من يصدق هذا الهراء ؟!
قراءة في رواية المشرط لكمال الرياحي
بقلم د صلاح الدين بوجاه


ينبغي أن نشهد أننا إزاء نص آسر ، فهو مركب كأشد ما يكون التركيب ، قوامه نصوص مستعارة من قديم المصنفات ومحدثها ، لحمته تنويعات شتى … وسداه شذرات للكاتب – كمال الرياحي- ولغيره ، وبنيته هدهدة بين الأزمنة والأمكنة ، وشخوصه متعددة كثيرة متشابهة حينا متباعدة أحيانا ! أما رموزه فتحيل على إمكانات بعيدة تكاد لا تُحصى !
والمتمعن ينفذ بسرعة إلى التعالق بين بنيتين تتبادلان الظهور ، فتطفو الأولى حينا وتطفو الثانية حينا آخر ، لكن أثرهما الواضح في الشخصيات والوضعيات والأحداث يلبث بيّنا قويا حاضرا … إحداهما بنية بسيطة كأشد ما تكون البساطة والأخرى معقدة كأشد ما يكون التعقيد . ينبع هذا وذاك من وظيفة الراوي حينا ومن تداخل المتون حينا … ومن صلة النص بالمرجع في أحايين متعددة أخرى !
والحق أننا إزاء أثرٍ لا يني يُحيل على المصنفات القديمة ، لا بما يقول إنما بما يوحي به ويفضي إليه ، وبالأحوال التي ينشىء … فتَنشَأ منها استيهامات كثيرة تُطوّح بالقارىء بعيدا ، وتقتضي منه أن
يُبَدّل ذائقته في كل آن وحين ! حتى لكأن متقبل هذه الرواية ينبغي له أن يعدد أدواته ويغير صيغ تعامله مع نصوص آيبة من كل صوب محيلة على مناخات متباعدة ومدارات متعددة … دون انقطاع عن واقع الناس في حلهم اليومي وترحالهم في أسواق حاضرة البلاد على هذا الوقت ! وفي غيرها من المدن والقرى والمداشر !
" من سيرة خديجة وأحزانها " عمل يحيل على الكثير من الهراء والفوضى ، حتى كأنه -محاكاةً للتعبير الأثير عندي- مثل سوق شعبية في واحدة من قرانا الكثيرة …. على سفوح جبال مكثر أو ريف القيروان أو … غير بعيد عن دارات برقو وضواحي كسرى في الوسط التونسي الفسيح ! من تلك الفوضى المدروسة جدا ، أو قل من " اقتصاد الفوضى وتدبرها " ينشأ عمل رائق واضحُ الأرجاء متكامل كأعذب ما يكون! لهذا نقول إنه من السهل مع هذه الرواية أن نصرح أننا إزاء نص قد عمل على تجنب النقائص المفترضة التي يقع فيها متدبر هذا الفن الصعب !
عبر أدوات من قبيل الفقرات ذات الحروف الغليظة ، أو الفراغات الُمحدَثَة قصدا ، أو الرسوم المستعارة من الفن العالمي ، أو السطور المستقيمة الكاملة ، أو النجوم الفاصلة ، أو العناوين الصريحة … يمضي النص معلنا عن توتراته ، كاشفا خباياه ، مُحيلا على تدافع أجزائه وقلقها وعدم ركونها إلى الدعة والسلم والاطمئنان !
وهو منحى في تمثل بنية العمل الروائي أثير عند المشتغلين بهذا الفن اليوم، بل إنه قد غدا من السمات الحاضرة بقوة في الرواية الجديدة . فكأن " حقيقة" المستهل و"حقيقة" الختم مجرد " اقتراحات ممكنة" لما يمكن أن تكون عليه الرواية! بين الحقيقتين تنبثق نسبية كاملة ، أو ينبثق سرب من النسبيات في السرد ، والمعنى والدلالة … حتى
لكأن النص بكامله مجرد إمكان منجز من إمكانات شتى تُعرض على المتقبل لتشعره بأن " الأبطال " داخل النص وخارجه … مجرد إمكانات غير نهائية لما قد يكون عليه الكائن البشري … هذا الأعزل المنهك الهامشي … الغريب ! فمن يا تُرى يصدق هذا الهراء ؟ أتوجد حقا كائنات مشطورة مجزوءة "مُبَهذَل بحالها" إلى هذا الحد ؟ أتوجد بنية مهشمة مثل هذا التهشيم ؟
هذا هو الانطباع الأول الذي يظفر به الخائض في أحداث هذه الرواية : نصوص متنافرة ، وفقرات متدافعة ، ووحدات قائمة فوق خواء من التتالي الخاضع لمبدأ "الضم" و"التداعي " … وعفو والخاطر والصدفة !
الحقيقة\ في ذكر الخروبة المبروكة التي سكنها الهدهد\في ذكر المخاخ\ما أشد حماقة من يموت بالحمى\رؤى\في ذكر سيدة الروتند\من يصدق هذا الهراء\حديث العنبرية\فيما حصل لعصافير شارع الشوارع وقصة لقائي بالنيقرو\ حكاية التمثال والعمامة وأخبار أخرى \ماذا تراك تقول عني يا صديقي الفنان المعتوه\ في بيان السرقة ومن سرقها والجريمة ومن ارتكبها\التصريف الثاني عشر في طي
المزيد