مَع دُون كِيشُوت الرِّوَايَة الجَزائِريّة

سبتمبر 21st, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

واسيني الأعرج : جامعي وروائي جزائري، ولد سنة 1954 بقرية سيدي بوجنان، من ولاية تلمسان، يشغل اليوم منصب أستاذ كرسي بجامعتي الجزائر المركزية والسربون بباريس، يعتبر أحد أهمّ الأصوات الروائية في الوطن العربي.

على خلاف الجيل التأسيسي الذي سبقه، تنتمي أعمال واسيني الأعرج الروائية إلى كتّاب الرواية الجديدة التي لا تستقرّ على شكل واحد بل تبحث دائما عن سبلها التعبيرية في العمل الجادّ على اللغة وهزّ يقينياتها. فاللغة عنده ليست معطى جاهزا ولكنها بحث دائم ومستمرّ.

لم يتوقف عن الكتابة منذ نصه الروائي الأول : البوابة الزرقاء (وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر) الذي نشر لأوّل مرّة في دمشق سنة 1981 قبل أن يُعاد نشره في الجزائر بعد سنة، وقد أثار اهتماما نقديا معتبرا. أصدر بعده روايته المعروفة نوار اللوز التي تُدرّس اليوم في العديد من الحلقات العلمية وفي الكثير من الجامعات العربيّة.

لكن قوّة واسيني الأعرج التجريبيّة تجلّت أكثر في روايته الكبيرة فاجعة الليلة السابعة بعد الألف التي حاور فيها ألف ليلة وليلة لا من موقع التاريخ ولكن من هاجس الرغبة في استرداد التقاليد السرديّة الضائعة.

-         تحصّل في سنة 2001 على جائزة ابن هدوقة للرواية الجزائريّة.

-         ترجمت بعض أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية من بينها : الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، السويدية، الإنجليزية والإسبانية.

صدرت له في الرواية :

·          البوابة الزرقاء (وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر) دمشق/الجزائر 1980.

·          وقع الأحذية الخشنة. بيروت 1981.

·          ما تبقى من سيرة لخضر حمروش. دمشق 1982.

·          نوار اللوز. بيروت 1983.

·          مصرع أحلام مريم الوديعة. بيروت 1984.

·          ضمير الغائب. دمشق 1990.

·          الليلة السابعة بعد الألف : رمل الماية. دمشق.الجزائر 1993

·          الليلة السابعة بعد الألف : المخطوطة الشرقية. دمشق 2002.

·          سيدة المقام. دار الجمل ألمانيا/الجزائر 1995.

·          حارسة الظلال. باريس 1996. ألمانيا 1999.

·          ذاكرة الماء. دار الجمل. ألمانيا 1997.

·          مرايا الضرير. باريس 1998.

·          شرفات بحر الشمال دار الآداب بيروت. 2001.

·           الكاتب و الأمير , الفضاء الحر , 2005

كما صدرت له أعمال قصصية وبحوث نقدية كثيرة لكنه تفرّغ منذ سنوات للإبداع الروائي.

اتّفقنا على إنجاز هذا الحوار في فرنسا وأنجزناه في تونس يوم 26 أفريل 2003. وكان هذه المواجهة الليلية الشيّقة والتي تحدّث فيها واسيني الأعرج عن تجربته الروائية بسخاء. فأفشى لنا بكل حبّ بعض أسرار حياته الشخصيّة والأدبية وأطلعنا على علاقته الحميميّة بالتراث السردي العربي والإنساني وقصّته مع الإرهابيين الذين أباحوا دمه فأباح وجوههم للقرّاء وأطلق عليهم عبارته الشهيرة » حراس النوايا « كما يكشف هذا الحوار خبايا علاقة واسيني بـ"كارمن" وولعه بـ"دون كشوت" وجدّه سرفانتيس وأدب أمريكا اللاتينية وألف ليلة وليلة. ويفكّ الروائي، ولأوّل مرّة شفرة تلك المرأة التي ترتحل في أعماله من نصّ إلى نص كاللازمة : مريم الوديعة. ويتفرّع الحوار إلى أحاديث جانبية عن وضع الرواية العربية وجماليات التلقّي وأساليب الكتابة فيكشف لنا عن رؤية خاصة لاستراتيجية التناص. وفي اللقاء أخبار وأحاديث ومواقف أخرى.

n عرفت الرواية الجزائرية مع أحلام مستغانمي ورشيد بوجدرة وواسيني الأعرج وجيلاني خلاّص والحبيب السائح… نجاحات في الوطن العربي مشرقا ومغربا وعرفت بعض هذه الأسماء انتشارا عالميا فترجمت أعمالها إلى كثير من اللغات الحيّة، هل هذه النجاحات علامة على ما تشهده الرواية الجزائرية من حركيّة ؟ أم هي مجرّد نجاحات فرديّة لا يمكن تعميمها على المشهد الروائي الجزائري ؟

oo شكرا على هذا اللقاء الطيّب، في ما يخصّ هذا الموضوع، كما تعرف أخ كمال، التجربة الأدبيّة كيفما كانت هي تجربة فرديّة لأنّها تعتمد على القدرات الذاتية التي يحملها المبدع ولكن عندما تتكرر هذه التجربة تخرج من مستوى الفردية لتصبح تجربة جماعيّة. وعندها تصبح ظاهرة تستحق التأمّل والعمل على الاقتراب منها وفهمها.

ما حدث، هو أن الجيل الأول : جيل الطاهر وطّار وعبد الحميد بن هدوقة رحمه الله ورضا حوحو – كلّهم مرّوا من تونس فتعلّموا وتثقّفوا في هذا البلد – جيل الثورة هو الذي أسس للفن الروائي الجزائري كظاهرة وكجنس ولكنّه من الناحية الإبداعية انسحب – بعد السبعينات – بعد أن بدأ ينشأ جيل آخر يكتب باللغة العربية – أما تجربة الكتابة باللغة الفرنسية فمسألة أخرى – وهذا الجيل الجديد كان مرتبطا عضويا بتجربة الجيل السابق ولكنّه يختلف عنها لأنّ المناخ الذي أنتج جيل السبعينات يختلف جذريا عن المناخ الذي ظهر فيه الجيل السابق، مثلا : وجود هاجس الثورة عند أدباء السبعينات لا يعني أنّه هدف مركزي.

ويمكننا الحديث عن وجود مواصفات وملامح للأسماء التي ذكرتها كوّنت هذه الظاهرة. وهذه الظاهرة – نقول ببعض التحفّظ – أنها فرضت نفسها وطنيا وعربيّا وبعضها يحاول أن يجتهد لتجاوز هذه الحدود. ويربط هذه الأسماء أو النصوص التي شكّلت هذه الظاهرة، حِدّية ما يحدث في الجزائر. من الناحية التاريخيّة ومن ناحية الحاضر والواقع اليومي، هذه التجربة علامتها الأولى هي روح المواجهة فهي لا تعتمد الخطاب الموارب والمهادن الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصيّة البلد أو الخطاب الوطني المضخّم. هذه تجربة صريحة وعنيفة في قولها عكس الجيل السابق الذي تربّى على تلك الشروط. فهذا الجيل الجديد – جيل السبعينات – تكوّن على شروط مختلفة : التكوين الحرّ، والثقافة الوطنيّة تلك الثقافة المفتوحة على العالمية لأنّ علاقة ذلك الجيل بالمكتوب وبالرواية تحديدا، هي علاقة أساسها المركزي الرغبة في قول الحقيقة عن طريق الإبداع ولهذا نستطيع الحديث عن جيل روائي استثنائي في الجزائر. ولكن، للأسف، هذا الجيل ليست له مخلفات قويّة.

أما الأجيال الصاعدة فليس فيها اسم يشدّ الانتباه بثقافته وتكوينه، نحن أضفنا إلى الجيل السابق لأنّه كان ضعيفا ثقافيا نتيجة أمور كثيرة منها : الثورة، فلم تكن له الفرصة ليتكوّن ويدخل الجامعة مثلا، أغلبه عصامي التكوين، أما نحن فقد كنّا محظوظين، فنحن جيل الاستقلال، تكوّنا بشكل طبيعي من المدرسة إلى الجامعة ثمّ تحصلنا على منح وسافرنا خارج البلاد لإتمام تعليمنا وقد سافرت شخصيّا إلى سوريا أين تحصلت على شهادة الماجستير برسالة بحث حملت عنوان "اتجاهات الرواية العربية في الجزائر" ثم ناقشت رسالة دكتورا دولة تحت عنوان "نظرية البطل في الرواية". كانت لنا فرصة للالتقاء بالعالم العربي منه والغربي فاطّلعنا على إنتاجاته المختلفة فتكوّنت عندنا مرجعيات متنوّعة. أما الجيل الذي جاء بعدنا للأسف ليست له هذه الرؤية وهذا الهاجس وأتمنّى أن أكون مخطئا، لكنني عندما أنظر في نصوصهم أكاد أجزم أن هناك أزمة مبدعين. هناك مشكل لأنه ليس كل ما ينشر يمثّل تمثيلا حقيقيا التجربة الأدبية الجزائرية. وأنا أعرف بعض المبدعين الذين لم تسعفهم فرص النشر لكنّهم يكتبون نصوصا رائعة.

n تنبّأت الناقدة الأمريكية لسلي فيدلر "Lesli Fidler" خائبة منذ سنوات بموت الرواية في مؤلفها الشهير "نهاية الرواية The end of the novel" وفي مؤلفات أخرى. وجرى الزمن بما لا تشتهي "لسلي" ليكون حاضر الأدب للرواية وأكاد أقول وحدها. لماذا، حسب رأيك، صمدت الرواية وكذّبت أعداءها ؟

oo الرواية جنس الحياة. هكذا يحلو لي تعريفها، بمعنى أن الشعر محكوم عليه بالموت أو الإعدام أو على الأقل محكوم عليه أن يكون ضمن أقليات الأجناس الأدبية. لأنّ طبيعته اللغوية لا تسمح له بالذهاب بعيدا. إنه يعتمد لغة استعاريّة، غير أصلية، غير حقيقية، غير طبيعيّة، لغة يصنعها الشاعر وهي لغة بعيدة عن لغة التداول اليومي، تعتمد على الصورة والمجاز والاستعارة… الشيء الذي يجعل منها لغة أقليّة. ولهذا لا أستبعد أفولها وزوالها، فأزمة الشعر لا شكّ فيها، حتى في الدول الغربيّة نادرا ما تجد دار نشر تنشر الشعر وإذا نشرت لأحد الشعراء فإن نسخ الكتاب تكون محدودة. ويبرّر الناشر موقفه بكون الشعر لا يُسوّق مقارنة بالرواية، الرواية آفاقها رحبة، لأنّ الجنس الروائي هو الجنس الوحيد الذي يستوعب الأجناس الأخرى : استوعب المسرح ويمكن أن نمثل لذلك بمؤلفات المسعدي، استوعب الأسطورة، استوعب التاريخ والشعر والرسم والنحت والموسيقى. هذا الجنس كما تُعرّفه أدبيات النقد الغربي هو الجنس الوحيد الذي يمتلك إمكانية التجدّد من خلال تلك القابليّة على الاستيعاب. وهنا تقف الرواية شبيهة بالإنسان القادر على التجدّد والتأقلم وهذا ما يجعله يعمّر أكثر من غيره. لهذا لا أرى أبدا أن الرواية تسير نحو حتفها على الأقل في المنظور القريب. ستبقى الرواية ملحمة، لكنها تتجاوز ذلك التعريف القديم : "ملحمة البرجوازية" لتصبح ملحمة العصر الحديث، فالملحمة استطاعت أن تستوعب كل الأجناس السابقة لها واختزنتها وعندما وصلت إلى القمّة بدأت تتحلّل لتنشأ عنها أجناس أخرى منها الرواية. بدأت عملية التحوّل من "الحمار الذهبي" لأبوليوس مرورا بدون كيشوت… إلى أن وصلنا مع فلوبير وزولا عندما بدأ الجنس الروائي يستقيم ويعلن استقلاليته الصريحة. ونحن الآن بصدد بناء هرم الرواية الشبيه بهرم الملحمة وهذا البناء يحتاج إلى زمن يعدّ بالقرون ليصل الجنس إلى أقصاه ويستوعب كل الإمكانات المتاحة له ثمّ يبدأ في مرحلة التحلل لينشأ من رحمه جنس آخر يعيد نفس المغامرة.

n العودة إلى التراث الحكائي المكتوب منه والشفوي بما يحمله من عوالم مدهشة بسحرها ومحلّيتها هو الطريق الوحيد لنحت خصوصيّة للرواية العربية يمكن من خلالها أن تضيف للإبداع الروائي العالمي مثلها مثل أدب إفريقيا السوداء أو أدب أمريكا اللاتينية. هذا تقريبا، رأي واسيني الأعرج. هل ما زلت على هذا الرأي ؟ المحليّة هي الطريق الآمنة للعالميّة ؟

oo صحيح، يقال "أنا عندما أكون ابن قريتي أكون عالميّا" ما معنى العالميّة ؟ العالميّة هي أن تضيف شيئا مختلفا إلى ما هو مهيمن وما هو مسلّم به وتقحم تلك الإضافة داخل النسق العام الذي يتجاوز الإطار المحلي. الرواية العربية حسب التأريخ الحديث لها تبدأ مع رواية "زينب" حوالي سنة 1914. ولكن بالنسبة لي هذا التأريخ مغلوط ومزوّر. ويسحبنا هذا الرأي نحو مبحث أكثر شساعة، هل كانت النهضة بالفعل نـهضة ؟؟ لقد كانت قطيعة من الناحية الأدبية، كانت هناك أشكال سردية وتضخّم سردي عربي اتضح خاصة في القرن العاشر حين ظهرت النصوص الكبرى (رسالة الغفران، ألف ليلة وليلة، حي بن يقظان، كتب الرحلات : رحلة ابن جبير، رحلة ابن بطوطة…) وهذه النصوص أسست لأجناس أدبية لو أن النهضة جاءت بشكل مخالف لما أتت به لأمكن لها أن تصل إلى شكل سردي عربي قد يكون الرواية أو شبيها بها. ولكن للأسف، جاءت النهضة وأنزلت ستارا حديديا وهمّشت تلك الجهود السردية العظيمة.

لذا فكل أعمالنا التي نجتهد فيها للارتباط بالتراث والأسطورة والمرويات الشعبية هي رغبة مقلوبة لما كان يجب أن يحدث قبل قرون على الأقل، بمعنى أننا نستدعي هذه الأشكال السردية لكنّنا نستدعيها في زماننا وهذا أساس الخلاف أو الاختلاف بيني وبين جمال الغيطاني. فالغيطاني في رواياته كثيرا ما يستدعي المرويات القديمة كما هي وكما وردت ويدخلها في عصر ليس لها وهذا يعني أنها منذ البداية مرفوضة أمّا من ناحية المقروئية فالقارئ يجد فيها نصوصا تقول نفسها بلغة صعبة…

التراث يجب أن يدخل ضمن تفاعل حقيقي مع الحاضر فعندما ينفصل عن الواقع يصبح مجرد لافتات لا معنى لها، إنّ التعامل مع التراث أو المرويات الشعبية يحتاج إلى تأمل داخلي، داخل هذه النصوص القديمة والتأمل الداخلي يقودنا بالضرورة لإدراك الكيفيات الناجعة لإدراجها ضمن النسق الروائي بحيث تبدو بعهدها القديم كأنها ابنة هذا العصر فلا يشعر القارئ وهو يواجه النص الروائي أنه خارج عصره.

فالتعامل مع التراث أو المرويات الشعبية وحدها لا يكفي فهذه مهمة تحتاج إلى اشتغال كبير من المبدع لأنه يتخلّى عن وظيفته كمبدع -وهذا القول ناتج عن تجربتي الشخصية المزدوجة جامعية وإبداعية- ليضطلع بأدوار المتأمّل والباحث حتى يحاور المادة الأوّلية التي بين يديه. فتلك النصوص القديمة أشبه ما تكون بقطعة الآجر أو الإسمنت أو الحديد ووظيفتك أنت كمبدع أن تطوّعها وتدخلها في معمار حديث.

n ولكن أستاذ واسيني كيف يمكن للمبدع أن يكون محلّيا في زمن العولمة ؟ هل مازال –مثـلا- الشارع العربي عربيّا ؟!!

oo صحيح، هذا مشكل كبير فعلاقتنا بالعولمة علاقة غير محسومة فالظاهرة جديدة – على الأقل بمفهومها الحالي – فهي في النهاية استمرار لمفهوم الإمبريالية السابق مع متغيرات العصرنة الحالية التي نعيشها.

