه لمسروقات “آتية من بلدان الشرق الأقصى وإفريقيا ومصر واليونان وتركيا…” (ص 176) ممّا خفّف من ثقل الخيبة والفاجعة وحوّل الهمّ الفردي إلى همّ جماعيّ/إنساني.
3- غرفة شارع فلسطين : فضاء الكوابيس والذعر.
بعض الأمكنة لا تنجح في ربط علاقة حميميّة مع الأشخاص فتكون أماكن إجباريّة أشبه بالسجون، أماكن بُعد تأسر النّفس ويتعاظم فيها الشعور بالحيرة والقلق. فتحتبس داخلها الأنفاس وتتحوّل أحلام الذات كوابيس تأتي بعد أرق طويل.
هذا النوع من الأمكنة “المضغوطة” مثّلته غرفة أمينة البوني بشارع فلسطين. فكانت مكانا “معاديا” لا تطمئن له النفس ولا تستريح، نشطت فيه الكوابيس والأحلام المزعجة.
والكابوس يحضر في التمثال لفظا وصورة، فقد تردّدت اللفظة في صيغتها المفردة 10 مرّات وفي صيغة الجمع 9 مرّات وإذا استحضرنا تقسيم الكاتب روايته إلى 19 قسما، يكون حضور الكابوس لفظا بمعدّل مرّة بكل قسم تقريبا. وقد ورد أغلبها في القسم الرابع المخصّص لغرفة شارع فلسطين، حيث تكرّرت لفظة كابوس في صيغها المختلفة 9 مرّات، من خلال سؤال الحيرة المتجدّد: “هل الواقع حق والكابوس باطل أم العكس ؟” (ص41)
أمّا صورة الكوابيس ومضامينها فقد اقترن بعضها في ذهن أمينة بالخوف على الحظيرة من العمّال ومن حافظ سعدون والبعض الآخر بخوفها عليها من خطر السائح الأجنبي.
وقد كانت لهذه الكوابيس دلالات رمزيّة في الواقع فهي التي بشّرت بالعثور على لوحة البازلت كما نبّهت إلى خطر السائح الذي استولى بعد ذلك على التمثال.
4- غرفة المتحف : فضاء الأحلام والحبّ.
خلافا لغرفة شارع فلسطين تنهض غرفة المتحف مكانا اختياريّا حرصت أمينة البوني على النّزول به حتى تكون بجانب حظيرتها : “أريد أن أبقى قريبة من حظيرتي فأتمكّن من مراقبتها في أيّ وقت من الليل والنهار” (ص 44).
ومن ثمّ كانت غرفة المتحف الغرفة المناسبة على عكس غرفة شارع فلسطين. وهذا الاختلاف بين الغرفتين هو الاختلاف بين ما كانت تشاهده الشخصية من كوابيس تقوم على إثرها منزعجة فزعة وما أصبحت تشاهده في الغرفة الجديدة من أحلام تقوم بعدها. “غير منزعجة ولا خائفة” (ص 100) بل لقد حقّقت لها هذه الأحلام الطمأنينة المفقودة وطردت عنها أسئلة الحيرة والشكّ، فالحلم عندها “ورد وابتسام وطمأنينة” (ص 100) ولم يعد فضاء معاديا لا ترى فيه إلا المتربصين بمشروعها كما كان شأن أحلامها/كوابيسها بغرفة شارع فلسطين، بل أصبح لمسانديها مكانة وحضور في أحلامها الجديدة بغرفتها الجديدة التي ترى فيها التمثال لأوّل مرّة : “وفوق الكل تمثال موعود أراه هذه الليلة لأول مرة في النوم يذكّرني أنّ كل المساعي هي من أجله هو” (ص 97).
وإن مثّلت غرفة المتحف حيّزا للأحلام فإنها انفردت أيضا بتحريك الأنوثة المنسيّة لأمينة البوني من خلال استحضارها لحافظ سعدون بعد حمّام ساخن، وليالي عشقها مع التمثال ألم تقل “نمنا في فراش ما عرف قطّ شذى الفحولة، وما تعوّد غير عطر الأنوثة ينادي ولا من مجيب” (ص 145).
