
واسيني الأعرج : جامعي وروائي جزائري، ولد سنة 1954 بقرية سيدي بوجنان، من ولاية تلمسان، يشغل اليوم منصب أستاذ كرسي بجامعتي الجزائر المركزية والسربون بباريس، يعتبر أحد أهمّ الأصوات الروائية في الوطن العربي.
على خلاف الجيل التأسيسي الذي سبقه، تنتمي أعمال واسيني الأعرج الروائية إلى كتّاب الرواية الجديدة التي لا تستقرّ على شكل واحد بل تبحث دائما عن سبلها التعبيرية في العمل الجادّ على اللغة وهزّ يقينياتها. فاللغة عنده ليست معطى جاهزا ولكنها بحث دائم ومستمرّ.
لم يتوقف عن الكتابة منذ نصه الروائي الأول : البوابة الزرقاء (وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر) الذي نشر لأوّل مرّة في دمشق سنة 1981 قبل أن يُعاد نشره في الجزائر بعد سنة، وقد أثار اهتماما نقديا معتبرا. أصدر بعده روايته المعروفة نوار اللوز التي تُدرّس اليوم في العديد من الحلقات العلمية وفي الكثير من الجامعات العربيّة.
لكن قوّة واسيني الأعرج التجريبيّة تجلّت أكثر في روايته الكبيرة فاجعة الليلة السابعة بعد الألف التي حاور فيها ألف ليلة وليلة لا من موقع التاريخ ولكن من هاجس الرغبة في استرداد التقاليد السرديّة الضائعة.
- تحصّل في سنة 2001 على جائزة ابن هدوقة للرواية الجزائريّة.
- ترجمت بعض أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية من بينها : الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، السويدية، الإنجليزية والإسبانية.
صدرت له في الرواية :
· البوابة الزرقاء (وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر) دمشق/الجزائر 1980.
· وقع الأحذية الخشنة. بيروت 1981.
· ما تبقى من سيرة لخضر حمروش. دمشق 1982.
· نوار اللوز. بيروت 1983.
· مصرع أحلام مريم الوديعة. بيروت 1984.
· ضمير الغائب. دمشق 1990.
· الليلة السابعة بعد الألف : رمل الماية. دمشق.الجزائر 1993
· الليلة السابعة بعد الألف : المخطوطة الشرقية. دمشق 2002.
· سيدة المقام. دار الجمل ألمانيا/الجزائر 1995.
· حارسة الظلال. باريس 1996. ألمانيا 1999.
· ذاكرة الماء. دار الجمل. ألمانيا 1997.
· مرايا الضرير. باريس 1998.
· شرفات بحر الشمال دار الآداب بيروت. 2001.
· الكاتب و الأمير , الفضاء الحر , 2005
كما صدرت له أعمال قصصية وبحوث نقدية كثيرة لكنه تفرّغ منذ سنوات للإبداع الروائي.
اتّفقنا على إنجاز هذا الحوار في فرنسا وأنجزناه في تونس يوم 26 أفريل 2003. وكان هذه المواجهة الليلية الشيّقة والتي تحدّث فيها واسيني الأعرج عن تجربته الروائية بسخاء. فأفشى لنا بكل حبّ بعض أسرار حياته الشخصيّة والأدبية وأطلعنا على علاقته الحميميّة بالتراث السردي العربي والإنساني وقصّته مع الإرهابيين الذين أباحوا دمه فأباح وجوههم للقرّاء وأطلق عليهم عبارته الشهيرة » حراس النوايا « كما يكشف هذا الحوار خبايا علاقة واسيني بـ"كارمن" وولعه بـ"دون كشوت" وجدّه سرفانتيس وأدب أمريكا اللاتينية وألف ليلة وليلة. ويفكّ الروائي، ولأوّل مرّة شفرة تلك المرأة التي ترتحل في أعماله من نصّ إلى نص كاللازمة : مريم الوديعة. ويتفرّع الحوار إلى أحاديث جانبية عن وضع الرواية العربية وجماليات التلقّي وأساليب الكتابة فيكشف لنا عن رؤية خاصة لاستراتيجية التناص. وفي اللقاء أخبار وأحاديث ومواقف أخرى.