لكن، خذ مثلا أوروبا، وهي المقياس الوسطي لأنها ليست أمريكا وليست الوطن العربي، فمن خلالها يمكن أن أقيس درجة الحرارة وأتأمل الظاهرة – الحماية الفرنسية، مثلا، ومن خلال أحد وزر

المزيد


مع الشّـاعــر التونسي محمد الخالدي

سبتمبر 4th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

رجل  المعراج  أو صوت الأسفار  المنسيّة

حاوره كمال الرياحي      

هاهو بمعطفه الأبيض يمزّق غيوم شارع الحبيب بورقيبة. شارع الشوارع، كان المطر لعوبا، يهطل لحظات ويختفي لحظات، لذلك خيّر صاحب المعطف الأبيض إغماد مطريّته في غمدها. وكفر بالطقس ليعيش طقوسه… كنت أنتظره في مقهى أصابته اللعنة فأصبح فضاء للمثقّفين والكتّاب والصحفيّين : عالم الأوهام والمكائد… وصل الرجل الأبيض قبل موعده بدقائق هاهو يقف أمام المقهى بجبهته العريضة يبحث في الوجوه عن الصوت الذي هاتفه ليلا ليحدّد موعدا لإجراء حوار حول تجربته الشعريّة. يبدو أنّه عدّل ساعته ليصل في موعده. ترك معقله في المكتبة الوطنية، بين الأسفار القديمة والمخطوطات النادرة لينزلق بين أنهج المدينة العتيقة. لا بدّ أنه في طريقه التفت إلى جامع الزيتونة وسحب نفسا عميقا، منتشيا بعبق العراقة وشموخها. ولا بدّ أنه تدحرج من جديد بين الأسواق التقليدية مسرع الخطى على وقع نقر المطارق على النحاس، لا بدّ أن تلك الأصوات أخذته إلى فضاءات الكنائس وأجراسها والزوايا وطقوسها… ولا بدّ أنّه تحسّر على انتهاء الطريق الأصيل عند القوس وبداية الطريق الآخر، شارع الشوارع.. لا بدّ أن خطواته تسارعت أكثر لأنّ لا شيء في الشارع يحمله على التأمّل، لا شيء يدفعه للسير فيه غير موعده مع الشعر وحديث الشعر. وقفتُ أحيّيه وأذهب عنه غصّة الشارع… خيّر أن نحتسي شاينا بأحد المقاهي العتيقة في المدينة المُسنّة. يبدو أنه حنّ بسرعة إلى الجدران الصفراء وأصوات النحاس… وصلنا نهجا شديد الضيق تنتصب فيه طاولات وبعض الكراسي تحت شمسيّة، جلسنا، جاءنا الشاي والليمون سريعا وعاد المطر يعزف أنغامه، لكن هذه المرّة كان إيقاعه يزداد مع كلّ سؤال ومع كل إجابة.

عندما عدت إلى بيتي أتأبّط حمّى وملابس مبلّلة سُئلتُ أين كنت ؟ أجبت : كنت مع الشاعر التونسي محمد الخالدي.

لا يبدو أن الاسم حرّك فيهم شيئا، تابعت وأنا أسحب من محفظتي نصّ الحوار خشية أن يكون غرق مع الغارقين في يوم الطوفان الأصغر : هو أصيل الجنوب التونسي، متحصل على الإجازة في اللغة وآدابها من جامعة بغداد وعلى الماجستير. نشر إنتاجه الموضوع والمترجم في "كبريات" المجلات والدوريّات العربية المتخصصة. له اهتمام خاص بالتصوّف الإسلامي والديانات الشرقية : البوذية والهندوسية والطّاوية وقد ترجم منها وكتب عنها نصوصا عديدة.

 

لـه من الأعمال الشعرية :

ـ قراءة الأسفار المحترقة – بغداد 1974.

ـ كل الذين يجيئون يحملون اسمي، بغداد 1997.

ـ المرائي والمراقي، تونس 1997.

ـ سيدة البيت العالي، تونس 1999.

ـ مباهج، تونس 2001.

ـ وطن الشاعر، تونس 2003.

له مخطوطات كثيرة تنتظر النشر منها رواية وكتاب في السيرة.

وهذا نبيذ المطر وعرق الجدران الصفراء، حوار تحدّث فيه الخالدي عن توقه لاختراق المجهول وفكّ أسراره، وعن أثر التجربة البغداديّة في مسيرته الشعريّة فيقول : "لو لم أتغرّب جغرافيّا وروحيّا لما استعدت طفولتي بتلك الدقة التي استعدتها بها" وعن اللغة الصّوفية يقول : "عليها أن تكون بِكرا لم يفضّها أحد من قبل حتى تتوهّج وتتألّق…" تحدّث باختلاف كبير عن الحبّ والعشق وعن الحرمان والغربة والاغتراب وعن السّرد وعن الشعر واتّجاهاته وعن الأمكنة وسحرها وعن الأزمنة ورحابتها وعن النبوءة والادّعاء… أبحرنا معه في عوالم الفنّ من موسيقى ورسم ومعمار وحلّقنا في حضارات الشرق الأدنى ودياناته وظلّ الرجل يردّد على امتداد ذلك اللّقاء بأنّ القصيدة متمنّعة تمنّع المرأة، تلك "القارّة السابعة"…

الحوار لقاء أشبه ما يكون بحالة التجلّي لذلك لا تنفع معه المختصرات وما على العاشق إلاّ الإبحار في تفاصيل التّفاصيل…

 

n أودّ أن نبدأ من لحظة النطفة الشعرية الأولى. فماذا تتذكّر من إشراقات تلك اللحظة ؟ وهل في محيطك من يتعاطى حرفة الأدب ؟

oo يقول الشاعر الفرنسي الشهير شارل بودلير "إن الشعر هو الطفولة عُثر عليها ثانية"، وقد صدّرت مجموعتي الأخيرة "وطن الشاعر" بهذه المقولة، فما من أحد يبرأ من طفولته، ففي هذه المرحلة من عمر الإنسان تتشكل الملامح الأولى لما سيكون عليه مستقبلا. ولا شكّ أن النطفة الشعرية الأولى كما سمّيتها قد تشكّلت في تلك الفترة. وأستطيع اليوم أن أتلمّس تلك الإشراقات وأتعرّف عليها بسهولة. لقد عشت طفولتي بين أحضان الطبيعة، ورغم أنّني أنتمي إلى مدنية منجميّة اشتهرت بإنتاج الفسفاط إلاّ أنّ ارتباطي بالفضاءات الشاسعة كان قويا، إذ كنا نخرج ونحن أطفال إلى تلك الأودية والتلال المجاورة للمدينة لاصطياد العصافير والفراشات أو جمع القواقع المحجّرة والأعشاب العطرة.

أمّا بدايتي مع الحرف فكانت في كتّاب الحي ولم تزل في ذاكرتي صورة ذلك الطفل الذي لوحته شمس الجنوب الحارقة وهو يتعثّر في ملابسه الفضفاضة في طريقه إلى الجامع. وكان علينا، ونحن في تلك السنّ المبكّرة أن نتعلّم أولا كيف نرسم الحرف، فكان المؤدب يحفر على سطح اللوح الخشبيّ الصقيل حروف الأبجدية بخطّ عريض وعميق لنعيد نحن رسمها بالمداد الأسود الذي كنا نصنعه بأيدينا في أوّل عملية كيمياوية نقوم بها.

كنا نجهد في ملء تلك الأخاديد التي شقّها المؤدب فتظهر الحروف بين واقف نحيل كأنه العمود في الصحراء وملتفّ بذيله كالثعلب ومنتفخ كالبطن ومسنّن كالمنشار ومستدير كالحلقة أو مائل كأنّ به انتشاء. وكم كانت فرحة الطفل وهو يرى الحروف وهي تتشكّل على اللوح ضاجّة متلألئة. وكانت تلك دهشته الأولى. لكن كان لابد من محو تلك الحروف عند نهاية الدرس وإذا اللوح صحراء بلقع كتلك التي تنام على مقربة من المدينة تكاد تلتهمها وقد طوّقتها من كل جانب. وكانت تلك أوّل عملية محو يقوم بها.

وفي المدرسة بدأت أتطلّع إلى قراءة كل ما تقع عليه عيناي من صحف ومجلات قديمة وكتب صفراء كنت اهتديت إليها بطرق غريبة كأن يدا خفيّة تقودني إليها من حيث لا أدري. فقرأت الكثير من الأساطير والقصص العجائبي ومنها قصة "معراج الرسول" التي لم أتخلّص من تأثيرها حتى هذه اللحظة، ومازالت تفعل فعلها في كتاباتي الشعرية منها والنثرية…

في هذا العالم الطفولي بكل ما فيه من دهشة وتوق إلى اختراق المجهول وفكّ أسراره تشكّلت لديّ نطفة الشعر الأولى. أما في محيطي المباشر فلم يكن هناك من يتعاطى الشعر وإن كان معظم الناس في الجنوب - رجالا ونساء – يقولون الشعر الشعبي أو الملحون كما يسمّى. لكن حفلات الأعراس حيث يتبارى المغنّون والشعراء وحلقات الذكر الصوفي التي كنت أحضرها قد أخصبت هي الأخرى مخيّلتي وشحذتها.

n ماذا أضافت إليك التجربة البغدادية، هل كانت بالفعل الانطلاقة الحقيقيّة بالنسبة إليك ؟ منْ منَ الرموز الشعريّة التي تعرّفت عليها هناك وكانت فاعلة ؟

oo التجربة العراقية كانت من أولى المنعطفات الحاسمة لا في مسيرتي الشعرية وحسب وإنّما في حياتي كلّها. فقد غادرت إلى المشرق في العشرينات من عمري وكان وصولي إلى بغداد في حدّ ذاته مغامرة بكل ما تعنيه الكلمة أترك تفاصيلها لمناسبة أخرى. وككل المنعطفات الحاسمة التي سأصادفها في ما بعد – وما أكثرها – فإنّ بغداد لم تكن هي هدفي عندما شددت الرحال صحبة رفيقي وصديقي محمد علي اليوسفي إلى المشرق. فقد كان في نيّتي أن أكمل دراستي في عاصمة الأمويين لكن اليد الخفية التي أشرت إليها آنفا تفضّلت وحوّلت وجهتي إلى عاصمة العباسيين فيما فضل رفيق رحلتي البقاء في دمشق. لم تكن الخارطة الشعرية العراقية والعربية بشكل عام غريبة عنّي، وما أن استقرّ بي المقام هناك حتى تعرّفت على أغلب الرموز الفاعلة في الساحة من شعراء وكتّاب ونقّاد ورسّامين وربطتني بالكثيرين منهم صداقات متينة… أسماء كثيرة تُثقل ذاكرتي بما في ذلك أسماء مثقّفين ومبدعين عرب كانوا يقيمون في بغداد ولا مجال لذكرهم كلّهم. لكنّي وأنا أتحدّث عن تجربتي البغدادية التي استمرّت أحد عشر عاما، وهي كما ترى فترة طويلة – لا بدّ من الإشارة إلى مسألة مهمّة : فقد كنت أعرف الزخم الشعري الذي ينتظرني وأنا أحلّ ببغداد، لكن ما فاجأني حقّا هو ازدهار الفنون التشكيلية وثراؤها. وقد حرصت على حضور افتتاح المعارض وزيارتها وارتبطت بعلاقات صداقة مع عدد كبير من الرسّامين والنحّاتين.

أمّا المفاجأة الأخرى فكانت ذلك الزخم الموسيقي الذي اكتشفته، فبالإضافة إلى المقام العراقي تعرّفت على مدرسة العود العراقية ورموزها الكبار : مؤسسها الشريف محي الدين حيدر وتلميذيه : المرحوم جميل بشير وسلمان شكر أمدّ الله في أنفاسه.

وكما ترى، فإنّ بغداد وإن لم تكن هي انطلاقتي الشعرية فقد كانت المناخ الذي ساعدني على صقل موهبتي وتعميق ثقافتي في تلك المرحلة من عمري.

n أنت أصيل الجنوب الغربي، درست بالعاصمة ثم سافرت إلى بغداد لتغادر، بعد أكثر من عشر سنوات إلى سويسرا ثم عدت إلى تونس لتعيش بين أسفار المكتبة الوطنية وأزقّة المدينة العتيقة ربما إلى حين. وفي العام الماضي خرجت علينا بمجموعة تحمل عنوان "وطن الشاعر" واكتشفنا أثناء القراءة أن هذا الوطن هو الطفولة أو المكان الذي درجتْ فيه هذه الطفولة فهل قدر الشاعر أن يقيم في الزمن بينما تقيم كل الكائنات في المكان ؟

oo أجل، لقد أقمت في أكثر من بلد وتحت أكثر من سماء، فبعد بغداد انتقلت إلى جنيف حيث قضيت عشر سنوات تقريبا لأنني كنت في حاجة إلى اكتشاف آفاق معرفية جديدة. وهناك عمّقت معرفتي بالثقافة الغربية التي لم تكن غريبة عنّي واكتشفت – وهذا هو المهم – الديانات الشرقية وهي الهندوسية والطاوية والبوذية بشتى مدارسها. كان اهتمامي بالتصوّف كظاهرة أدبية أولا قد بدأ منذ سنتي الأولى ببغداد، وعندما غادرتها كانت علاقتي بكبار المتصوفة قد توطّدت. وبحكم انتقالي من مكان إلى آخر وعدم استقراري استعضت عن الوطن الجغرافي بوطن روحي هو الذي أقيم فيه الآن. فبعد أن ضربت طويلا في الآفاق وزرت أغلب المدن التي كنت أحلم بزيارتها بدأت رحلتي الأطول والأكثر مشقة وأعني بها السفر الباطني أو الجوّاني كما سماه جورج باتاي في كتاب له معروف، وهو سفر يبدأ لكي لا ينتهي أبدا لأنك كلما توهّمت أنك بلغت المناطق المحظورة انفتحت أمامك بوابات أخرى تفضي إلى مناطق أكثر دهشة. وعند عودتي إلى تونس بعد واحد وعشرين عاما، بدأت رحلتي الأخرى متسلّحا بتجارب روحية قاسية أحيانا مررت بها خلال سفري الجغرافي. وهكذا بدأت مرحلة استبطان الذات واستكشاف مغاورها ودهاليزها على ضوء ما حصّلته من معارف من خلال اطلاعي على الديانات والفلسفات الشرقية، التي أعادتني من جديد إلى تعاليم التصوّف الإسلامي وأقصد هنا التصوّف العرفاني. وبالتوازي مع العودة إلى الذات عدت إلى طفولتي الأولى استنطقها في محاولة مني للقبض على الزمن الهارب. ومعظم قصائد "وطن الشاعر" ولدت في جنيف. فأثناء إقامتي في بغداد كنت لـمّا أزل قريبا من طفولتي زمنيا، أما في جنيف فقد بدأت أنأى عنها وتنأى عنّي، فكانت تدهمني من حين إلى آخر ثم بدأت تدقّ عليّ بابي كلّما خلوت بنفسي للكتابة. فكنت أستعيد مراحل طفولتي مستعينا بتمارين التأمّل التي تمرّست بها بعد مشقّة حتى أصبح بمقدوري استحضار روائح استنشقتها وأنا في الثالثة من عمري ومذاق أطعمة تناولتها في تلك السن المبكّرة حتى ليتصلّب ريقي أحيانا.

وشيئا فشيئا انبسطت طفولتي أمامي بكل تفاصيلها الدقيقة، فكنت وأنا في جنيف أرحل فيما يشبه المعراج إلى مراتع الصبا بالجنوب الغربي من البلاد التونسية فأتجوّل فيها كما كنت أفعل أيام الطفولة الأولى : أصطاد الفراشات أو أزجر الطير بحثا عن أعشاشها أو أذرع الأودية علّي أعثر على تلك النباتات والأعشاب العطرة التي كنّا نجنيها لنقدّمها هدية لأمّهاتنا.