غير أنّ هذه الغرفة المسكونة بالحبّ والأحلام تتحوّل في نظر التمثال المنتفض زنزانة تصادر حريّته فهي ضيقة ضيق الملابس العصريّة التي جاءته بها أمينة التي تحوّلت بدورها من حبيبة إلى سجّانة تقفل عليه بابها “فأسرعت إلى القفل أحكم غلقه بالمفتاح” ( ص 156). وهي ذاتها الغرفة التي كانت ترى فيها أمينة البوني سعادتها تتحوّل في نظرها بعد فقدان التمثال وفراره، إلى زاوية للحزن. تقول : “لقد حلّت الكآبة محلّ النشاط والمتعة في المكان الذي اتّسع رغم ضيقه لآفاق لا تحدّ” (ص 159).
5- المكاتب، فضاءات الوصل والحركة.
مثّلت فضاءات المكاتب، فضاءات للروتين الإداري ففيها تقدّم المشاريع وفيها تنتظر المصادقة عليها. فهي أماكن لا يمكن أن تصفها إلاّ من خلال آليات اشتغالها وطبيعة وظائفها، فيتعمّق فيها الشعور بالضيق والقلق و”الضغط النفسي” الذي يولّده الانتظار والشكّ وتوقُّع الرفض والمماطلة.
ولم تخرج مكاتب “التمثال” عن هذه المكاتب الإدارية التي تعترض طريق صاحب الحاجة في الواقع. في هذه الفضاءات تنشغل الشخصية عند حلولها بها بالانتظار والتفكير عن الوصف ونقل صورة المكان وأثاثه. أمينة البوني اكتفت في حديثها عن مكتب حافظ سعدون بالإشارة إلى الباب الذي تفتحه لتدخل الكرسي الذي تجلس عليه أو الذي “يركبه” حافظ، كما أشارت إلى كرسي مدير متحف الآثار/”كرسيا جلديا”.
ولم يكن الاهتمام بمكتب الوزير مختلفا، بل وقع تغييب ملامحه وغاب الحديث حتى عن بابه وكرسيّه ونوعيته. ربّما لأنّ أهميّة الزيارة – طلب الحفر تحت الكنسية – جعلت بعض الحواس تتعطّل نتيجة لحالة “الانتظار المضني المربك” ( ص75) فموقف الوزير هو الفيصل والحكم الذي سيصدر على المشروع/الحلم إمّا بالاستمرار أو بالتوقّف.
ولعل هذا التهميش لفضاء المكتب يفسّر برؤية الشخصية له فهو مكان عرضي مقارنة بالمكان المتأبّد/ التاريخي الذي مثّلته هضبة بيرصة بشكل عام ومتحف قرطاج بشكل خاص والذي نقلته لنا بأدقّ تفاصيله. إلا أنّ هذه الأماكن/ المكاتب ورغم عدم تعاطف الشخصيّة معها، واعتبارها أمكنة خانقة، مقلقة بأجوائها المغلقة، فقد كانت فضاءات وصل وحركة. أمكنة فاعلة في دفع حركة السرد والأحداث بالقرارات التي تصدرها.
6- منزل الوالدين بأوتيك : فضاء القطيعة والسكون.
قرية أوتيك المكان الذي تهرع إليه الشخصيّة الرئيسية أمينة البوني هروبا من تعب المدينة أو من فشل يلاحقها، رغبة منها في استعادة طاقاتها حتى تجدّد نشاطها وصبرها على قساوة العمل وتعقيداته : “أرهقني النهار فنمت نوما عميقا، نوم الانكسار والخيبة. ولمّا أفقت فجرا كانت به رغبة وحيدة، زيارة أمي وأبي في قرية أوتيك” (ص 77).
وأوتيك رغم ما تحمله من علاقة بالمكان المرجع/قرطاج فإن الشخصية تتركها خارج كل مساءلة، فتطرد فيها كل الأفكار التي تأتي ذهنها بين الحيـن والحيـن تذكّـرها بالعمـل ومشاكلـه “فتلـك القضـايـا لـها أوقاتها وأمكنتها” (ص79). ومن ثمّ اتخذ هذا الفضاء دور المتنفّس أو وظيفة الفسحة التي تسترقها الشخصية للرّاحة. فهو فضاء للقطيعة مع هموم العمل ومكان تستكين فيه النفس لتستمتع بالدفء العائلي، وتتجرّد فيه من زمنها لتعيش طفولتها، فتسند أمينة رأسها إلى ركبتي والدتها وتتمدّد كطفلة صغيرة.
والمنزل العائلي الريفي بانفتاحه سمح للشخصية بأن تستردّ أنفاسها قبل أن تعود إلى المدينة التي كان ينتظرها بها موعد كبير : م