n عرفت الرواية الجزائرية مع أحلام مستغانمي ورشيد بوجدرة وواسيني الأعرج وجيلاني خلاّص والحبيب السائح… نجاحات في الوطن العربي مشرقا ومغربا وعرفت بعض هذه الأسماء انتشارا عالميا فترجمت أعمالها إلى كثير من اللغات الحيّة، هل هذه النجاحات علامة على ما تشهده الرواية الجزائرية من حركيّة ؟ أم هي مجرّد نجاحات فرديّة لا يمكن تعميمها على المشهد الروائي الجزائري ؟
oo شكرا على هذا اللقاء الطيّب، في ما يخصّ هذا الموضوع، كما تعرف أخ كمال، التجربة الأدبيّة كيفما كانت هي تجربة فرديّة لأنّها تعتمد على القدرات الذاتية التي يحملها المبدع ولكن عندما تتكرر هذه التجربة تخرج من مستوى الفردية لتصبح تجربة جماعيّة. وعندها تصبح ظاهرة تستحق التأمّل والعمل على الاقتراب منها وفهمها.
ما حدث، هو أن الجيل الأول : جيل الطاهر وطّار وعبد الحميد بن هدوقة رحمه الله ورضا حوحو – كلّهم مرّوا من تونس فتعلّموا وتثقّفوا في هذا البلد – جيل الثورة هو الذي أسس للفن الروائي الجزائري كظاهرة وكجنس ولكنّه من الناحية الإبداعية انسحب – بعد السبعينات – بعد أن بدأ ينشأ جيل آخر يكتب باللغة العربية – أما تجربة الكتابة باللغة الفرنسية فمسألة أخرى – وهذا الجيل الجديد كان مرتبطا عضويا بتجربة الجيل السابق ولكنّه يختلف عنها لأنّ المناخ الذي أنتج جيل السبعينات يختلف جذريا عن المناخ الذي ظهر فيه الجيل السابق، مثلا : وجود هاجس الثورة عند أدباء السبعينات لا يعني أنّه هدف مركزي.
ويمكننا الحديث عن وجود مواصفات وملامح للأسماء التي ذكرتها كوّنت هذه الظاهرة. وهذه الظاهرة – نقول ببعض التحفّظ – أنها فرضت نفسها وطنيا وعربيّا وبعضها يحاول أن يجتهد لتجاوز هذه الحدود. ويربط هذه الأسماء أو النصوص التي شكّلت هذه الظاهرة، حِدّية ما يحدث في الجزائر. من الناحية التاريخيّة ومن ناحية الحاضر والواقع اليومي، هذه التجربة علامتها الأولى هي روح المواجهة فهي لا تعتمد الخطاب الموارب والمهادن الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصيّة البلد أو الخطاب الوطني المضخّم. هذه تجربة صريحة وعنيفة في قولها عكس الجيل السابق الذي تربّى على تلك الشروط. فهذا الجيل الجديد – جيل السبعينات – تكوّن على شروط مختلفة : التكوين الحرّ، والثقافة الوطنيّة تلك الثقافة المفتوحة على العالمية لأنّ علاقة ذلك الجيل بالمكتوب وبالرواية تحديدا، هي علاقة أساسها المركزي الرغبة في قول الحقيقة عن طريق الإبداع ولهذا نستطيع الحديث عن جيل روائي استثنائي في الجزائر. ولكن، للأسف، هذا الجيل ليست له مخلفات قويّة.
أما الأجيال الصاعدة فليس فيها اسم يشدّ الانتباه بثقافته وتكوينه، نحن أضفنا إلى الجيل السابق لأنّه كان ضعيفا ثقافيا نتيجة أمور كثيرة منها : الثورة، فلم تكن له الفرصة ليتكوّن ويدخل الجامعة مثلا، أغلبه عصامي التكوين، أما نحن فقد كنّا محظوظين، فنحن جيل الاستقلال، تكوّنا بشكل طبيعي من المدرسة إلى الجامعة ثمّ تحصلنا على منح وسافرنا خارج البلاد لإتمام تعليمنا وقد سافرت شخصيّا إلى سوريا أين تحصلت على شهادة الماجستير برسالة بحث حملت عنوان "اتجاهات الرواية العربية في الجزائر" ثم ناقشت رسالة دكتورا دولة تحت عنوان "نظرية البطل في الرواية". كانت لنا فرصة للالتقاء بالعالم العربي منه والغربي فاطّلعنا على إنتاجاته المختلفة فتكوّنت عندنا مرجعيات متنوّعة. أما الجيل الذي جاء بعدنا للأسف ليست له هذه الرؤية وهذا الهاجس وأتمنّى أن أكون مخطئا، لكنني عندما أنظر في نصوصهم أكاد أجزم أن هناك أزمة مبدعين. هناك مشكل لأنه ليس كل ما ينشر يمثّل تمثيلا حقيقيا التجربة الأدبية الجزائرية. وأنا أعرف بعض المبدعين الذين لم تسعفهم فرص النشر لكنّهم يكتبون نصوصا رائعة.