ولو لم أتغرّب جغرافيا وروحيّا لما استعدت طفولتي بتلك الدقّة التي استعدتها بها. إن إقامتي في الزمن هي بديل عن الإقامة في المكان وحتى بعد عودتي إلى أرض الوطن أو بالأحرى أرض المحن. فإنّ صلتي بالمكان ظلّت قلقة ومتوتّرة. ولعلّ وجودي الدائم في دار الكتب الوطنية المحاذية لجامع الزيتونة في قلب المدينة العتيقة هو أيضا نوع من الإقامة في الزمن. فالمدينة العتيقة هي الماضي بامتياز، فأبنيتها وأزقّتها الضيّقة والملتوية وطرازها المعماريّ تتنفّس كلها عبق لماضي. وعندما تكون فيها كمن يعيش حاضره في الماضي، وهو إحساس لذيذ وغريب في آن. قد يرى البعض في هذا نوعا من النوستالجيا، لكن الحالة التي أشرت إليها لا علاقة لها بالنوستالجيا… إنها شيء آخر غامض وملتبس ويشوبه التوق إلى ارتياد المجهول… إنها، بمعنى آخر حالة شعرية بمفهومها الوجودي والعميق لا بمفهومها السطحي.

n تحتجّ دائما على كل من ينعت تجربتك الشعرية بالصوفية، وتعلن أنها تجربة روحية. هل هناك فرق بين الصوفية وما تسمّيه الرّوحية، وهل انتهت هذه التجربة الروحية بصدور ديوانك "المرائي والمراقي" ؟

oo اعتراضي كان على التسمية لا على مضمونها، فالشعر الصوفي – كمصطلح – هو الذي قاله المتصوّفة ممّن سلكوا الطريق واشتهروا به. وعندما أكّدت بأنّ تجربتي روحيّة كنت أريد أن أقول إنّ التجربة الرّوحية تتضمّن التجربة الصوفيّة وتتجاوزها، فعبارة "صوفية" تحيل أكثر ما تحيل على التجربة الروحية للمسلمين بدليل أنّ الغربيين أبقوا عليها فقالوا Soufi  ويعنون الصوفي وsoufisme ويعنون التصوّف كتيّار أو حركة روحيّة… في بداية أمري انبهرت كغيري من الشعراء بالمتصوّفة المسلمين وبلغتهم خاصة، فقد كانوا، في رأيي أوّل من فجّر اللغة حتى قوّلوها أحيانا ما لا يقال. كما نجد ذلك عند التّمري في المواقف والتوحيدي في الإشارات الإلهية أو الحلاج في كتاب "الطواسين". لكنني لم أقف عند هذا الحقد فأكتفي بالنسج على منوال هؤلاء واستعارة لغتهم وقاموسهم كما فعل غيري من دون أن يعيش تجربة مخصوصة. وحتى أوضّح أكثر، فقد تعدّت علاقتي بالتصوّف الطابع الأدبي إلى ما هو أعمق لكن كان لا بدّ من قادح ليضرم فيك تلك الجذرة، فمررت بأزمة مثلّثة الأضلاع، عاطفية ووجودية وشعرية. فعشت الحيرة التي كثيرا ما تحدّث عنها المتصوّفة، وكلّما أوغلت في دراسة آثار هؤلاء اشتدّ بي هاجس البحث عن شيء مجهول كنت أتحسّسه لكني لا أتبيّنه على وجه الدقّة، فقرّرت السفر إلى أوروبا مدفوعا بهذا الهاجس الغامض. فاقتنيت تذكرة سفر إلى بروكسيل لكن اليد الخفية تدخّلت من جديدة وغيّرت وجهتي إلى سويسرا وهناك بدأت بعض الأبواب المغلقة تنفتح أمامي شيئا فشيئا.

n كيف ذلك ؟

oo لقد انكببت على دراسة الديانات والفلسفات الشرقية مستعينا بما نهلته من التراث الصوفي الإسلامي، وقد توصّلت إلى حقيقة جوهرية وهي أنّ هناك جذعا مشتركا لكل التجارب الروحية. فما دعا إليه حكماء الشرق قبل أربعة قرون من الميلاد دعا إليه ابن عربي وغيره من المتصوّفة المسلمين ولكن بطرق وأساليب مختلفة، وقد ساعدني هذا الاكتشاف على التعمّق أكثر في آثار هؤلاء. فعندما أقرأ لأحدهم يكون في ذهني لاوتسو أو تشوانغ تسو أو بوذا أو راماكريشنا. والعكس صحيح، وكانت هذه المصالحة أهمّ ما توصّلت إليه خلال بحثي المضني الذي استمرّ سنوات كانت مزيجا من القلق واليأس تتخلّلها لحظات لا تنسى من الفرح الغامر.

لقد قيل عن تشوانغ تسو إنه "ملح الحضارة الصينية والباب المفتوح على اللانهاية". ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن بوذا أو ابن عربي أو عن أيّ من كبار المتصوّفة الآخرين على اختلاف عصورهم والحضارات التي ينتمون إليها. لقـد كـان ابن عربي أشبه بالمجرّة التي لا تخوم لها… كان خاتم مرحلة وبداية أخرى وهو طاقة هائلة بل لا مثيل لها على الخلق والابتكار ومازال حتى يومنا هذا يتحدّى الشرق والغرب بكل شموخ وكبرياء ومازال محلّ انبهار الباحثين والغربيّين منهم بصفة خاصة.

إنّ كل واحد من هؤلاء هو عبارة عن متاهة أو بحر بلا ساحل كما قال أحدهم. فكنت أخرج من متاهة لأدخل أخرى إلى أن التقت المتاهات كلها لتتشكّل منها متاهة كبرى لا بدء لها ولا آخر يستحيل الخروج منها. لكن بمرور الزمن تصبح الإقامة فيها غاية الغايات. بعد هذه المرحلة الطويلة من الحيرة والضرب في المجهول أصبحت أمتح من تجربتي الذاتية، أي أنني لم أعد أتأثّر سلبا بتجارب الآخرين أو أنبهر بكتاباتهم وهو ما يفعله كل من يدّعي كتابة ما يُسّمى بالشعر الصوفي. وقد اقترنت تجربتي هذه بتجربة أخرى أعتبرها مكمّلة لها هي البحث في اللغة وهو ما سأفصل فيه لاحقا.

n هل انتهت التجربة الروحية بصدور مجموعتك "المرائي والمراقي" ؟

oo كلا !! إنّ التجربة عندي تبدأ ولا تنتهي أبدا، فالمرائي والمراقي، شأنها شأن مجموعاتي الأخرى مفتوحة، وقد كتبت بعد صدورها عام 1997 قصائد كثيرة تنتمي إلى المناخ نفسه وتمتح من التجربة نفسها، إن من يخوض غمار تجربة كهذه عليه أن ينسى الخروج منها، فهي ليست موضة يمكن أن نتخلّى عنها بمجرد انتهاء رواجها، بل هي قدر لا فرار منه، لكنه قدر محبّب.

n رميت كل الشعراء الذين رفعوا، في وقت ما، ألوية الشعر الصوفي بالادعاء. وقلت بالحرف الواحد في إحدى المقابلات : "إن كل من كتب أو ادّعى أنه يكتب شعرا صوفيا ليست له أيّة علاقة لا بالتصوّف كطريقة ولا بأيّة تجربة روحيّة أخرى"… أفهم من كلامك أن التصوف لا يكون إلا ممارسة حياتية وليس نشاطا لغويا قائما على التقليد. ألم يكتب بعض الشعراء قصائد حماسية