المزيد


في روائية “وداعــــا… حـــمـــورابـــــي” لمسعودة أبو بكر

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات



التخييلي و المرجعي في رواية “العلاّمة” لسالم حميش

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات

 

 

                    

 كمال الرياحي 21 أكتوبر 2005

يمثل سالم حميش واحدا من الأدباء العرب المعاصرين الذين تمكنوا من جمع خيوط حبرية كثيرة بين أصابعهم مؤكدين أن المرء يمكنه أن يبدع في مجالات مختلفة، إذ الكتابة الفلسفية أو غيرها لا يمكن أن تكون عائقا أمام الكتابة الإبداعية.
و الحق أن هذا الفصل بين الكتابة الإبداعية وغيرها من فنون الكتابة أصبح من الآراء المردودة على أصحابها، فهاهم : محمد برادة ونبيل سليمان وعبد الملك مرتاض….يجمعون بين الكتابة النقدية الجادة والإبداع الروائي، وهاهو عبد الله العروي يجمع بين الكتابة التاريخية والكتابة الروائية. وسليم دولة يزاوج بين الكتابة الفلسفية والشعر….و لعلنا نرجع المسألة إلى ملكات وقدرات ذاتية للكاتب، فأمبرتو ايكو عالم السيميائيات صاحب «الأثر المفتوح» و«القارئ والحكاية» ملأ الدنيا وشغل الناس بروايته «اسم الوردة»، وغبريال غارسيا ماركيز جمع بين العمل الصحفي والرواية، وسارتر بين الابداع المسرحي والروائي والكتابة الفلسفية والنقدية وينسحب الكلام على جل جماعة الرواية الجديدة :نتالي ساروت والان روب غريي…..
وقديما كان الكاتب الموسوعي ظاهرة مألوفة في الثقافة العربية فتجد الكاتب يضرب في مجالات عديدة من علوم وآداب مثل البيروني وابن سينا وابن خلدون. والحق أنه يحدث أن يظهر نص روائي لناقد مشهور أكثر قيمة من كل ما كتب من نقد.
لقد لفت سالم حميش إليه الأنظار مفكرا وروائيا وشاعرا ولكن علاقته الحبرية بصاحب «المقدمة» مثلت علامة دالة عليه وعلى انتاجه، فقد حاور فكر عبد الرحمن بن خلدون في عديد الدراسات والبحوث، ظهر بعضها في كتب مستقلة مثل «الخلدونية في ضوء فلسفة التاريخ».
ما يهمنا في هذا المقام، هو المعالجة الروائية لهذه الشخصية في روايته «العلامة «والتي حازت على جائزة نجيب محفوظ للرواية سنة2002 وتحث ترجمتها إلى لغات عديدة منها الفرنسية والانجليزية على يد البروفيسور روجر الان الناقد المعروف.
و سنسعى في هذه الوقفة القصيرة إلى تسليط الضوء على هذه الرواية بمناسبة مرور 600 سنة على تاريخ وفاة ابن خلدون. (ولد سنة 732هـ / 1322م وتوفي سنة 1406م).

العنوان

هو اللقب الذي التصق بابن خلدون، وهو ليس حكرا عليه لانه لقب تراثي يطلق على الرجل المتميز في علم من العلوم و«العلام، كثير العلم، ويقال : فلان علامة : لتأكيد الدلالة على سعة علمه» وعبد الرحمن بن خلدون يعتبر من أهم المفكرين العرب الذين غرفوا من علوم عديدة وأضافوا إليها فكتب في الطب والهندسة والنجارة وعلم الفلك والحياكة (النسيج) ويعتبر مؤسس علم الاجتماع قبل اغوست كونت، كما كان مؤرخا فذا وسياسيا وقاضيا وفقيها ولم يكن ليتنازل عن رأس الأجناس الأدبية، فكانت له قصائد كثيرة وإن لم يقع الاهتمام بملكته الشعرية كثيرا..كل ذلك جعل منه جديرا بلقب العلامة. ومن ثم فإن الروائي سالم حميش قد اختار عنوانه بعناية، ذلك أن هذا العنوان يشي بمتن الكتاب،إذ تعلن هذه العتبة النصية أن الكاتب سيحتفل بسيرة العلامة وهو ما تؤكده قراءة الرواية بعد ذلك. ولكن كيف سيكون هذا الاحتفال ؟ هل سيلتزم حميش بسيرة ابن خلدون وسيكون ناقلا أمينا لها ؟ وما هي الاضافة التي سيجنيها من قراءة هذه السيرة الموجودة في الكتب والبحوث؟ وما علاقة سيرة ابن خلدون بالعلامة الأجناسية التي وضعها الناشر على الغلاف ؟ فبين السيرة المنتمية إلى الحكي الحقيقي والرواية المنتمية إلى الحكي التخييلي فروق لا يمكن اغفالها.