n تنبّأت الناقدة الأمريكية لسلي فيدلر "Lesli Fidler" خائبة منذ سنوات بموت الرواية في مؤلفها الشهير "نهاية الرواية The end of the novel" وفي مؤلفات أخرى. وجرى الزمن بما لا تشتهي "لسلي" ليكون حاضر الأدب للرواية وأكاد أقول وحدها. لماذا، حسب رأيك، صمدت الرواية وكذّبت أعداءها ؟
oo الرواية جنس الحياة. هكذا يحلو لي تعريفها، بمعنى أن الشعر محكوم عليه بالموت أو الإعدام أو على الأقل محكوم عليه أن يكون ضمن أقليات الأجناس الأدبية. لأنّ طبيعته اللغوية لا تسمح له بالذهاب بعيدا. إنه يعتمد لغة استعاريّة، غير أصلية، غير حقيقية، غير طبيعيّة، لغة يصنعها الشاعر وهي لغة بعيدة عن لغة التداول اليومي، تعتمد على الصورة والمجاز والاستعارة… الشيء الذي يجعل منها لغة أقليّة. ولهذا لا أستبعد أفولها وزوالها، فأزمة الشعر لا شكّ فيها، حتى في الدول الغربيّة نادرا ما تجد دار نشر تنشر الشعر وإذا نشرت لأحد الشعراء فإن نسخ الكتاب تكون محدودة. ويبرّر الناشر موقفه بكون الشعر لا يُسوّق مقارنة بالرواية، الرواية آفاقها رحبة، لأنّ الجنس الروائي هو الجنس الوحيد الذي يستوعب الأجناس الأخرى : استوعب المسرح ويمكن أن نمثل لذلك بمؤلفات المسعدي، استوعب الأسطورة، استوعب التاريخ والشعر والرسم والنحت والموسيقى. هذا الجنس كما تُعرّفه أدبيات النقد الغربي هو الجنس الوحيد الذي يمتلك إمكانية التجدّد من خلال تلك القابليّة على الاستيعاب. وهنا تقف الرواية شبيهة بالإنسان القادر على التجدّد والتأقلم وهذا ما يجعله يعمّر أكثر من غيره. لهذا لا أرى أبدا أن الرواية تسير نحو حتفها على الأقل في المنظور القريب. ستبقى الرواية ملحمة، لكنها تتجاوز ذلك التعريف القديم : "ملحمة البرجوازية" لتصبح ملحمة العصر الحديث، فالملحمة استطاعت أن تستوعب كل الأجناس السابقة لها واختزنتها وعندما وصلت إلى القمّة بدأت تتحلّل لتنشأ عنها أجناس أخرى منها الرواية. بدأت عملية التحوّل من "الحمار الذهبي" لأبوليوس مرورا بدون كيشوت… إلى أن وصلنا مع فلوبير وزولا عندما بدأ الجنس الروائي يستقيم ويعلن استقلاليته الصريحة. ونحن الآن بصدد بناء هرم الرواية الشبيه بهرم الملحمة وهذا البناء يحتاج إلى زمن يعدّ بالقرون ليصل الجنس إلى أقصاه ويستوعب كل الإمكانات المتاحة له ثمّ يبدأ في مرحلة التحلل لينشأ من رحمه جنس آخر يعيد نفس المغامرة.