المزيد


الروائي الجزائري الحبيب السائح

سبتمبر 2nd, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

تمثّل التجربة الرّوائية الجزائرية – رغم حداثة نشأتها – إحدى أهم التجارب التي شكّلت المكتبة الروائية العربية بلسانيها العربي والفرنسي. وقد استطاعت التجربة الروائية العربية في الجزائر أن تعبر الحدود ليُترجم كثير منها إلى لغات عدّة وفي مقدّمتها اللغة الفرنسية بحكم الارتباط التاريخي بالمكان والإنسان. كما عبرت هذه التجارب إلى المشرق فأصبحنا نقرأ نصوصا جزائرية منشورة في بيروت ومصر ودمشق…
وأبرز هذه التجارب مثّلها عبد الحميد بن هدوقة والروائي المخضرم الطاهر وطّار وواسيني الأعرج والحبيب السائح وأحلام مستغانمي، وأهمّ ما يميّز هذه الأسماء أنّها لا تعزف على وتر واحد ولا على آلة سردية واحدة فكلّ واحد منها اجترح لنفسه مسلكا خاصا انشغل بتعبيده حتى أصبح فضاءه الخاص به. ونلتقي في هذا الحوار بأحد رموز الكتابة الروائية في الجزائر وهو الروائي الحبيب السائح.
في الحقيقة، كنت قد عرفت الاسم من خلال ما وقع بين يدي من دراسات ببعض الدوريات العربية وبحوث جامعية كانت قد تناولت أعماله الروائية الأولى، وقد شدّني ما كُتب حول روايته الأولى "زمن النمرود". فمن النادر أن يحتفل البحث الجامعي بروايات بكر ولكن ذلك يحدث مع أسماء من مثل الحبيب السائح وصلاح الدين بوجاه وفرج لحوار ومحمد شكري وإبراهيم الكوني، فهؤلاء ولدوا كبارا لأنّ أعمالهم البكر قد اختمرت جيّدا قبل أن يدفعوا بها إلى النشر.
قرأت منذ سنة تقريبا دراسة جادّة للدكتور محمد تحريشي حول إحدى تجارب السائح القصصيّة (البهية تتزيّن لجلاّدها) فأعادت إلى ذاكرتي ذلك الاسم الذي قرأت عن عمله الروائي البكر. ودار حديث بيني وبين الدكتور التحريشي في تونس أخبرني أثناءه أنّ السائح قد تفرّغ كليّا للكتابة بعد أن نحر الوظيفة واستوطن أحراش اللغة.
وبقينا نتابع ما ينشر حول أعمال الكاتب في تونس والجزائر وعمّان، إلى أن أتيحت لي فرصة لقائه في الملتقى الدولي للسرديات التي تنظمه، مرة كل سنتين، جامعة بشّار بالجنوب الغربي الجزائري فكانت لي معه لقاءات حميمية أيام 13-14 و15 أكتوبر 2003 عرفت فيها السائح كاتبا وإنسانا. فوجدته مثالا للكاتب الذي يعيش ليكتب وما أندر هذه الفئة من الكتّاب في زمن ينهش الكاتب من قلمه حتى يظهر العضم.
كان حبيب السائح طوال مدّة زيارتنا للجزائر رجلا استثنائيا يمارس طقوسه الخاصة في النوم والأكل والكتابة والعزلة والحركة، رجلا صفع وحشية المكان بنبل غريب.
عندما عدت إلى تونس حملت معي حقائب من الكتب، كنت قد عزمت قبل سفري على اقتنائها من الجزائر ولكن عندما حللت بالقراءة اكتشفت أنّ أجمل ما حملت كان روايات السائح وقصصه التي حملت طعما آخر ورؤية أخرى للكتابة، فازداد إيماني بأن يكون ضيفا على مشروعي "المواجهات الأدبية" الذي استضفت فيه قبله : الأعرج  وطرشونة وسليم دولة…
اتّصلنا به بعد أن عاشرنا نصوصه وقتا وعرضنا عليه الفكرة. فَقَبِل بكل نبل ليكون هذا اللقاء الذي تحدّث فيه السائح عن لسعة الإبداع الأولى وعن "الكتابة المكتوب" أو قدر الكتابة وكيف طُحنت روايته الأولى بعد أن سُحبت من المكتبات فكانت علّة رفضه للجماهيري وانعطافه على الذاتي، منتفضا أبلقا يركض في صحراء العبارة كافرا بالعلامات مزولته السياحة في رمال متحركة.
في الحوار حديث عن زمن المحنة وأدب المحنة بالجزائر وسقوط نص الأيديولوجيا وانحسار القراءة الجماهرية لصالح القراءة النخبويّة، والقارئ العيني لصالح القارئ الافتراضي، وخطورة ذلك على الإنسان العربي المهدّد بالتحلّل.
وفي اللّقاء يرفع السائح الكتابة لتكون أرقى أشكال مقاومة الإنسان للموت والزّوال وفيه حديث عن شعريّة كتابة الجسد روائيا بعيدا عن البورنوغرافيك وحديث عن السفر وأثر الرحلة في أعمال السائح وقول طريف في ما سمّاه الروائي بلغة اللغة، وأمور أخرى ترفض ترك مواقعها من ساحة الحوار.
وخليق بنا قبل بسط اللقاء أن نعطي إضاءة خاطفة عن حياة الحبيب السائح العلمية والإبداعية :
الحبيب السائح من مواليد 1950 بمنطقة سيدي عيسى ولاية معسكر. نشأ في مدينة سعيدة، تخرّج من جامعة وهران (ليسانس آداب ودراسات ما بعد التخرّج). اشتغل بالتّدريس وساهم في الصحافة الجزائرية والعربية. غادر الجزائر سنة 1994 متّجها نحو تونس حيث أقام بها نصف سنة قبل أن يشدّ الرّحال نحو المغرب الأقصى ثم عاد بعد ذلك إلى الجزائر ليتفرّغ منذ سنوات للإبداع الأدبي قصة ورواية.
§        صدر لـه :
-          القرار : مجموعة قصصية، سوريا 1979 / الجزائر 1985.
-          الصعود نحو الأسفل : مجموعة قصصية، الجزائر، ط 1، 1981، ط 2، 1986.
-          زمن النمرود : رواية، الجزائر 1985.
-          ذاك الحنين : رواية، الجزائر 1997.
-          البهية تتزيّن لجلادها : مجموعة قصصية، سوريا 2000.
-          تماسخت : رواية، دار القصبة، الجزائر 2002.
-          تلك المحبّة، الجزائر 2003.
-          الموت بالتّقسيط : قصص، اتحاد الكتاب الجزائريين 2003.
§        ترجمت لـه إلى الفرنسية :
-          ذاك الحنين 2002.
-          تماسخت 2002.
§   سنة 1979 هو تاريخ صدور أوّل مؤلّفاتك : "القرار" وهي مجموعة قصصية هذا زمن النشر فمتى بدأ زمن الكتابة ؟ متى أصابتك لعنة الحبر ؟
- أن تستطيع تحديد بدء لزمن الكتابة عندك يعني أنك تذكر لحظة ولادتك. أقدر أنه لا أحد من الكتاب يعرف بالضبط متى بدأت الكتابة عنده كهاجس؛ لأنها أشبه بشيء حيوي أو كيميائي يحدث ثم ينمو فيتطور إلى أن يأخذ شكلا محددا على ورقة غالبا ما يترسم، في إرهاصاته، كتعابير إنشائية مدرسية وتراسلية وخواطر تصدر عن عنفوان المراهقة التي تعد عند كثير من الكتاب فترة الشرارة التي تشعل فتيل الكتابة لاحقا. لعلني كنت من هؤلاء. لكن أولى قصة قصيرة، بهذا المعنى، أنجزتها كانت في عام 1973.
nهل كانت الكتابة "قرارا" أم قدرًا ؟
- لو كنت طرحت علي هذا السؤال قبل ثلاثين عاما (وأنت لم تكن قد ولدت بعد !) لأجبتك بحماس الجيل السبعيني أن الكتابة قرار! ثم رحت أفذلك : لأنها مسؤولية ولأنها التزام ولأنها نضال…مرغيا بلغة السياسي لائكا ما رسّبته أدبيات الواقعية الاشتراكية في قناعتي عن الكتابة.
فكذلك كانت حالي فعلا. وكذلك عنونت قصتي القصيرة "القرار" التي فزت بها بالجائزة الأولى لمهرجان القصة والشعر الذي كانت تنظمه وزارة التعليم العالي، وكنت وقتها طالبا(1977)، وهي الجائزة التي فاز بها قبلي الصديق القاص الفذ المرحوم عمار بلحسن. لكنك ترى أنه مع المسافة الزمنية يحق لي الآن أن أدعي أن الكتابة شيء آخر: مزيج من الصدفة ومن القدر، كما تقول، ومن العناية ومن هذا الشيء الذي لا ندري من أين حل فينا ! إني أزداد يقينا، منذ أن عبرت إلى الصحراء، حيث أبدل إقامتي لأكتب، أن العناية تصطفي من الخلق من يكون أهلا للكتابة كما تصطفي من يكونون أهلا لمقتضيات الحياة الأخرى.
nفي روايتك الأولى "زمن النمرود" كان الخطاب الأيديولوجي صارخا ثم تخلّيت عنه في نصوصك الأخرى، هل تخليك عن ذلك الخطاب يعني أنّك تخلّيت عن يساريّتك ؟
- زمن النمرود" كانت نكبتي ومحنتي وفتحي! إن يبدُ لك هذا تناقضا فإنه عندي التناغم التام في حياتي المشبعة بتجارب إنسان جزائري تخضرم بين حرب التحرير المدمرة (وأنا طفل) وبين بداية الاستقلال المشقية وبينهما وبين الحلم الذي حمله جيلي في بداية السبعينيات في قلبه وراح يجسده بالفعل والقول في مصانع المدن وفي مزارع الأرياف وفي المدارس والثانويات والجامعات ثم وقع الانهيار فكان إحباطي على درجة من الألم.
نكبتي ؛ لأنها رواية كتبتها بالعربية الفصحى أصلا ثم أنزلتها إلى مستوى دارج التركيب والبنية والقاموس أحيانا؛ اعتقادا مني أنه الأسلوب الذي أقرب به "أدبي" من "الجماهير" لأسهم في "ثورتها" بحرفي. فحصل أن "الجماهير" نفسها أفزعها عري النص إذ تفرجت على عورتها فيه لأنه كتب بلغتها النيئة المباشرة الصادمة فثارت عليّ عبر "ممثليها" الذين أصدروا أمرا بسحب النسخ من مكتبات المدينة ثم رفعوا تقريرا إلى وزارة الثقافة فأمرت بمصادرة الرواية وطحن نسخها. يجب أن أذكر لك أن ممثلين عن تلك "الجماهير" وأبنائهم ومن ذوي النفوذ في مدينتي، مدفوعين بمن مسهم النص من النافذين في جهاز الحزب آنذاك، هم الذين حاصروا بيتي في 05. 08. 1985 للانتقام من جرأتي! لعلها العناية أني نجوت تلك الليلة ! وقد قال "الرفاق" الذين "تبرأوا": كان عليه ألا يكتب كذلك! وتلك كانت محنتي ولكن في الوقت نفسه فتحي؛ لأني أدركت، بفعل الصعقة، أن الكتابة لن تكون يوما لما يسمى "جماهير"، ولن يحركها الهاجس الأيديولوجي لأنه من المتغيرات.
من ثمة كان بدء كفري بما هو "جماهيري" وكان انشراح قلبي على إيمان أن الكتابة فعل فردي ذاتي للذات أولا من الذات نحو الموضوع من الداخل إلى الخارج من الجواني إلى البراني تنشئ نصها بلغة تعلو البسيط، تفوق المتداول، تتسق في كبرياء مع الشعري، تتداخل مع النبوئي والكهنوتي والصوفي، وتبنيه وتؤثثه في قطيعة مع سائد السردي النمطي المطمئن المهدهد الراسم أفقه منذ البدء. ها أنت ترى أني تخليت، فعلا، عن يسارية العرَض: الالتزام السياسي! لأدخل في يسارية الجوهر: الكتابة! أعتبر نفسي، في الجزائر، على يسار مدونة الكتابة؛ لذا أزعم أني حققت شيئا مهما في سيرورة تجربتي: أني شكلت لكتابتي موقعها ورسمت لها منحناها المختلفين. ولأكنْ بعد هذا هامشيا!
nتعرّضت بعد صدور روايتك الأولى : "زمن النمرود" إلى مضايقات عديدة، ما هي حقيقة تلك المضايقات التي قرأنا عنها ؟ هل كان لها يد في هذا التحوّل الذي نراه في شكل الكتابة عندك ؟
- لا أحب أن أجعل مما حدث لي، من متاعب ومضايقات، كما تقول، واستفزازات وصلت حد التهديد بالقتل بسبب جرأة "زمن النرود" على خرق الصمت عن المحظور سياسيا خاصة وأخلاقيا ولغويا، مطية ابتزاز أقيم بها مجدا؛ لابسا لذلك قناع الضحية لأحصل على شهادة عضوية الكاتب المقموع. إن الذي حصل عندي، بعد تلك المحنة، هو أني تعلمت أن أصرّف في داخلي خوفي من الموت ومن الحقيقة ومن الفشل والغدر، وأني أدركت قيمة أن أصمت كي أبصر نفسي على صفحة ماء واقعيّ وأعيد قراءة وجودي كإنسان مفرد متميز خارج ضغط الجماعة.
أعترف لك أني أعدت صياغة علاقتي مع الأشخاص ومع المكان ومع الله ومع التاريخ، وصرت أتعامل مع الزمن بالوقع الذي يحدثه في كياني الفيزيقي والروحي؛ لعل هذا وعوامل أخرى ما وضعني على منصة رأيت من علوّها نفسي هناك في الأسفل بين بدعة "الجماهير" وأكذوبة "الأدب الملتزم"! إنها العناية، مرة أخرى، أن أقدر على الخلاص من ذلك الأسفل وأتحرر، نهائيا، من أسر الانتماء.
رواية "الخيانة" التي كتبتها(1988) بعد "زمن النمرود" ـ والتي تم التحفظ على نشرها بسبب "خطورة موضوعها الذي يمس بالثوابت(!)" وبسبب لغتها "العربية جدا" وبنائها "غير المعهود" تعد العلامة الأولى في شكل الكتابة الجديد عندي، كما تعد النص الذي راهنت به، مع ذاتي، على ألا أكتب، لاحقا، إلا ما يسمو على ما هو "جماهيري" وعادي وسهل. أبوح لك أني يوم أنهيت كتابة "الخيانة" استوعبت ضرورة أن يكون لك عقد شرف مع الكتابة، وحدها، لا غير! لم أمس "الخيانة"، إلى الآن، بأي تغيير أو تحوير ليتم قبولها. فأنا لا أروم التندم على شيء صدر عن قناعة مني ولا أرتضي لكتابتي أن تتوب عن "معصياتها"! وأبقى واثقا من أن "الخيانة" ستعرف يوما حريتها.
ثم كتبت نص "ذاك الحنين" لأؤكد به خياري في الكتابة. منه بدأ التحول الذي تتحدث عنه في شكل الكتابة عندي؛ لأنه نص متفرد في شكله السردي الجديد وفي لغته القائمة على النظم وفي تيمته الجديدة هي الأخرى والتي تناولت لأول مرة، بالسبق، فكرة الفناء والزوال والموت."ذاك الحنين" اعتبره المختصون في السرديات والسيميائيات طفرة في الكتابة الروائية في الجزائر ونقلة نوعية في متنها الروائي. أحيلك، في هذا المقام، على أربع دراسات مهمة حظي بها النص من أساتذة جامعيين محكّمين: آمنة بلعلى، محمد تحريشي، السعيد بوطاجين والطيب دبة. فجميع كتاباتي التي ستلحق ستكون تكريسا لذلك التحول وفق خياري بعد تجربة "زمن النمرود" المؤلمة.
n في زمن سقطت فيه الرواية الجزائريّة في فخ الأيديولوجيا بتعلّة نقل الواقع، فأصبح القارئ يقرأ نصّا واحدا محشوّا بالجرائم والجثث وعمليات الذبح والتمثيل، حتى تحوّلت الرواية الجزائرية أشبه ما تكون بجريدة الجرائم التي تقوم بها الجماعة المسلّحة وقضايا فساد الدولة. في هذا المشهد المتجانس يُفشل قلمك أفق انتظارنا بنصوص روائية تحاول أن لا تكون إحدى هذه النسخ، هل خنت أنت الواقع أم الرواية الجزائرية هي التي خانت نفسها ؟
- أختلف معك قليلا حول الحكم الذي تصدره بشأن الرواية الجزائرية التي كتبت في خضمّ المحنة؛ فإنها لم تسقط في ما اعتبرته أنت "فخ الإيديولوجيا" لأن هذا الطرح ينطبق على الرواية الجزائرية السبعينية خاصة، بل وقعت في مطبات ما أسمي "الأدب الاستعجالي" والذي تعبر عنه أنت ضمن سؤالك، بكثير من الصواب: "أشبه ما يكون بجريدة الجرائم".
كثير من الكتاب كتب تحت وطأة المحنة، هذا صحيح! ولكن يكفيك أن تعيش يوما واحدا من أيام أعوام 1993- 1997 في أي مكان في الجزائر لتدرك معنى أن تكون حياتك معدودة بالثواني لأنك معرض للموت الرخيص في كل ثانية ! قلت لك في إجابة سابقة إنني عرفت الخوف؛ لعل ذلك ما جعلني مرة أخرى أقدر على تسيير رعبي فلا أفقد قياد وعيي الذي بفضله استطعت أن أمنح نفسي كثيرا من الصبر على استيعاب جزء من صورة مشهد المحنة لأكتب من على مسافة سانحة بألا أخطئ التقدير كثيرا: أي أنني نجوت، مرة أخرى لعنايةٍ ما، من أن أكون "استعجاليا" فأقع في التجانس والتماثل فأتراجع عن خياري. فقد غبطني كثير من الزملاء الكتاب على رواية "تماسخت" التي كتبتها في المحنة عن المحنة وبلغة المحنة ومعمار المحنة من غير أن أكون مثلهم! ربما كانوا هم أمناء مع الواقع فلملمهم في جاهزيته وغواهم بلغته. ولكني، من جهتي، كنت بالتأكيد أكتب "تماسخت" لا لأسجل شهادة، كما سارع إلى ذلك كثير من الكتاب؛ فإن هذا من عمل الصحافي والمؤرخ وغيرهما، ولكن لأنشئ نصا أدبيا عن المحنة. وهنا الفرق الجوهري بيني وبينهم! فكتبت واقعي أنا؛ أي رؤيتي، لا كما يبغيه الواقع، ولكن ما يتطلبه شرف الكتابة. فإن "تماسخت" استهلكت مني جهد ثلاث سنين من الكتابة، و"ذاك الحنين" سنتين من قبل، كما سيستهلك مني نص "تلك المحبة" أربع سنين. أكتب وأنا مسكون بكوني قارئا، وأنا لا أكتب لقارئ مفترض أو افتراضي؛ فإنه ليس بعدي قارئ! ألذلك يبدو لك أني أخيّب بكتابتي أفق انتظارك؛ لأني أهدم فيك عوائد قراءتك الهادئة الخطية النمطية والمهادنة ؟ بعض أولئك الذين تلمح إليهم في سؤالك متسرع على مراكمة نصوص ليثبت وجوده كميا، وبعضهم متعجل على كسب شهرة… لكن قليلا من الكتاب الجزائريين من يكتب لمجد الكتابة. أجل! كم أكون مطمئنا حين ألمس في نصوصي مخمل خيانة الواقع! فما أتعس أن يكون نصك أقل حبكة من تحقيق صحافي !
nأنت مُقلّ ولكنّك مُتْعبٌ، بمعنى أنّك تكتب روايتك في سنوات وكأنّي بك تتعمّد باختيارك للغة عربية متينة وتراكيب مركّبة، أن تجعل قارئ الرواية يقضي فيها ما قضّيته في كتابتها ؟‍
- في سؤالك بعض من الطرافة والتظرف. ولكن دعني أقول إن القارئ الذي تتوهمه يعيش غربة لغوية في محيط لغته الذي يكاد يصير "أعجميا"؛ بفعل هذا الانزياح الذي دخلت مساره اللغة العربية بسبب الترجمة والتثاقف وفيض الصورة وإلكترونية التراسل وضرورات اختزال لغة الاتصال نفسها إلى أدنى مستويات اقتصادها. قارئ هذا ملمحه لن يستطيع فك لغة كتابتي بلْه أن يتذوقها ! وحين يتعلق الأمر بالجزائر، فإني لا أزايد إذ أقول لك: العربية في الجزائر تعيش مسخا لا سابق له في منظور أن يتم التخلي عنها نهائيا! وهي حالة مؤسفة لا يتحسسها إخوتنا في المشرق العربي.
ودعني أكشف لك أن قارئي المفترض في الجزائر هو من تدرج في أطوار التعليم كلها - من الابتدائي إلى الجامعي - دون أن يقرأ رواية واحدة أو مجموعة قصصية أو شعرية أو مسرحية (إني استثني هنا بعض الأساتذة الجامعيين القارئين الممتازين الذين يلزمون - بمبادرة شخصية وفردية منهم - طلبتهم على قراءة نصوص أدبية جزائرية معاصرة ما دامت المدرسة الجزائرية والجامعة الجزائرية تلغيان، وبفزع كبير، ما هو أدب جزائري معاصر من منهاجي التدريس والتدرج!). بل دعني أوغل لأؤكد لك أن قليلا من الأساتذة الجامعيين المتخصصين في الرواية أو في الأدب المعاصر يقرأ! وإن تعلق الأمر بالكتاب أنفسهم فإني أعرف من المكرسين منهم من لم يقرأ في حياته نصا واحدا لغيره من الكتاب الجزائريين ! وها أنت تقول لي إني متعِب في كتابتي! كلا! (وما ذا تقول عن رواية "السد" التونسية؟) فأنا متعَب بهذا الهم الذي يجعل الإنسان الجزائري خاصة أكسل مخلوق على وجه الأرض وأبعد ما يكون عن القراءة، وأنا مرهق بقتامة هذه الضحالة التي تدنى إليها مستوى التحصيل ! ثم، ألا ترى مثلي أن الإنسان العربي، عامة، آيل إلى زوال لأن مؤسساته الرسمية لا تحارب شيئا أكثر مما تحارب القراءة التي تعني المقاومة من أجل البقاء في عالم يُعوْلمه الأقوياء لاستعباد الضعفاء الذين لن يصبح في أيديهم سوى سلاح خصوصيتهم التي يحافظون عليها بالكتابة وبالقراءة وحدهما ؟
أنا مقل فعلا ؛ لأني، كما ذكرت لك، أكتب من على مسافة. إن كان هناك شيء ثمين علمتني الصحراء إياه فهو الصبر! ولعلني، منه، أدركت أن الكتابة نفحة من عالم النبوة؛ فهي من خفايا القوة الغيبية التي يتمتع بها صفوة من البشر، وتحريك تلك القوة لتصير عامل إنشاء لا يتم بضغط على زر؛ إذ ليس للكتابة بهذا المعنى أزرار. والكتابة ليست نزوة. إنها فعل مشقٍ ومفنٍ !
أبادلك الطرافة والتظرف لأقول لك: تصور أن نصي يحقق خلوده؛ فكم وقتا يقضيه القارئ المتعدد المستمر في قراءته، برغم أني كتبته في خلال عامين أو أربعة أعوام على الأكثر ثم رحلت ؟
nيقول القاص والباحث الدكتور سعيد بوطاجين : "القاموس اللغوي للورائي الحبيب السائح يمثّل حدثا ألسنيا في حدّ ذاته ". هل يمكن للرواية أن تسقط الحدث الحكائي من نسيجها لترفع الحدث اللساني/اللغوي بديلا عنه ؟‍!
 -الدكتور السعيد بوطاجين مثله نادر جدا في الجامعة الجزائرية؛ فهو يقرأ بقلب الكاتب ويدرس بعين الباحث! لعله الوحيد، وبقدر قريب منه الدكتور محمد تحريشي، من وقف على ظاهرة اللغة في نصوصي الروائية؛ كونها الحدث وكونها البطل أيضا في "ذاك الحنين" خاصة.
ككاتب، لم أكن تقصدت شيئا من ذلك وأنا أنشئ النص. إنما الذي كان هاجسي لحظة الكتابة أن أولف بين عدة لغات (وقل مستويات لغوية): لغة الشعر والنثر القديمين ولغة القرآن والحديث والسيرة ولغة العهدين القديم والجديد ولغة أيام العرب ولغة ألف ليلة وليلة والجاحظ والمسعودي وابن عربي… ولغة أمي ولغة الصحافة ولغة المرافعات القضائية..؛ بصفتها حماما من الأصوات ومشاهد لفضاءات وأمكنة وصورا لأزمنة تتداخل معتملة في إحساسي ومتحركة في ذاكرتي، وأنضدها في لغة واحدة هي لغة الكتابة السردية متحدة

المزيد


مع المستعرب البروفيسور الناقد و المترجم روجر آلن

سبتمبر 2nd, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

 

 

  
 لا يمكن حصر العلاقة بالآخر في التاريخ الإستعماري الذي ولّى   و لا في   فكر الاستشراق الذي انكشفت ألاعيبه و نواياه , فبين الشرق و الغرب علاقات أخر أكثر حوارية , و لأننا في حاجة إلى مرآة الآخر أحيانا لمعرفة أنفسنا ,فمرآتنا حولاء و أحيانا تنقلب عمياء . نفتح الباب للحوار مع هذا الآخر و خاصة من هو مهتمّ بنا و بأدبنا و ثقافتنا . روجر ألن واحد من هؤلاء الغربيين الذين يحلو لهم تسمية أنفسهم بالمستعربين , تعود بداية علاقته بالعرب إلى تاريخ اهتمامه بالأدب العربي من خلال أطروحته الشهيرة حول أدب المويلحي و التي بدأها سنة 1961 
 
§   روجر آلان أستاذ الأدب العربي الوحيد بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة
§   ولد في إنجلترا 1942، وتلقى تعليمه في جامعة أوكسفورد.
حصل على درجة الدكتوراة في 1968 عن أدب "محمد المويلحي"
§   منذ هجرته إلى الولايات المتحدة في 1968 تخصص آلان في الأدب العربي، ونشر ما يقرب من 30 بحثا ومقالا عن الأدب العربي
§   صدر له العديد من الكتب النقدية المهتمة بالأدب العربي ترجم بعضها إلى العربية مثل " الرواية العربية مقدمة تاريخية و نقدية " ترجمة حصة ابراهيم منيف و " مقدمة للأدب العربي " ترجمة رمضان بسطويسي و مجدي احمد توفيق و فاطمة قنديل .
§   قام بترجمة العديد من الأعمال الأدبية العربية، ومنها "المرايا" للروائي المصري نجيب محفوظ 1977، "السفينة" لعدنان حيدر، "النهايات" لعبد الرحمن منيف (1988)، وعدد من القصص القصيرة ليوسف إدريس ونجيب محفوظ، "دنيا زادة" لمي التلمساني 1990، "العلامة"، "مجنون الحكم" لـ بن سالم حميش 2003.. 
§   يعمل في مشروع ترجمة العربية الذي تديره الشاعرة الفلسطينية سلمى الجيوسي في الولايات المتحدة Administrative Board of The Projectfor the Translation of Arabic (PROTA)، فضلا عن عمله كأستاذ للأدب العربي في قسم الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية بجامعة بنسلفانيا ومراسل لجائزة نوبل. 
 