المتن

 


تبدو استفادة سالم حميش في هذه الرواية من بحوثه ومراجعاته لفكر ابن خلدون جلية. كما مثل كتاب التعريف للعلامة والمقدمة مصادر رئيسة للروائي. فقد وردت متناصات كثيرة مقتطفة منها في متن الرواية تعمد الروائي وضعها بخط سميك بين قوسين لتمييزها.
و الحق أن الرواية جاءت مزدحمة بالمراجع والمتناصات من التراث العربي (القرآن، كتب الرحلة، كتب اللغة وكتب السير…..).
و قد تناغمت هذه الاقتباسات أو المتناصات مع المعمار الروائي للنص الذي أراده سالم حميش تراثيا هو الآخر فقسم روايته إلى فصول حملت العناوين التالية :
فاتحة / الفصل الأول : الإملاء في الليالي السبع/الفصل الثاني: بين الوقوع في الحب والحلول في ظل الحكم / الفصل الثالث: الرحلة إلى تيمور الأعرج، جائحة القرن.
كما تخللت هذه التقسيمات تقسيمات فرعية (مقاطع سردية) حمل الواحد منها اسم : حاشية.
إن قيمة الرواية، كامنة في قدرتها على محاورة شخصية ابن خلدون من خلال التخييل والمرجع معا. فحافظ حميش على الصورة العامة للعلامة ابن خلدون والتي ذكرتها كتب التاريخ وكتب السير فلم يعمد إلى تشويهها او هز ملامحها المميزة طلبا للاثارة أو التشويق ولكنه في المقابل حفر بمعاوله في الجوانب المسكوت عنها من شخصية ابن خلدون. تلك الجوانب الإنسانية والعائلية التي سكت عنها هو نفسه في رحلته وسكت عنها المؤرخون.
جاءت رواية سالم حميش لتؤكد مشروعا روائيا كان بدأه الروائي بروايته «مجنون الحكم» متمثلا في محاورة التاريخ الذي يقول فيه الكاتب : «أعتقد في نقاط تماس ما بين التاريخ والرواية، لكن الروائي واع بأن عمله الأساسي ليس فقط هو الإتيان بالخبر وتنقيح الخبر والحرص على صحته، هو كذلك مطالب بأن يسترجع ما لا يخبر عنه المؤرخ ويظل غائبا عن حقل إدراكه وبالتالي استرجاع ما لم يؤرخ له.. واسترجاع كل المغارات وكل الهوامش التي لم ينتبه إليها المؤرخ [و] هذا عمل طبعا يتطلب كثيرا من التخيل.».
لقد جعل سالم حميش، العلامة يعيد النظر في أحكامه وأقواله ومواقفه. وكأنما جاءت الرواية لتصحح التاريخ وترمم ما تداعى من شخصية ابن خلدون المفكر والفقيه والقاضي.و نمثل لذلك بالمقطع الذي ظهر فيه العلامة نادما على فتوى إحراق الكتب التي أصدرها بشأن كتب ابن عربي وآخرين…. «أما ذنبي البليغ، فقد اقترفته في بعض كلامي عن صوفية أبرار. لذا يحق من يقول إن رسالتي (شفاء السائل) عمل فج هزيل، محكوم باستجابة لدعوة سياسية إلى مناهضة فشو التصوف الشعبي والزوايا، وعلى تقرير شروط كل مريديه داخل حدود التعليم والتربية السنية السائدة. ومن أراد فهم سكوتي عن تلك الرسالة فليس سببه في كوني استصغر نتاجا كان وليد قضية سيئة الانطلاق، زاخرة بالمزايدات، قضية دفعتني في آخر المطاف إلى تشريع العنف في حق كتب صوفية من الأمهات، فأفتيت بما لا

المزيد


شعرية الصمت في “سيكون هناك سبب..” لشمس الدين العوني

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , دراسات

 

                     