n العودة إلى التراث الحكائي المكتوب منه والشفوي بما يحمله من عوالم مدهشة بسحرها ومحلّيتها هو الطريق الوحيد لنحت خصوصيّة للرواية العربية يمكن من خلالها أن تضيف للإبداع الروائي العالمي مثلها مثل أدب إفريقيا السوداء أو أدب أمريكا اللاتينية. هذا تقريبا، رأي واسيني الأعرج. هل ما زلت على هذا الرأي ؟ المحليّة هي الطريق الآمنة للعالميّة ؟
oo صحيح، يقال "أنا عندما أكون ابن قريتي أكون عالميّا" ما معنى العالميّة ؟ العالميّة هي أن تضيف شيئا مختلفا إلى ما هو مهيمن وما هو مسلّم به وتقحم تلك الإضافة داخل النسق العام الذي يتجاوز الإطار المحلي. الرواية العربية حسب التأريخ الحديث لها تبدأ مع رواية "زينب" حوالي سنة 1914. ولكن بالنسبة لي هذا التأريخ مغلوط ومزوّر. ويسحبنا هذا الرأي نحو مبحث أكثر شساعة، هل كانت النهضة بالفعل نـهضة ؟؟ لقد كانت قطيعة من الناحية الأدبية، كانت هناك أشكال سردية وتضخّم سردي عربي اتضح خاصة في القرن العاشر حين ظهرت النصوص الكبرى (رسالة الغفران، ألف ليلة وليلة، حي بن يقظان، كتب الرحلات : رحلة ابن جبير، رحلة ابن بطوطة…) وهذه النصوص أسست لأجناس أدبية لو أن النهضة جاءت بشكل مخالف لما أتت به لأمكن لها أن تصل إلى شكل سردي عربي قد يكون الرواية أو شبيها بها. ولكن للأسف، جاءت النهضة وأنزلت ستارا حديديا وهمّشت تلك الجهود السردية العظيمة.
لذا فكل أعمالنا التي نجتهد فيها للارتباط بالتراث والأسطورة والمرويات الشعبية هي رغبة مقلوبة لما كان يجب أن يحدث قبل قرون على الأقل، بمعنى أننا نستدعي هذه الأشكال السردية لكنّنا نستدعيها في زماننا وهذا أساس الخلاف أو الاختلاف بيني وبين جمال الغيطاني. فالغيطاني في رواياته كثيرا ما يستدعي المرويات القديمة كما هي وكما وردت ويدخلها في عصر ليس لها وهذا يعني أنها منذ البداية مرفوضة أمّا من ناحية المقروئية فالقارئ يجد فيها نصوصا تقول نفسها بلغة صعبة…
التراث يجب أن يدخل ضمن تفاعل حقيقي مع الحاضر فعندما ينفصل عن الواقع يصبح مجرد لافتات لا معنى لها، إنّ التعامل مع التراث أو المرويات الشعبية يحتاج إلى تأمل داخلي، داخل هذه النصوص القديمة والتأمل الداخلي يقودنا بالضرورة لإدراك الكيفيات الناجعة لإدراجها ضمن النسق الروائي بحيث تبدو بعهدها القديم كأنها ابنة هذا العصر فلا يشعر القارئ وهو يواجه النص الروائي أنه خارج عصره.
فالتعامل مع التراث أو المرويات الشعبية وحدها لا يكفي فهذه مهمة تحتاج إلى اشتغال كبير من المبدع لأنه يتخلّى عن وظيفته كمبدع -وهذا القول ناتج عن تجربتي الشخصية المزدوجة جامعية وإبداعية- ليضطلع بأدوار المتأمّل والباحث حتى يحاور المادة الأوّلية التي بين يديه. فتلك النصوص القديمة أشبه ما تكون بقطعة الآجر أو الإسمنت أو الحديد ووظيفتك أنت كمبدع أن تطوّعها وتدخلها في معمار حديث.
n ولكن أستاذ واسيني كيف يمكن للمبدع أن يكون محلّيا في زمن العولمة ؟ هل مازال –مثـلا- الشارع العربي عربيّا ؟!!
oo صحيح، هذا مشكل كبير فعلاقتنا بالعولمة علاقة غير محسومة فالظاهرة جديدة – على الأقل بمفهومها الحالي – فهي في النهاية استمرار لمفهوم الإمبريالية السابق مع متغيرات العصرنة الحالية التي نعيشها.
لكن، خذ مثلا أوروبا، وهي المقياس الوسطي لأنها ليست أمريكا وليست الوطن العربي، فمن خلالها يمكن أن أقيس درجة الحرارة وأتأمل الظاهرة – الحماية الفرنسية، مثلا، ومن خلال أحد وزر















