 
حاولنا في هذا الحوار الخاطف معه أن نرصد بعضا من نظرته إلى الأدب العربي بعد هذه المعاشرة الطويلة له نقدا و ترجمة و تدريسا . كما حاولنا أن ننتزع منه اجابة عن علل اختياره لنصوص عربية   دون غيرها لترجمتها و ترشيحها إلى جائزة نوبل للآداب و التي قال أن على العرب أن ينتظروا 20 سنة أخرى لكي ينتظروا أن تعود إليهم الجائزة , كما أكّد أن لا سبيل أمام الأدب العربي للطمع في نوبل سوى الترجمة و لا غير الترجمة و على رأس اللغات التي يتوجّب على الأدب العربي الحالم بنوبل أن يترجم إليها هي السويدية. فيقول :"   - ليس هناك أي فائدة في تقديم اسم كاتب عربي للجنة جائزة نوبل بدون توفر عدة أمثلة للنصوص إما المكتوبة في اللغات الغربية أو المترجمة إليها"
و في حوار سابق سألته فيه هبة ربيع عن الأسباب التي تدفعه إلى ترجمة نص عربي دون غيره ,أجاب "حاولت مؤخرا ألا أختار النصوص العربية التي تأخذ طابع التراث الروائي الأوربي، وأبحث عن المختلف والغريب والصعب في الترجمة لأقدم تحديا للقارئ الغربي يجعله يواجه عناصر الاختلاف في الثقافة العربية، وألا أؤكد موقفه المسبق من الثقافة العالمية. وفي روايات الثلاثية أخذ نجيب محفوظ منحى كثير من الروائيين السابقين من حيث الحبكة الفنية ورسم الشخوص وسير الأحداث من مقدمة وعقدة وحل، لكنني بعد 30 سنة من ترجمتي لمحفوظ أرى أن أهم أعماله يتمثل في روايات من نوع "رحلة ابن فطوطة" و"ليالي ألف ليلة"، وهي مؤلفات مختلفة تماما عن توقعات القارئ الغربي؛ لأنه يمكن لأي مؤلف عربي كتابة رواية على النهج الأوربي التقليدي متقيدا بالحبكة والشخوص وتطور الأحداث." فماذا تراه يقول في هذا الحوار ؟
عمّان الثقافية تفتح بهذه السلسلة الجديدة من اللقاءات   الحوار مع الثقافات الأخرى الأوروبية و الافريقية و الأمريكية بحثا عن صورة الأدب العربي هناك. 
          
- متى بدأ اهتمامك بالأدب العربي؟ و لماذا الأدب العربي بالذات؟  
 
- بدأت دراساتي للغة العربية في جامعة أكسفورد في سنة 1961 بعد تغييري لموضوع التخصص من الحضارات الكلاسيكية (اليونانية القديمة والرومانية) إلى الدراسات العربية. وبعد وصول الأستاذ محمد مصطفى بدوي إلى الجامعة في سنة 1963 , وهو أول أستاذ عربي عُين في قسم الدراسات العربية وأول متخصص بالأدب العربي الحديث , تخصصت بالأدب العربي والأدب الحديث بوجه الخصوص وفي سنة 1968 حصلت على شهادة الدكتوراه الأولى في الأدب العربي الحديث من جامعة أكسفورد (تحت إشراف الدكتور بدوي) وكان موضوع التركز في الرسالة "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي (والذي أعددت مؤخرا (2002) مؤلفاته الكاملة للنشر في القاهرة).
  
 
- أين تضع تجربتك في خانة المستشرقين أم المستعربين ؟أم أن اهتمامك بالأدب العربي لا يعني دخول إحدى الخانتين ؟
 
من المعلوم أن الأدب له علاقات قريبة جدا بالمجتمع الذي أُبدع فيه. وأكثر ظني أن هذا العنصرالمهم في أي عملية تقييم دور الأدب ودراسته لا تزال له أهمية كبيرة في بعض الحضارات العالمية لا توجد في حضارات أخرى (أو بالأحرى , إلى تفس الحد). وإذا عشنا الآن فترة ما بعد الاستعمار , فأكثر ظني في نفس الوقت أننا تجاوزنا فترة الاستشراق إلى ما أسميه بفترة الأستعراب. فأكثر المختصين الغربيين في الدراسات العربية والأسلامية الذين يدرّسون ويقومون بمشاريع بحثية في هذا الميدان الآن يفضلون الاشتراك مع زملائهم العرب في نشاطاتهم—المبدعين منهم في مجال الأدب وأنواعه والنقاد , وهذا بعد ازدياد مرموق في مهارات هؤلاء المختصين الغربيين اللغوية يسمح لهم بالإقامة في البلدان العربية وتأسيس علاقات زمالة وصداقة بالزملاء العرب. وفي ميدان الأدب خاصة , يهتم أكثر المختصين الغربيين الأن بالأبعاد الأدبية والجمالية والنقدية والنظرية للموضوع وليس بالميادين الاجتماعية والسياسية إلى نفس الحد (وهذا انعكاس مباشر للاتجاهات الموجودة في أكثر البرامج الأكاديمية للأدب , والأدب المقارن بوجه الخصوص , في الجامعات والكليات والمعاهد الغربية). فيبحث المستعرب المعاصر عن طرق التعاون والمشاركة ولم تعجبه , ومنذ عدة عقود , دراسة العالم العربي ومنتوجاته الأدبية خاصة من بعيد وبدون طرق التعاون مع الكتاب العرب (وإن كان من الممكن الإشارة إلى أن كثير من المعلقين العرب على ظاهرة "الاستشراق" يكتبون عنه وكأنهم لم يقرؤوا كثيرا من المصادر التي نشره أعضاء الجيل الجديد من المختصين الغربيين منذ عدة عقود (ومن الإنصاف أن أشير هنا إلى الحالة المؤسفة جدا في عدم توفر هذا النوع من الدراسات في كثير من البلدان العربية وكذلك في توزيع الكتب العربية منها والغربية داخل العالم العربي ذاته.
وإضاقة إلى ذلك من الواجب عليّ من خلال هذا السؤال فيما يخص الاستشراق أن أشير إلى أن الحكومات الغربية قد أهملوا ولا تزال تهمل آراء المختصين في الميادين المختلفة للدراسات الشرق-أوسطية ويعتمدوا في وضع سياساتهم على آراء خطيرة طوّرها كتلة صغيرة من ال"مختصين" الذين لا يعكس موقفهم تجاه العرب والعالم العربي آراء أكثر المختصين الذين أشرتُ أعلاه إلى رغبتهم في تطوير طرق التعاون مع سكان المنطقة وليس المواجهة.                    
 
- هل تعتقد أن كل المستشرقين قدموا خدمات للثقافة العربية أم انهم في كثير من الحالات عملوا على نقلها مشوّهة ؟إما لأنهم لم يفهموها أو لأن وراء كتاباتهم خلفيات ايديولوجية؟
 
المشكلة المركزية هنا في المصطلحات المستعملة. فلا يزال كثير من الكتاب العرب يستعملون كلمة "مستشرق" وكأنها إشارة إلى أي دارس في أي بلاد غربية يهتم بالشرق الأوسط فسأقول أنا , وبوضوح كامل إن شاء الله , إني لست مستشرقا بل مستعربا وهذا لأني (وكما أشرت إليه أعلاه) لست عضوا من جيل المستشرقين , وهو—في رأيي على الأقل—جيل قد مضى وقته وتأثيره. وهنا يمكن طرح سؤال مهم جدا (وأنا هنا آخذ بالاعتبار آراء منظرين من أهم الكتاب الفرنسيين في هذا المجال): هل من الممكن أن يكتب أي كاتب كتابا سياسيا أو اجتماعيا أو نقديا بدون اللجوء إلى ما يمكن لسميته بالإيديولوجية؟ وفي هذا المجال من الممكن أن اقترح أن سوء الفهم والتفاهم كان ولا يزال من أكثر سمات الدراسات المقارنة للحضارات العالمية ولأسباب معروفة (وكما نقول باللغة الفرنسية: يحيى الاختلاف!). ومن المعلوم والمعترف به أن بعض المختصين بالدراسات الأسلامية والشرق-أوسطية , وبوجه الخصوص من الأجيال السابقة , أدمجوا في مكتوباتهم إشارات واضحة جدا إلى مواقفهم الحضارية وحتى الدينية ولكن لا اعتقد في نفس الوقت أن هؤلاء ال"مستشرقون" يختلفون اختلافا مرموقا عن أي مجموعة باحثين آخرين قاموا ويقومون بعملية دراسة حضارات وثقافات عالمية أخرى. وإن لم أوافق أنا بأكثر ما عبرعنه كثيرٌ من المستشرقين من الآراء , فأفضل أنا التركز على إيجابيات الوضع (والتي ذكرت بعضها في إجابتي للسؤال السابق).
               
 
- كيف تقدمون الأدب العربي في الجامعات الأمريكية و الغربية بصفة عامة هل تركّزون اهتمامكم على جمالياته أم على محمولاته؟
 
 
بدأت عملية الإجابة على هذا السؤال أعلاه. وفي الجامعات الغربية ندرّس الأدب في صيغة الدراسات النقدية والنظرية ونهتم أكثر الوقت بالأبعاد الجمالية للأدب. ومن الواجب علينا في البداية الأعتماد على نصوص مترجمة لأن اللغة العربية تتطلب فترة زمنية طويلة جدا لإتقان المهارات اللازمة لقراءة النصوص الأدبية المعقدة أسلوبا وشكلا. وفي واقع الأمر ولسؤء الحظ تتوفر صفوف (مواد) في الأدب العربي في مجموعة صغيرة جدا من الجامعات والكليات ويتخصص به عدد صغير من الطلاب.      
 
- اهتممت في البداية بالمويلحي .هل ترى في روايته "حدث عيسى بن هشام" النص المؤسس للرواية العربية . و هل يمكن أن نقول إن الرواية باستفادتها من فن المقامة تقف دليلا على تجذّر الفن الروائي في الادب
 العربي و ان رواية زينب لم تكن الانطلاقة الفعلية له؟
 
"حديث عيسى بن هشام" هو جسر يتصل عبره التراث السردي العربي بالأنواع السردية الغربية في فترة تطوير أنواع جديدة مستوردة مثل الرواية. ولا اعتقد أنه من الممكن ولا المفيد أن نتكلم عن "رواية أولى" لأن تطور الأنواع الأدبية يتطلب عدة عناصر مشتقّة من أكثر من جهة واحدة حتى تصل إلى مرحلة من الممكن فيها القول إن نوعا جديدا قد وصل في الميدان الأدبي (ومثلُ المقامة في التراث السردي يشير إلى ذلك بوضوح لأن الهمذاني جمع عناصرالتراث السردي من سوابقه—السيرة والخبر وأسلوب السجع—في شكل جديد). أما الرواية فمن البسيط الإشارة إلى أمثلة عديدة (للمراش ولسعيد البستاني وليعقوب صروف ولجرجي زيدان مثلا) كتبت ونشرت قبل نشر سلسلة "قترة من الزمن" (والتي أصبحت فيما بعد "حديث عيسى بن هشام" في 1907). فمن الواجب علينا الآن إعادة كتابة تاريخ النهضة , آخذين بالاعتبار جانبين: الأول علاقة النصوص المنشورة في القرن التاسع عشر بالتراث ("الساق على الساق" للشدياق مثلا و"حديث عيسى بن هشام") , والثاني أن تطور الأنواع الأدبية عامة والسردية منها خاصة عملية معقدة ومطولة وأن لكل نوع عدة وجوه (في الرواية مثلا , الرواية التاريخية والرومانسية وال"واقعية"). وفي مثل هذا السياق تصبح رواية "زينب" لهيكل مرحلة من المراحل العديدة في تطور نوع الرواية لها سوابق عديدة في أكثر النواحي المتعلقة بتطوير النوع. 
 
- بعد متابعتك الطويلة لروايات محفوظ هل الكم الهائل من الروايات التي أنجزها تعكس تطوّرا فنيا في المقابل ؟أم انه ركض وراء التراكم فقل التجريب و الخلق ؟
 
 
 
 
 
 
 
من الواضح جدا أن محفوظ قد اهتم بالأبعاد الفنية لكتابة السرد منذ البداية , في قراءاته للمصادر النظرية للموضوع وفي عملية تطويره الطويلة للنواحي المتنوعة للفن الروائي. وبكتابة روايات الأربعينات وبتتويجها بالثلاثية المشهورة (والتي أشارت إليها بوضوح لجنة نوبل في 1988) أكمل محفوظ المرحلة التطويرية للرواية و"دجّنها" داخل المجتمع العربي ووفر لمعاصريه وأخلافه قاعدة كان من الممكن بها أن يجرب هو ويجربوا هم في عدة اتجاحات جديدة للرواية العربية كنوع أدبي يأخذ بالاعتبار كل المسائل المتعلقة بتطوير مجتمع عربي جديد في العصر ما بعد الاستعمار وبتطوير هوية عربية تلاقي أسسها ليس في الأوضاع الراهنة فقط بل في إعادة النظر في الماضي والتراث (وهذا بعد النكسة بوجه الخصوص). والمهم أن نشير إلى أن الثلاثية هي مرحلة وسطى فقط في تطوير محفوظ لفنه الروائي وأنه اشترك مع معاصريه الروائيين في إبداع روايات متنوعة في كل النواحي , أسلوب السرد (والحوار خاصة) والمواضيع (المجتمع المصري طبعا ودور الدين في مجتمع معاصر والفرعونية والتصوف). 
ومن غير ممكن بطبيعة الحال أن نذكر أي مؤلف على المستوى العالمي وأن نقول إن مؤلفاته كلها لها نفس القيمة ولكن من اللازم في نفس الوقت أن نعترف بأن عملية التقييم يعتمد على مقاييس معينة معروفة وأن تلك المقاييس هي كذلك تتغير حسب أذواق العصر والمنطقة.            
 