كمال الرياحي 17 مارس 2006
ينهض السؤال عن حضور الصمت في المدوّنة الشعرية العربية سؤالا خطيرا –بمعنى الأهمّية- لأن أشكال حضوره مختلفة و متنوّعة مما يرشّح السؤال لان يكون مبحثا مهمّا يمكن من خلاله أن نرصد أحد أسئلة الشعر العربي المعاصر . فالوشائج كثيرة تلك التي تجمع بين الصمت و القهر و الصمت و الحرية و الصمت و الجسد ….لذلك فنحن ” دائما ينقصنا الصمت” على حدّ عبارة أنيسة عبّود التي تقول في قصيدة لها بنفس العنوان :
هل كنت تتصوّر
أن نتكّئ في المساءات على القهر
و تسند ظهورنا على غصّة يابسة
لا تصرخي أيتها الاقحوانات
أسكتي
فالصمت نصف المعجزة ” 2
تمثّل تيمة الصمت التيمة الرئيسة التي يدور عليها الكتاب الشعري الجديد للشاعر التونسي شمس الدين العوني ” سيكون هناك سبب ….” فالصمت ناطق فيها من الغلاف إلى الغلاف , بدءا من العنوان الذي حمل إشارة الصمت من خلال النقاط المتتالية التي ختم بها و التي تشي بكلام محذوف فقد تمدّد الصمت على مساحات الكتاب ابتداء من تصديره الذي وقّعه الشاعر بقلمه قائلا :
تكمن في الصمت
مثل فراشات في ذهب الأزمنة
هي كلماتك الفارقة ….
سيكون هناك سبب …(ص7)
ثم يبدأ الجزء الأول من الكتاب بقصيدة ممهورة بعبارة “متعة الصمت” فيواصل الشاعر تقلييب هذه المتعة على امتداد الكتاب على وجوه مختلفة .
و لكن ما معنى الصمت و لماذا الصمت ؟ و هل يمكن للشاعر أن يحيا و للشعر أن يتدفّق في مناخات الصمت ؟ و هل الصمت وأد للكلام فعلا؟
عندما يقول شمس الدين العوني في مطلع قصيدته الأول ” متعة الصمت “:
لا أجد
أرحب من الصمت
في هذا… الضيق

فكأنما يحملنا إلى عالم آخر غير عالم اليومي / العلم المزدحم بالأصوات و الكلام و الافصاح / عالم آخر يركن في الهامش من حيواتنا .
و من ثمّ فالعوني و كأنّما يعلن من خلال هذا المقطع أن الهامش ليس سوى المركز المستبعد فعالم الصمت أكثر شساعة من عالم الكلام و أن الانسان أوسع و أعظم من أن يختزل في عبارة كائن متكلّم و ” ظاهرة صوتية” , ” فتاريخ الصمت –كما يقول الناقد السوري ابراهيم محمود- هو أكثر عمقا و غنى و إثارة من تاريخ الكلام المسموع و الكتابة المقروءة و الأثر المنصوص او المفصح عن ذاته في صورة ما ” 3
إن هذا التاريخ هو جماع تاريخ آخر هو تاريخ الذوات المفردة , تاريخ صمتها الخاص , فكلّ كائن هو ما اخفى و ما ظاهره إلاّ بعض الاشارات الواشية بوجوده و علامات قد تكون مضلّلة على شخصيته لأن الكلام نشاط مسكون بالريبة و نشاط مغلّف بالعقل و العقل يعقل الحقيقة و يعلن عن نقيضها درءا للفجيعة و للأنتحار و للحزن فيقول الواحد منا “انه بخير ” و هو في أرذل الأحوال .
و لعلّ أدبيات الفلسفة و التحليل النفسي حول اللغة أثبتت هذه الصفة اللعوب لها و أكّدت قيامها على المخادعة فكيف للغة الكذّابة بكلامها أن تقول الحقيقة التي تركن في الهامش و هي تاريخ الصمت ؟
اللغة لا تقول الحقيقة إلا مرغمة , عندما تتحرّر من العقل و تجري على الألسن في شكل زلات و تقول الصمت عندما تكون لغة للشعر , لأن الشعر أشبه ما يكون بالوحي في بعض وجوهه فهو مندلق , متدفّق كالسيل و ان أعمل فيه الشاعر بعد ذلك ازميله فهذّبه و شذّبه و ثقّفه بما شاء , فكيف كتب شمس الدين العوني الصمت في هذا الكتاب ؟
إن الكتابة الشعري عند العوني في هذا المؤلّف تجنح نحو تركيز العميق و تهميش السطحي من خلال إعادة ترتيب العناصر و أوّل هذه العناصر المهمّّشة التي اعادها العوني إلى مركز الاهتمام الشعري هو الذات التي تحللت في هموم الجماعة و اغتربت في الشعر العربي الحديث الذي اثقل منذ قرن بالمحمولات الايديولوجية فكادت معانيه و قضاياه التي راهن عليها الشاعر أن تجهز عليه , فانقلب مجرّد حامل لتلك الايديولوجيات و لم يعد صوته /صوت الفنّان / صوت الذات بقدر ما كان صوت الجوقة /صوت العامة / صوت الجماعة .
و ليس أدلّ على ذلك من مراجعة درويش لتجربته حين رأى انه حان الوقت للمراهنة على الشعر ف

المزيد


التالي



ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي