إنّ قدر الفكر المبدع أن يسكن التاريخ، بمعنى مساكنة الوقائع دون استكانة أو ثبات. فالمبدع ليس حكواتيّـا" يكتفي بمجرد القصّ، إنما هو المرتحل أبدا داخل الزمن، فينظم أناته في عقد هو زمن ثالث يتوسّط القبل والبعد، بين أبدا، أي صيرورة مفلتة من قيد الآنات المنسكبة باتجاه الماضي ومن انتظارية لآنات أخرى نأمل أن تكون سعيدة. الإبداع هو شجاعة الانفتاح الذي لا يخشى عنف اللقاء مع المصادف واللا متوقع، لذلك لا يصحّ أن يكون له آباء. يسير في ظلّهم ويتسوّل حمايتهم، بل لعلّه لا يكون إبداعا إلا بقدر يتمه، لا أب له غير جرح معلّق بين بوابات الزمن لا يكاد يدرك بدايته.
ولا هو يدري أين قد يطوّح به نزفه، ليس له أن يكون ثمرة تتدلّى على رأس شجرة عائلية، أو غصنا يحاكي شكل جذرها المطمور في عمق الأرض ويدين له بالحياة، إنما هو زهرة بريّة قد تنبت في حديقة كما في القفر، قد تجاور أزهارا أخرى أو تعانقها، لكنها تحافظ على فرادتها لتهمس بالطريف والمغاير. فالبحث عن آباء مفترضين للإبداع وإنشاء أسيجة -تقيمها قراءات عمودية رديئة تجوس بين المدافن لتنبش قبورا تئــد داخلها الولدان - إنما هو تحنيط للفكر، وإخراج له من آفاق حريته للإيقاع به تحت سلطة نماذج يضعها الوثن الجاثم على فضاء الفعل الإبداعي أو الصور التي تثقل عليه. فالفكر لا يكون مبدعا إلا بقدر ما يكون مرتحلا مزعزعا ومخلخلا لثبات الأطر ولأقنـومية الصور والمبدع، إذ يبحث عن وجهه الموزّع بين الوقائع فإنما ليكشف عن وجوه أخرى بعضها مغيـّب تحت ركام النسيان والآخر معلّق إلى سماء التوقع والانتظار، فيتجـاوز مسطّحات الوحدة والثبات نحو وهاد تسكنها الأضداد والمتناقضات قصد الكشف عن وجه الحياة. فلا تعود الواقعية جولة توثيقية تنقل وقائع مكرورة تكرّس النظام رغم مساحيق الفوضى في " الأسواق الشعبية " ( صلاح الدين بوجاه تقديم رواية المشرط )، ولاهي تدبر واقتصاد للحركة والحكاية إنما هي الحركة ذاتها، انسيابية تحليقة طائر العقعق (نوع من الغربان)، إذ يقتنص الثمين لا البرّاق والمخادع من الحكايا، يفكّ أسرها فترتحل على أجنحة المعنى عبر آنات يرتسم وميضها في وقع الحكي باتجاه آفاق بانورامية متعددة الألوان لا تحيل إلى الماضي بما توحي، بقدر ما تجدل ضفيرة المعنى من الأسطورة والخرافة. إنه نوع من الدخول في درب المرايا حيث تبدأ لعبة الانعكاسات والتعاكسات والانشطار بين الزوايا التي لا تجرؤ عليها إلا ذات مبدعة تمتلك آليات فـنّ مخاتلة اللحظة والتسرّب داخل فجوات المخيال وبين ثنايا الواقعات. ذاك هو بعض ما همست لنا به رواية كمال الرياحي " المـشرط " الصادرة عن دار الجنوب للنشر ضمن سلسلة عيون المعاصرة التي يديرها الأستاذ توفيق بكار.
إنّ الخوض مع الرياح داخل نصّه يدفع إلى حالة من عدم الارتياح، وأكاد أقول الضجر. هو ضجر من هجره النوم في ليلة قائظة الحرّ، تؤرقه ذكريات طفولة محتجزة داخل علبة الخرافة، تشدّ عليها خيوط الفقر محكمة الربط؛ فتبدو ملامحها غائمة وأحداثها متضاربة، ويحرقه واقع ريف المنشأ الذي لا يزال محتجزا داخل نفس العلبة إن لم تكن حاله قد ساءت أكثر، رغم، أو ربّـما بسبب رياح العولمة التي جرفت في طريقها كل إمكانية حياة بعيدا عن قلب العاصفة، تلهبه ترسبات الهزائم المتكررة والخيبات المتتالية وتتجاذبه آلام أحلام مصلوبة على أعمدة صفحات الجرائد الصفراء، وتخنقه عجرفة وتطاول سلطان جاهل مفتول العضلات، فلا يريحه موضع ولا يطمئن إلى وضع حتى يخط المشرط كل دمّـلات المعانات فتتـقيـّـأ قيحها على الصفحات. إنّ المشرط هو جلد للنسيان العقيم صوتا يهوي على جسد الذاكرة "، فيصدر فرقعة شديدة ويترك حزاما من الدم مرسوما على كتف المسكينة التي تعوي وتروي " (36). تروي معاناة المبعدين في أعماق ريف الشمال التونسي، حيث يحاصر الفقر والخوف والجهل الحياة. فقر من نسيتهم التنمية وقست عليهم الطبيعة فأجدبت أرضهم و"احتلها السدر والجرذان وعواء الذئاب " (108)، من ظلمتهم الجغرافيا ورمت بهم في المناطق الداخلية بعيدا عن انفتاح الساحل؛ فهم " لا يعرفون الأسماك وكل لحوم البحر " (26)، حتى أنّ لحم الخرفان عندهم رفاهية لا يقدرون عليها " إلاّ في يوم واحد من السنة " (26) يوم عيد الأضحى، " أمّا لحوم البقر والطيور فهي محرّمة عندهم " (26)، لأنّ هذه الحيوانات إن توفّرت فمنتجاتها تمثل كنزا لا يمكن التفريط فيه. هناك حيث يتحالف الفقر مع الجهل لتصبح الحمّى قاتلة بل تتحوّل إلى طاعون يهلك الأطفال، ريف حيث يقاوم " المنافيخ " الموت والفقر بالتناسل ليصبح الإنجاب طقسا لا يفاخر به يوم القيامة فحسب، وإنّـما تحـدّيا لعنف الطبيعة وجبروت الإهمال والنسيان، شمال لا نكاد نعرف أنّه تونسيّ لولا "البرانيس والقـشاشيـب الرمادية المخططة" (26)، ولعـلّ ألم اللقـاء بهذه الوقائع هو ما جعل الكاتب لا يفكّـر في العودة وإنما يقتلع ابن خلدون " من قاعدة الإسمنت " ليلقي به في رحلة لا تبدو رحلة في المكان وإنما هي أقرب إلى السقوط في ثقب زمني بات





















