- اهتممت بكتابات إسماعيل فهد إسماعيل. هل استطاع هذا الكاتب أم يخرج من جلباب محفوظ ؟ و هل قدّم رؤية خاصة للمجتمع الخليجي الذي يعيش فيه ؟
 
- كتبت فصلا في كتابي عن الرواية (بالإنكليزي 1982) عن رباعية إسماعيل فهد أسماعيل ولكن لم أهتم بمؤلفاته منذ ذلك الوقت. ولسوء الحظ إنه من غير الممكن لأي متخصص غربي أن يدرس مؤلفات كل الكتاب من المناطق العربية المختلفة.
 
- لماذا تركت المشهد الروائي المشرقي لتتجه نحو نظيره المغربي ؟هل أدركت أن المغرب العربي أصبح يقدّم روايات راقية بدأت تحوّل وجهة المركز نحو المحيط؟
 
لقد قررت قبل ثماني سنوات تقريبا أن أقوم بدراسة الأدب المغربي وذلك بعد أن اشتكى إليّ بعض الزملاء المغاربة الذين يدرّسون في الجامعات الغربية من عدم اهتمام المختصين الإنكليز بمنتوجات المغرب الأدبية. وبعد أن قضيت سنة بحث في كلا من تونس والرباط وقابلت كثيرا من المبدعين والنقاد كان من الواضح جدا أن الأدب المغربي عامة يتطلب أهتمام الباحثين الذين يكتبون بالإنكليزية (وإن دامت سيطرة الدراسات الفرنسية والإسبانية للموضوع فترة طويلة ولأسباب متنوعة لها علاقة مباشرة بالقرابة الجيوغرافية وتأثير الاستعمار). ولكن , والحق يقال إن عدد المختصين بالأدب العربي عامة قليل جدا وعدد المهتمين بالأدب المغربي منهم أقل.
 
-في الوقت الذي التفت فيه الغربيون إلى اعمال محمد شكري و محمد زفزاف ….لأسباب نعرفها اتجهت أنت نحو تجربة روائية معقّدة هي تجربة سالم حميش.كيف أقدمت على ترجمة روايات هذا المفكر ؟
 
 
 
 
 
 
قررت أن أترجم رواية عربية إلى الإنكليزية في الفترة التي يمكن تسميتها بفترة ما بعض نوبل محفوظ , فبحثتُ عن مؤلفات في الصيغة الروائية لا تتبع المدارس والأمثلة الغربية االمعروفة لهذا النوع السردي بل بحثتُ عن روايات تُؤكد العناصر الإبداعية القطرية والمحلية فيما يخص الموضوع والشكل والأسلوب. أردت بذلك أن أدمج في وعي القارئ الغربي (والقارئ للنصوص المترجمة إلى اللغة الإنكليزية بوجه الخصوص) فكرة الاختلاف حضاريا ونصيا. هناك اليوم عدة كتاب عرب يهتمون بمثل هذه المبادئ في كتابة روايتاهم—إبراهيم الكوني مثلا—حميش من أهم الروائيين الذين قاموا بإحياء أمثلة الأساليب التاريخية السابقة وتطبيقها في بعض رواياته. وإضافة إلى ذلك أنا لا أترجم الآن مؤلفات أي كاتب لم أقابله وأن

المزيد


مع الروائية مسعــودة بوبكر

سبتمبر 2nd, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

 
حاورها : كمال الرياحي
kamelriahi2@yahoo.fr
 تمثّل مسعودة أبو بكر واحدة من أهم الأديبات التونسيات حيث استطاعت أن تستمرّفي الكتابة متنقّلة بين القصة القصيرة والرواية والشعر ,ولم يجهز على موهبتها اشتغالها في الحقل الصحفي بل علىالعكس تماما صقلت الكتابة الصحفية المتواترة لغتها وعمّقت ثقافتها وأغنت عوالمها لتتحفنا بمجموعة من المؤلفات منها:
 
- طعم الأناناس ـ قصص منشورات الأطلسيّة 1994.
- ليلة الغياب . رواية ـ دار سحر للنشر 1997 (متحصلة على جائزة بلدية قابس للإبداع الأدبي مناصفة مع رواية حوش خريف للباردي )
- طرشقانه ـ رواية ـ دار سحر للنشر 1999.
- عقد المرجان ـ نصوص ـ 2000.
- لؤلؤ لجيد الكلام ، مجموعة شعرية ، دار الإتحاف ـ 2000.
-        شهامة نميل ـ قصص للأطفال ـ دار الإتحاف ـ 2001.
-وداعا حمورابي ,رواية,سيراس للنشر 2003 (جائزة كومار للرواية)
_وليمة خاصّة جدّا ,مجموعة قصصية,دار سحر,2004
هذا حوار معها يرصد بعضا من عوالمها المتشعّبة .
 
 
  nتأتي مسعودة أبو بكر إلى الرّواية مثل الكثير من عوالم القصة القصيرة بعد أن أصدرت سنة 1994 مجموعتها القصصيّة طعم الأناناس" . هل القصّة القصيرة عتبـة ضروريـة لكتابـة الرّواية؟ وهل يبقى قدر القصّة القصيرة أن تظلّ كالزوجة الأولى متروكة مهجورة، بل إنّ بعض الروائيين الذين جرّبوها يتحدّثون عنها كما لو كانت خطيئة البدايات ؟
 
   أوّل ما نشرت : في القصّة، ولكن أوّل ما كتبت الشعر، ورغم أنّي نشرت روايتين بعد مجموعة قصصيّة واحدة فلا يعني هذا أنني لم أعد أكتب القصّة، وأصبحت "روائيّة ". أفتح قوسا لأقول: لا أرتاح لهذه الصّفـة التي فيها من المبالغة، إذ لا تجعل منّي تجربتان في الرّواية أو حتى ثلاثـة مختصّة في الرّواية، تماما مثلما يطلق بعضهم بكل مجازفة لقب على من يطبع كتابا بياضه أكثر من سواده، ناهيك عن مضمون الكلام. أغلق القوس.
          بعد ليلـة الغياب كان من المفروض أن تصدر مجموعتي القصصيّة الثانية لكن "طرشقانة" سبقتها.
          وأنا الآن بصدد كتابة مجموعتي القصصيّة الثالثة. أذكر هذا لأوضّح أنني مازلت وسأظلّ وفيّة لهذا النوع الصعب من الكتابة، هذا الضّرب من الأدب الذي له لونه المميّز وطابعه المختلف وهجه ولذّة صناعته.
          إنّ القصّة في ظنّي ليست عتبة لكتابة الرواية أو جسرا حتميا يؤدّي إليها. هناك من الكتاب من بدأ مباشرة بكتابة الرّواية وظلّ يكتبها دون ممارسة كتابة القصّة، وهناك من بدأ الكتابة الأدبيّة بالقصّة وظلّ يكتب القصّة فقط . أذكر إلى حدّ علمي زكريا تامر. ويوسف إدريس مثلا.
والقصّة ـ وإن تبدو ذات قواسم مشتركة مع الرّواية في مناخها السّرديّ ـ تشبه الشّعر في ما يتلبّس الكاتب لحظة كتابتها.
          لست ممن يعتبر القصّة خطأ بداية و أعجب من هذا الرّأي لأنّ كتابة القصّة ليست بالأمر السّهل يمارسه الكاتب للتسلّي. إنها تتطلّب من الجهد في التكثيف والحبكة ما يبدو أحيانا مغامرة صعبة أمام كتابة الرّواية. أستند في هذا الكلام على تجربتي البسيطة في معاشرتي للنصّ الرّوائي وللنصّ القصصيّ.
          ثمّة قصّة كتبتها بعنوان "الأرضة " كانت ولادتي لها عسيرة ومقلقة وثمّة قصّة أخرى بعنوان "سلال القلوب في زقة التكنو" كتبتها ثمّ انتابتني بعد الإنتهاء منها رغبة في التقيّء.
          حدث أيضا أن عشت تمزّقا بين كتابة قصّة وأنا بصدد كتابة روايتي الأخيرة ولم أرتح إلاّ عقب عملية إفراغ للنصّ القصصيّ المباغت.
 
          حسب اعتقادي ثمّة مضامين تختار قوالبها الفنيّة. يعيش الكاتب حالة وعي بما يحيطه من ملابسات، فإذا الهموم الكبرى المشتركة التي تتداخل فيها الأحداث والأسئلة والتداعيات، لا يسعها فضاء القصّة، وبالتالي تكون الرّواية "رأس الحربة " على حدّ تعبير عبد الرحمان منيف ـ هي الأكثر قدرة لتسع ذاك الزّخم.
 
n من أين تبدؤك الرواية، باعتبارها حالة من حمّى الإبداع .
 
 من فكرة مجنونة تطلبني إلى موعد طويل المدى في رحلة زادها جملة من الأسئلة المتناقضة العطشى إلى محاولات إجابة مستفيضة ، موعد استثنائيّ مع حالة مرضيّة استثنائيّة.
رواية "ليلة الغياب" كانت حالة مرضيّة استوجبت معالجة أدبيّة خاصّة كذلك رواية "طرشقانة " حالة مرضيّة أخرى، ذات أعراض مختلفة جذبتني إلى الدّخول في مغامرة خضتها لا لعلاجها ـ فأنا أبعد ما يكون من ذلك ـ بل لتحسّس عمق جراحاتها. وكذلك روايتي الأخيرة التي أتمنّى أن تصدر قريبا "لعنة الكمْء".
          الرّواية تبدأ بحالة وحام. مثلما الحال عند المرأة، وتمرّ بمراحل الحمل الطويلة، لا يتحدّد في الغالب من البداية جنس الشخوص باستثناء الشخصيّة الرئيسيّـة. أعاشر الأحداث بخطوطها العريضة وكذلك الشخوص في مخيلتي طويلا قبل المضيّ معها في رحلة الورق، هذه الرّحلة التي قلّما تكون هادئة واضحة المعالم، إذ كثيرا ما تعلن الشخصيّة حالة من التمرّد والعصيان والأزورار، أهادنها و ألاحقها أحيانا وأترك لها فضاء من الحريّة ثمّ أطوّقها حتى أظلّ ممسكة بالخيوط الكبرى.
          ثمّة كوابيس تزعجني وتتطبع في وعيي عندما أفيق، أخزّنها في قبو الذّاكرة ربّما استعنت بها لكتابة رواية، هكذا يبدو لي أحيانا ولم أخض التجربة بعد. لأنّ الواقع أيضا ـ وخاصّة واقعنا العربي الرّاهن مضرّج بالكوابيس.
 
 nيرى بعضهم أنّ حال الرّجل الذي يكتب عن المرأة كحال من يفتح باب جاره خطأ فيفتقد تلك الحميميّة التي كانت بينه وبين بيته الشخصيّ.
هل تعتقدين ـ مع هؤلاء ـ أنّ عالم المرأة لا ينفتح إلا بقلم المرأة ؟
 
   كتب الرّجل عن المرأة من منطلق علاقته الخاصّة بالمرأة، بالأنثى. انطلاقا من علاقته بأمّه أوّلا ثمّ أخواته ثمّ بقيّة العلاقات المختلفة. وطالما أنّ الكتابة إفراغ غير مقصود من الوعي الباطني فإنّ هذا ينعكس على الرؤية الخاصّة . فكتابة الرّجل عن المرأة هي من منظوره الخاص، فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يعكس حقيقة كاملة عن المرأة، أو رسما صحيحا لها. يظلّ كشفا نسبيّا لا غير.
قلت في روايتي "طرشقانة" في حوار دار بين مراد ونورة على لسان هذه الأخيرة : "صحيح أنّ الرجّل نطق عنها ولامس أزماتها عبر أطروحاته الفكريّة والإبداعيّة لكنّه توهّم التعبير الصّادق عنها من منطلق رؤاها ومفاهيمها، وصحيح أيضا أنّه لم يترك من أمورها صغيرة ولا كبيرة إلاّ اهتمّ بها .. لكنّه ظلّ على عتبة أسرارها وخارج بوّابة الرّوح .. عند شرفة ألمها الجوّانيّ الحقّ .. عند فوهة الجرح وعلى ساحل بحر لغزها العميق … لقد ناب حدّ الإبهار قلم الـرّجل عن المرأة .. لكنّ الطّرح جاء دائما ملوّنا باختياراته كرجل، بصدى ما عزف حولها من لحون، وما أحاطها به من أصوات مختلفة المستويات. جاء الطرح محمّلا بحصاد ما بذر هذا الرّجل في تربة المرأة وبالتالي، لم تكن هي المبادرة بكشف العمق، فظلّ العمق دون مطلبه".
          لقد قدّم قلم الرّجل بما كتب عن المرأة قطعا من رقعة "البوزل العملاقة وليس كلّ القطع وبقيت بقيّة القطع في حوزتها هي ، هي فقط من يمسك المفتاح الخاص ببوابّة ذاتها فيها خانات مهما ادّعى الرّجل أنّه بلغها يظلّ دائما خارجها.
 
nهل هناك مكان مؤنث ومكان مذكر في الرّوايات ؟
أقصد هل تتحرّك رواية المرأة بكلّ حريّة في كلّ الفضاءات أم أنّ بعض الأمكنة مازالت ذات خصوصيّة رجاليّة ذكوريّة تحجم أقلام النساء على ولوجها ؟
 
 للمكان عادة خصوصية وتفرّد يضمنان له جاذبيّة كفيلة بأن تجعل منه عالما مليئا بأسراره.
وكلّ مستغلق في سرّه، يهيّج الفضول، خاصّة فضول المبدع وقلم الكاتب توّاق لسبر غور كلّ زمان ومكان فهل تستعصي الأمكنة ؟
هل ثمّة مكان نسويّ ومكان ذكرويّ ؟ أجل ثمّة مكان تقف النساء دون ولوجه، وثمّة مكان يقف الرّجل دون ولوجه. في المجتمعات العربيّة تتأكّد الظاهرة أكثر من أيّ مكان في العالم. وفي هذه المجتمعات أيضا تظلّ متفاوتة من مجتمع للآخر وفي هذا يطول الشّرح.
          فمهما حاول مثلا مخرجوا السينما اقتحام حمّام النساء فقد ظلوا كمن دخل قاعة الاستقبال من دار واسعة. حاول المخرج التونسي بوغدير في شريطه عصفور سطح إيفاد "رجل صغير" في إهاب صبيّ اصطحبته أمّه إلى حمّام نساء فلم يغنم من المكان إلا عريا لم تشحّ به كثير من المجلات المتداولة وبعض الصور الإشهاريّة.
          كذلك بالنسبة إلى المرأة ثمّة نوع من المقاهي تلك العتيقة التي تتوزّع في قلب الأحياء والمدن غير السياحيّة وهي الغالبة حيث تعودت النواصي على الروّاد الرّجال دون الإختلاط، هذه المقاهي ظلت مستغلقة بأسرارها ومناخها، تحفظ طابع خصوصيتها بنزقها ورائحتها الذكوريّة كثيرا ما تحتاج المرأة الكاتبة أن تقتفي آثار أحد شخوصها في أماكن يستدعي ذكرها وتصويرها الطّرح، أماكن تحجم المرأة عن تخطيها لأعراف معلومة مثل الماخور والحانة، لكن قلمها لا يقف أمام بوّابة أو حدّ ، يجود الخيال إن ضمر الواقع أو شحّ، وتستلهم من المرويات والأحاديث المتناقلة والمشاهد التي تغدق بها الوسائط المرئيـة.
 
n مثل السّفر أهمّ ملامح المكان في رواياتك "ــ " ليلة الغياب " رحيل بين تونس والمغرب واليونان وستراسبورغ. و "طرشقانة" رحيل بين تونس وفرنسا والمغرب .. هل هي طبيعة الشخصيّة التي ترسم فضاءاتها؟ أم أنّ "زمن العولمة" جعل الزاوية تعولم فضاءاتها وتحطّم الحدود أمام خيال الكاتب وطموح الشخصيّة الرّوائيّة ؟
 
 فعلا ترسم طبيعة الشخصيّة فضاءاتها استنادا على مسار الأحداث في مضمون النصّ.
إن كانت الشخصيّة من قبيل المثال بحّارا فلا بدّ من ذكر البحر والمواني، مقاهي وحانات الرّصيف، والشواطئ ومدن انطلاق السّفن ومدن استقبال، وأماكن مغامرات شتى ومختلفة لهذه الشخصيّة التي من المؤكّد أنّ لها مميزاتها ونقاط اختلافها وإلا ما استأثرت بمكانها في العمل الإبداعي.
 يعدم العالم حدوده أمام الشخوص التي يستدعي الطّرح أن تتحرّك خارج حدود الوطن إن ذلك يجعل فضاء الأحداث أكثر اتساعا أوفر مادّة وإثراء للمناخ العام للنصّ الرّوائي. لم أفكّر بمفهوم " عولمة و "زمن عولمة" وأنا أكتب " ليلة الغياب " أو "طرشقانة" لقد اطلعت على روايات مختلفة تتجذب فيها الشخوص بين أرض الوطن ومدن أخرى خارج حدوده. ولا أظنّ أنّ مؤلفيها آنذاك فكّروا في العولمة. يظلّ إذن الوازع الأصليّ والهام طبيعة المضمون والشخصيّة.
          لقد عرف خيال الكاتب والمؤلّف والروائي من أحقاب بعيدة التحليق الحرّ في أرض الله الواسعة يجوبها برّا وبحرا، معرجا إلى عالم الجنّ والملائكة بلا جواز سفر، وما كان آنذاك ذكر للعولمة يذكر. تكفينا العودة إلى قصص "ألف ليلة وليلة " و "السندباد " ومن المقامات نذكر شخصية : أبو الفتح الإسكندري الذي قيل عنه :
" هذا أبو الفتح الإسكندريّ/ إسكندريّة داره/ لو قرّ فيها قراره/ لكنّ ليله بالجنوب / وبالشّمال نهاره".
          إنّ المدن التي انتقلت عبرها شخوص روايتي " ليلة الغياب" و"طرشقانة" مدن لمجتمعنا التونسيّ معها صلات جوار، وأواصر تاريخية وتعايش ومصاهرة أيضا.
          لست أقول الجديد حين أذكر بالجالية المغربية التي عاشت ومازالت بيننا وكذلك الجالية الجزائرية، ولنا معهما صلات مصاهرة وقرابة.
          إنّ والدتي من أصل طرابلسيّ، وأبي مغربيّ أبا عن جدّ، وتزوّجا يرحمهما الله في صفاقس. فضلا عن الجوار من عائلات فرنسيّة وإيطاليّة عرفتها في صباي. كما كان لجدّتي من الأمّ جيران من مالطا ومن اليونان. وحتّى نهاية الستينات كان هناك غجريّات اسبانيّات يجبن الحيّ، ويدخلن البيوت لبيع الدّنتيلْ، وخيوط التطريز.
وبالتالي، تصلنا حكايات كلّ هذا الخليط من الجنسيّات عن بلادهم وعن طقوس عيشهم وعن عاداتهم . فيصبح ـ إذن ـ التنقّل بين بيوت الجيران أمر عاديّ جدّا في عملي الإبداعيّ.
 
n  هل تلبس مسعودة أبو بكر الشخصيّة الرّوائية همومها الشخصيّة وأوجاعها الذاتيّة ؟؟ بمعنى أنّ المرأة الكاتبة " متهمة" دائما بأنها تعرض تجربتها الشخصيّة وسيرتها الذاتيّة. ألا يمثل هذا الرأي عرقلا أمام فسحة الخيال والحرية عند الكتابة ؟
 
 الكاتب إنسان حرّ، وهو أمام الورق لا سلطة عليه وهو يكسر كلّ الحواجز لولوج ذاته، ومقاربة الذّوات الأخرى، قصد خلق شخصيّة تلتقي فيها ذوات كثيرة، فتتوقر لديه عريكة فيها مستحضر من مواد شتّى منتقاة مختلفة حيث يضع الكاتب تجاربه حذو تجارب آخرين ممن عايش أصحابها عن كثب أو بلغته عبر ما يتناقل من حديث فظلا عن ابتكار الخيال.
لا أرى ضيرا في أن يضفي الكاتب من تجاربه ولا أرغب في ادّعاء العكس.
          كلّ كاتب رجل كان أو أمرأة يروي في الحقيقة سيرته الذاتيّة ولكن بطرق مختلفة منها ما هو بالتقسيط إن صحّ التعبير أو دفعة كاملة بتصرف أو بإخلاص وهذه الصفة الأخيرة قلما توجد خالية من رتوش تجميل . إمّا مباشرة أو بإلباسها لشخوص مختلفة.
          أمّا السيرة الذّاتية بالأقساط فنلمسهـا عند الكاتب الرّجل (لست الوحيدة في هذا الرأي) تجده يتطرق لجوانب من حياته عبر أعماله فيخلع بنطلونه على هذه الشخصيّة،
          وصداره على تلك، يعير ربطة عنقه لفلان في هذه الرّواية ونعله لعلان في رواية أخرى. فإذا سيرته منشورة عبر خمسة أو ثمانية روايات. على عكس الكاتبات فمنهن من تكشف الكثير في عمل واحد، ووراء ذلك أسباب منها ما يعود ربّما لضيق مناهل التجربة وضيق دائرة العلاقات، ومن الأسباب التي أتصوّرها : إنّ المرأة مخلوق في تركيبته النفسية يختبئ "نرسيس". المرأة محبّة لذاتها، عاشقة لها أحيانا وبالتالي، تستهوي المبدعة الكاتبة ضمن ما تستهويها جوانب كثيرة من حياتها، فلا تقوم بعمليّة التقطيع إذا ما نقلت هذه الجوانب في عمل إبداعيّ بل غالبا ما تقدّم المشهد بأكمله تخلع عليه لمسات تجميليـة .
          كلنا في الآخر ننهل من السّيرة الذاتيّة وهذا مشروع في اعتقادي على أن يكون بحسبان.
غير أنّ للنقاد أراء شتى في ذلك ومختلفة فيها ما يمكن أن يلامس الحقيقة مثل الرأي القائل (بشأن المرأة) : من الدّوافع النفسيّة والإجتماعيّة الكامنة وراء إنشاء السّيرة الذاتيّة توضيح المواقف وتصحيح الأوضاع والثأر لظاهرة ما و شكوى الإنصياع والإمتثال لدواعي الضّمير الدّيني وغير ذلك و المعروف أنّ الإنصياع سيطر على وضع المرأة العربية طيلة تاريخها، إذ أنها عاشت غالبا القهر والإنغلاق والاضطهاد".
( الكلام لـ : الأستاذ محمد البحري من مقاله" في السيرة الذاتية النسائيةـ من مجلة فصول عدد ـ 4ـ /1998 )
          قد تحدثت المرأة وأسهبت عن الظروف النفسيّة التي عاشهتها في ظلّ رجل هو أيضا كان يزرح تحت ظروف نفسيّة أشدّ، تحت وطأة الإستعمار وظروف سياسيّة إقتصاديّة معيّنة وهو أيضا كتب تحت هذه الإرهاصات سيرة ذاتية أيضا.
          المهمّ حسب ـ ظني ـ أن يدرك الكاتب وضع علامة قف أمام الإغراق في بوتقة السّيرة الذاتيّة، لضيق أفقها في الأخير، ولعجزها عن مدّ الإبداع بدم جديد وشحن جديدة. لأنّها تشدّ الكاتب إلى عاطفته، وتربك بذلك الحذق الفنيّ أوّل شروط الإبداع فيصاب عطاؤه بالهزل والأنيميا جرّاء اجتراره نفس الحكاية.
          إنّ عوالم الخلق والإبداع لها تعطش دائم للجديد والإضافة. تجدر الإشارة إلى أنّ الإهتمام بالسيرة الذاتية النسائية من طرف النقاد أكثر حدّة من اهتمامهم بالسّيرة الذاتيّة الرجاليّة، فهل يعود ذلك لكون عالم المرأة ظلّ ضبابيّا، موارب الباب ؟ ظلّ الرّجل سنوات طويلة يتسلل إليه بخياله أو ببعض مغامراته، حتى أدرك في الآخر أنّه لم يفلح في رفع الحجب، وأنّ المفتاح ظلّ بيد المرأة، فلاحق ما استعصى عليه من أسرار في ما تكتب بتعطش تاريخي لكلّ خصوصيات المرأة! 
          ملاحقا تجاربها ومغامراتها وصبواتها عبر ما تكتب حت اختلط الأمر على بعضهم فراح يخبط خبط عشواء في بعض الأحيان في تأويله لغالب ما تنتج المرأة ؟
          أدرك أنني أحظى بخيال واسع منذ نعومة الأظافر أعبر حدود الواقع الشّحيح إلى الحلم السخيّ فالواقع أحيانا لا يرقى إلى طموحاتي وملابسات الحياة الخاصّة لا تغني العمل الإبداعيّ الذي أرغب في إنجازه.
          لا أفكّر إطلاقا في إصبع اتهام لأنني لا أضع إعتبارا إلا لقارئ فطن له ذائقة رفيعة وتهمّه جماليّة النصّ وعمق المضمون لا يبحث وراء بصمات حياتي الشخصيّة أو يسعى للتسلل إلى حدائقي السريّة، لأنّ هذا المتلقي أتون السؤال الذي لا ينتهي "هي .. لا ليس هي .. لا بل هي .."
n الرواية التي تكتبها مسعودة أبو بكر هل تتطلب عملية
توثيق طويلة أم أنّها افراز كامل من افرازات الذاكرة والتخيّـل ؟ 
 
    الـذّاكرة والتخيّل يلعبان دورا أساسيا في الرّواية هذا ممّا لا شكّ فيه وأنا أعتمدهما بالمقام الأوّل لكن. يحدث لي كثيرا أن أقوم بعمليّة تخزين لمعلومات متفرّقة لإفكار عرضيّة أدوّنها في ما يشبه بنكا للمعلومات والأفكار. الصّور أيضا تقدح في الخاطر مثلما اتفق أحيانا فأحتفظ بها جانبا وعند حياكة النصّ أخرج محفوظاتي لأنتقي منها ما يلائم. هذا فضلا عن احتياجي للعودة إلى مراجع للتثبّت من معلومة ما لا تتوفر في وثائقي الخاصّة أو في تلافيف الذّاكرة.
 
n الرّواية ليست علما، وربّما هي ضدّ العلمـيّة، غير أنّ عوا

المزيد


مع الروائي العراقي عبد الرحمان مجيد الربيعي

سبتمبر 2nd, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

  
 لم أترك مسكوتا عنه أو معلنا إلاّ و كتبته

  

تصدير : "عندما قرأت للرّبيعي أحسست أنّني أقرأ لأستاذ في كتابة القصّة " نجيب محفوظ
 
ملتفّا في معطفه الأخضر و في شيبه الجميل وراء مكتبه بمجلة الحياة الثقافية يجلس مقلّبا كتبا متنوّعة تأتيه من كل صوب لتقديمها أو للنظر فيها أو لإجازتها …..على يمينه تطلّ أكوام من المجلة تنظر توزيعا أو ضيف شرها يطلبها إلى بيت الطاعة / القراءة .   
مستغرقا في تقليب أحلامه بين ورق مصقول و آخر رخيص , بيم أسفار عظيمة و أخرى سخيفة كحال كل قارئ نهم , كان يبدو قلقا ككل الكتاب صباحا , لعلّها عادة تونسية أصيلة , فالتونسي يكاد يحمل على وجهه صباحا عبارة "مغلق للإصلاح " و يدوم ذلك ما لم يشرب قهوته و يعلن سيجارته و يمزّق جريدته .
بعد مدّة تفتّحت ذاكرته كأنّما خرج بها من نفق مظلم , و اندفع سيل الذكريات يفيض على ورق المكتب الخشبي .  
تفطّنت بعد مدّة أنّي نسيت تشغيل سلّة الكلام الالكترونية , عجّلت بفتحها و انهمر حكي جديد مع السومري الذي قال يوما :" لقد تتنوست حتى أنّني لا أعرف ماذا سيحصل لي لو أنّني تركت تونس يوما " . يبدو أن تونس قد التصقت به ك"الوشم " بظاهر يده و كأنّها خطّت قدرا …خطوطا للطول خطوطا للعرض رغم تحليقه الكثير في سماءات عديدة لم يرض بغيرها "وكرا".
ربّما كانت أمامه "أنهار" كثيرة لكي يقذف فيها زورقه كنّه لم يرض بديلا لدجلة غير" مجردة" الأخضر .      
هو بلا شكّ المبدع العراقي التونسي المتعدّد عبد الرحمان مجيد الربيعي صاحب عشرات المؤلفات القصصية و الروائي و الشعرية و النقدية التي قال فيها الناقد المغربي عبد الفتاح الحجمري :" كتابة إبداعية يمتح سردها من تأمّل عميق للواقع و الراهن و التاريخ و الأسطورة و كتابة نقدية صارمة و دقيقة و ذكية في الآن ذاته , كتابة صحفية و تعليقات رصينة حول راهن فعلنا الثقافي …" بينما قالت عنه غادة السمّان " أحب في الربيعي …. ابتعاده عن الترهّل اللفظي العروبي مع تطبيقه علميا لأفكاره , في سلوك نقدي معاش"      
في هذا الحوار يتحدّث الربيعي على المدن التي عرفها و التي يشبها بالنساء و يقول في معاطفه أنّه مقلّ في كتابة الشعر لكنّه موجود في أعماله السردية , و يرفض تبنّي مقولة " زمن الرواية " و يعتبر الزمن زمن كل الأجناس الأدبية و يرجع كثرة النصوص الروائية اليوم إلى إغراء لقب روائي للكثير من الممتهنين لحرفة الكتابة , و يبدي الربيعي ألمه من سقطات الإعلام أحيانا حين يعمل سدنته على تكريس أسماء لا علاقة لها بالإبداع .                      
و في إلقاء حديث طويل عن علاقته بالأمكنة و الأزمنة و فضاءات الكتابة و أزمة الشعر وواقع قصيدة النثر و قصة البطل المهزوم و القارئ الافتراضي و رواية المنفى   و المقدّس و المدنّس في الأدب و عن الرسم و رهانات الكتابة الأوتوبيوغرافية .                       
 
- لنبدأ حوارنا مع رحلة العمر من بغداد إلى بيروت إلى تونس ثم العودة إلى بغداد فالعودة الى تونس و الاستقرار بها . لماذا نحرت في تونس راحلتك ؟          
 
- قلت في أكثر من مرّة إجابة عن سؤال مماثل متعلّق بالمدن : إنّ المدن كالنساء من الممكن أن تحبّهن من النظرة الأولى و أنا أؤمن بالنظرة الأولى في العشق . ،إنّك إذا أحببت مدينة فإنّها ستظلّ تسكنك أينما ذهبت .         
عرفت تونس للمرّة الأولى سنة 1973 عندما زرتها في مؤتمر الأدباء العرب الذي عقد للمرة الأولى في بلد مغاربي . ما زلت أتذكّر وصولي إليها عصرا و فاجأتني تلك السماء الصافية و الخضرة عندما وصلت المطار فاقتنعت فعلا ان تونس اسم على مسمّى كما يقال . أحسست بشيء داخلي .يخبرني أنّ هذه المدينة لن تمرّ في حياتي عابرة و إنّما لي فيها مواعيد أخرى قادمة لا أستطيع أن أفسّر لك ذلك الإحساس و ماهو منبعه . و من الغريب أن لي الإحساس ذاته تجاه بعض الناس فمنذ أن أراهم أتوجّس منهم و يستغرب بعض الأصدقاء عندما يسألون عن كاتب عراقي مثلا , و يسألونني عن أخباره و رغم أنّه يعيش في نفس المدينة ,أقول لهم انّي لا أعرفه , أعرفه اسما لكنّي لم أتحدّث معه . و كنت كتبت يوما عن ناقد رحل إلى جوار ربّه و استغرب البعض أنّني لم أتحدّث معه مرة واحدة و لم نتبادل حتّى التحية.            
هكذا ,أنا مسكون بشيء من الحدس و نادرا ما يكذب هذا الحدس أو يخون ,
 
- و لكن المشاعر وحدها لا تكفي في كل الحالات .؟        
 
- فعلا المشاعر لا تكفي وحدها أيضا و الأحداث قد تفعل فعلها , فقد يحبّ انسان شخصا ما لكنّ كل واحد منهما في طريقه و لا يتسنّى لتلك العلاقة أن تنمو بشكل طبيعي .            
- لنعد إلى زيارتك الأولى إلى تونس .
- ما حصل أنني بعد تلك الزيارة التي مطّطتها إلى أسبوع إضافي تعرّفت أثناءه على عدد من الأدباء لم أكن أعرفهم رغم أني ارتبطت بتونس مبكّرا ككل الأدباء العرب الذين لا يعرفون من تونس إلا الشابي و نتغنّى بقصيدته "إرادة الحياة", ثم تعرّفت على المرحوم المطوي الذي اشتغل سفيرا لتونس ببغداد و التقيت به بشكل عابر عبر الصحف العراقية التي كانت تنشر نصوصه ,كنت صغيرا آنذاك, طالبا في معهد الفنون الجميلة .                                
و في سنة 1970 تعرّفت بشكل أعمق على الأدب التونسي عندما وصل الروائي و الناقد محمد صالح الجابري ليدرّس في بغداد فكان واسطتي للتعرّف على الأسماء الجديدة في الأدب التونسي في القصة القصيرة و في الشعر .و ربط لي صلة بنادي القصة و صار يحمل لي بعض المؤلفات و بعض النصوص غير المنشورة فأقوم بنشرها في مجلة "أقلام" التي كنت أشرف عليها . و توثّقت هذه العلاقة بتونس في زيارتي لها سنة 1973 و التقيت بتلك الأسماء التي كنت أقرأ لها وجها لوجه ,ثم عدت إلى بغداد لكن علاقتي تواصلت بنادي القصة و بعض الادباء في تونس , و في سنة 1976 عدت الى تونس لأقيم فيها شهرين على حساب اليونسكو و أقمت في المركز الثقافي التونسي الذي كان يديره , وقت ذاك, المرحوم الطاهر قيقة ثم دعيت سنة 1977 لأساهم في ندوة عن الكتابة الأدبية عند الأدباء العرب الشبان نظّمها نادي القصة بالنادي الثقافي بالحمّامات.                         
تحوّلت سنة 1978 إلى بيروت للعمل في إدارة المركز الثقافي العراقي و بيروت صاحبة فضل عليّ , مثلي مثل كثير من الادباء العرب , بسبب مجلاّتها و دور نشرها, و أذكر انّ أوّل نصّ قصصي نشر لي خارج العراق كان في مجلّة الآداب و أوّل قصيدة نثر نشرت لي خارج العراق نشرت لي في مجلة شعر ., كان ذلك سنة 1962 .   
و توثّقت علاقتي في بيروت بالوسط الثقافي , خاصة اني كنت كائنا اجتماعيا أحبّ الصداقات و احبّ ان أغذّيها . و بحكم ثراء هذه المدينة و رغم أنها كانت تحت وطأة الحرب الأهلية فإنّ الثقافة فيها لم تتوقف . كانت دائما المجلاّت الجيّدة و الكتب الجيّدة تأتينا من بيروت . بقيت هناك حتّى سنة 1980 و في إحدى زياراتي لبغداد قيل لي : بعد ثلاث سنوات في بيروت, و بيروت كانت من المناطق الخطرة انذاك كما تعلم , بامكانك أن تختار مكانا آخر تتحوّل اليه لتعمل فيه . و عرضت علي ثلاث عواصم :أنقرة و ربما و تونس فقلت له دون تردّد و دون تفكير تونس و هكذا اصدر الأمر و حملت حقائبي لأغادر بيروت في اتجاه تونس.            
 
 
- ألا ترى في هذا القرار شيئا من الغرابة , ففي وقت كان الكاتب العربي –و إلى الآن- يغازل العواصم الأوروبية ترفض أنت هذه العواصم و تفضّل عاصمة عربية صغيرة بالمغرب العربي ؟؟   
- أنا أقول دائما إنّني كاتب عربي . لغتي العربية و قرّائي عرب و لذلك لم أطمح يوما و لم أضع في حسابي أن أستقرّ بعاصمة أوروبية . صحيح احبّ زيارة تلك المدن و لكن لا أحبّ الإقامة فيها ,و أنت تعرف أن اختلاطات الوضع العراقي منذ الثمانينات الى اليوم أفرز شيئا من السهولة في اقامة الكاتب العراقي بتلك العواصم. لكنّي مع ذلك لم أفكّر في أوروبا , فحتّى عندما غادرت العراق سنة 1989 كان المخطّط الذي وضعته في ذهني و الذي رتّبته مع الاخوة الفلسطينيين أن آتي لاقيم في تونس و جئت فعلا بعد أن ساهمت في ندوة أقيمت في طرابلس بمناسبة الذكرى الثالثة لاستشهاد المرحوم أبو جهاد. تحوّلت من هناك إلى تونس و عملت مشرفا على مجلة عمّال فلسطين , و بعد اتّفاق أوسلو , غادرت المنظّمة بمكاتبها و بقيت أنا في تونس .                                   
كما وثّق صلتي بالمكان ارتباطي بتونسية و إنجابي منها ابني سومر و هكذا مرّت السنون حتّى الآن , ستّة عشر سنة أو أكثر إقامة في هذه المدينة و كانني لم أقم بها الاّ بضعة شهور .                         
- مرحبا بك دائما , لنمرّ إلى سؤال آخر, أدخل في الكتابة و الإبداع , في هذا الزمن المنعوت ب"زمن العولمة" , مازلت , ورغم نجاحاتك في كتابة الرواية تحنّ إلى رأس الأجناس القديمة : الشعر , هل القصيدة عندك لسعة فشلت ان تكون رواية ؟  
- من الصعب على الكاتب أن يجزّء نفسه , أنا كلّ و متكامل . بين قوسين ,ربّما غير متكامل , بدأت كتابة الشعر مبكّرا حتّّى أنني كنت أكتب القصيدة العمودية لكنّها تجارب أوّلية اقترنت بالمراهقة و لم تكن تجارب ناضجة , و عندما تعرفت على قصيدة النثر عن طريق مجلّة "شعر" و عندما وصلت الأعداد الأولى من المجلة إلى مدينة الناصرية فوجئت بأنه يمكن كتابة الشعر بدون تلك القافية و تلك الضوابط الكلاسيكية التي وضعت ليستقيم شكل القصيدة القديمة فيمكنني أن اكتب ما أريد مع الالتزام الكامل باللغة .أنا مقلّ في كتابة الشعر و لكن الشعر موجود في أعمالي السردية ,حتّى أن الشاعر المعروف محمد عبد القادر الجنابي عندما أصدر كتابا عن شعراء الستينات في العراق و قصيدة النثر بالذات و كان عنوانه "انفرادات في الشعر العراقي " اخذ مقاطع من قصة لي اسمها "السيف و السفينة " من مجموعة تحمل الاسم نفسه (1966) و وضعها باعتبارها قصيدة , و كذلك صديقي الناقد حاتم الصقر الذي رأى في أعمالي القصصية كثيرا من الشعرية الذي قد يتجاوز ما نقرؤه في القصائد التي تنشر اليوم . أقول دائما : لا بدّ من الشعر حتّى في الكتابة السردية , و تشدّني النصوص   التي تقوم على شعرية اللغة . و هي مسألة لم ينجح فيها إلا عدد قليل من الروائيين و القصاصين العرب و خاصة في سوريا و لبنان و المغرب و تونس . و بعض التجارب في مصر . يتداخل الشعر و السرد في كتاباتي و اشتغل على النص السردي بروح الشاعر و لا تنس أنني أكتب المقال الأدبي و المقال السياسي و أنا في كل هذا لا أجزّء الكاتب لانه بالنتيجة واحد.       
قرأت مرة ردّا ليوسف إدريس على سؤال وجّه له حول تحوّله إلى كاتب مقال (في جريدة الأهرام كما تعلم) قال : انه يفعل هذا لأنّه يريد أن يوصل أفكاره إلى اكبر عدد ممكن من القراء , و علينا أن نقرّ دائما بأن الأدب للنخبة سواء كان رواية أم شعرا , فمثلا يمكن أن تقام أمسية شعرية لشاعر فيحضرها مائة شخص لكن عندما يعرض ديوانه للبيع لا يبيع منه اكثر من عشر نسخ                     
- هل تعني أننا لم نعد في زمن الشعر ؟
- لا أبدا . إنّنا لسنا في زمن جنس أدبي محدّد و لست مع الذين يقولون ان الزمن زمن الرواية . إننا في زمن الشعر و في زمن الرواية و زمن النقد و زمن النص المفتوح و زمن المقال السياسي و المقال الادبي . إن صعود أي جنس أدبي لا يكون على حساب جنس أدبي آخر . 
 
- كيف تؤكّد هذا الرأي؟
 
 - في فترة الخمسينات عندما ظهر روّاد الشعر الحديث (البياتي و السياب و نازك الملائكة و صلاح عبد الصبور , عبد المعطي حجازي و أدونيس و خليل الحاوي) لم يمنع ظهور هذه الأسماء الشعرية اسماء ساردة أخرى كثيرة كتوفيق يوسف عوّّاد في لبنان و سهيل ادريس و يوسف حبش و الأشقر و نجيب محفوظ و يوسف الشاروني و ادوارد الخياط …                       
إنّ الرواية العربية بدأت تفرض نفسها بشكل واضح و صريح حتّى أن البعض بدأ يردّد عبارة "الرواية ديوان العرب " رغم أن هناك روايات لا تساوي شيئا و ليست ديوانا لشيء .إنّما كل الأمر متمثّل في تراكم الإنتاج و ازدياد عدد الروائيين إلى جانب أنّه وقع تحوّل كبير في العقلية و الذائقة الأدبية فأصبحت عبارة "روائي" تغري بعد أن كان في الستينات لقب الشاعر يستحوذ على كل الإغراء , لأنه كان يوحي بالحلم و الرومنسية فكان الكثيرون يحلمون بحمل بلقب شاعر .و هذا التحوّل في الذائقة و في مكانة لقب روائي لا يعني أنه كلما صدرت كتب تحمل عبارة "رواية" تمثّل فعلا إبداعا روائيا , و لا تعني هذه المكانة الجديدة للرواية انهيار الشعر فليس صدفة ان يكون معرض الكتاب الأخير ببيروت ديوان محمود درويش الأخير هو أكثر الكتب مبيعا و يليه ديوان أدونيس الجديد . و مازالت قصائد سعدي يوسف الأخيرة , و التي ينشرها في القدس العربي , رغم أنني اختلف معه في بعض الأمور , رائعة جدّا و صفوة القول انّه هناك مساحة كبيرة للإبداع رواية كانت أم شعرا أم قصة قصيرة . هذا الجنس الأدبي المظلوم الآن رغم انه الجنس الصعب و الذي ظهرت فيه أسماء كبيرة لا يمكن أن تهجر ذاكرتنا . فعندما قرأنا "العشاق الخمسة" ليوسف الشاروني بهرنا بها و عندما سمعنا بحلوله ببغداد ركضنا باحثين عن ذلك الرجل الذي كتب تلك النصوص القصصية و من الصدف أن توطّدت علاقتي به منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا , حتى أنني في زيارتي الأخيرة إلى القاهرة أمضيت يوما كاملا في ضيافته . فكان ودودا رغم متاعب السنّ التي بدأت تظهر عليه حتى انه بدأ يستعين بالعكّاز,و كان سعيدا بأن هناك من يذكر دوره و يقدّر ما قدّمه.و كان في تلك الجلسة الأستاذ مبارك ربيع يسأله عن تفاصيل دقيقة ربّما أكثر دقة من أسئلتي بحكم اختصاصه بصفته أكاديميا (أستاذ جامعي) . ادوارد خراط أيضا كتب مجموعة قصصية عظيمة هي "حيطان عالية" و رغم أنني لست متحمّسا لتجاربه اللاحقة , و فإنّني لا أنسى الدور التأسيسي لهذه المجموعة القصصية . و من ينسى توفيق يوسف عوّاد الذي أخذه العمل الدبلوماسي فروايته "الرغيف" و التي كتبها سنة 1939 , هذه الرواية يمكن وضعها في خانة أعظم الروايات العالمية ,إلى جانب مجاميعه القصصية "الصبي الأعرج" و" قميص الصوف " و مذكّراته دون أن نهمل كونه شاعرا .                         
من المؤلم أنّ الاعلام يكرّس أسماء لا علاقة لها بالإبداع لأنّ هذه الأسماء لها زبانيّتها من الإعلاميين . فتحي غانم عملاق آخر من عمالقة الرواية العربية ترجمت أعماله إلى الانقليزية و عرف قبل نجيب محفوظ عندما ترجم دينس جونسن ديفس روايته " الرجل الذي فقد ظلّه" .             
صبري موسى أيضا صاحب رائعة " فساد الأمكنة " التي تساوي عشرات الروايات التي يقع الاستشهاد بها . و هذا ليس رأيي الشخصي فقط بل يشاركني فيه جملة من القراء و النقاد في مصر و خارجها لذلك نحن بحاجة الى من يقرأ هذا التراكم الروائي الجديد و يتناوله بالنقد و الغربلة بشيء من الجراة و يقول فيها كلمة حق و صدق . و يكفي الأدب العربي هذه المجاملات   و الاخوانيات الزائفة التي أوصلت أسماء لا تستحق أن تذكر أصلا إلى الواجهة و جعلت صبري موسى و فتحي غانم في الظلّ رغم أن فتحي غانم كان في إمكانه أن يجعل اسمه يتردد كل يوم في عشرات المقابلات , لانه ترأّس مديرا عاما و رئيس تحرير لعدّة مؤسسات إعلامية مرموقة و لكنه مع ذلك لم يستغلّ هذا الموقع لانّه كان كبيرا و يعلم أن إبداعه سيصل .                       
-   لنعد إلى الشعر , هل يعني كلامك السابق أن حال الشعر بخير ؟             
- الوضع الذي يعيشه الشعر حسّاس في غياب ضوابط جامعة مانعة لما يسمى بقصيدة النثر . فكثيرة هي الأسماء التي ركبت هذه الموجة عن جهل , فراحت تكتب أشياء لا علاقة لها بالشعرية ثم طبعتها على حسابها الخاص و خرجت بها الى الناس تطالب بحقّها في التغطية الإعلامية و إقامة الأمسيات الشعرية على نخب ما كتبت و ما طبعت لذلك لا تستغرب أن يتّجه القارئ إلى نصوص من عرفهم من الكتاب و الشعراء الذين آمن بموهبتهم , و أعرض عمّا يعرض من الأسماء الجديدة . أضرب لك مثالا عن طالبة اعترضتني في العاصمة التونسية قادمة من مدينة سوسة في رحلة قطار شاقة بحثا عن رواية أحلام مستغانمي "عابر سرير" التي سمعت بوصولها إلى إحدى مكتبات العاصمة , هذا القارئ هو الذي نبحث عنه .      
-    يرى بعضهم انّك فشلت في أن تكون رسّاما كبيرا لكنّك نجحت في أن توظّف هذه الموهبة /الرسم/ في أعمالك الروائية و القصصية فأخذت تشكّل نصّك الروائي كما تشكّل اللوحة و ترسم أبطال نصوصك بفرشاة رسّام كبير .        
هل تعتقد اليوم أن نصيحة الدكتور عبد المنعم تميمة بالتراجع عن دخول المعهد العالي للتذوق الفني بالقاهرة و التفرغ للإبداع الأدبي هي التي جعلتك روائيا كبيرا ؟                                     
- يعود اهتمامي بالرسم إلى الطفولة المبكّرة و نحن لا ندخل المدارس الابتدائية إلا بعد أن ننهي دراستنا القرآنية عند من يسمّى بالمولّى أو ما يسمّى في تونس بالمؤدّب أو الشيخ في بلدان أخرى . و قد ساهمت قراءتي للقرآن في إثراء لغتي الأدبية و عندما دخلت المدرسة كنت أعرف الكتابة و القراءة مما أهّلني لأكون في الصفّ الثالث أو الرابع . و لكن بحكم القانون كان لزاما علي أن أدخل الصف الأوّل و من حسن حظّنا في تلك الفترة أنّه كان هناك نقص في عدد المدرّسين مما اضطرّ وزارة المعارف إلى الاستعانة بخرّيجي المعاهد الدي

المزيد


مــــــــع الروائي ابراهيـــم درغــــــــوثي

سبتمبر 2nd, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

الكلب صار متمّمًا لديكور الإنسانية
 
حاوره كمال الرياحي
 
إن إقامة القارئ في مدوّنة ابراهيم درغوثي القصصية و الروائية لن تجعل منه سيّدا في بيته , لأنّ ذلك البيت بيت كل ما فيه متحرّك بإذن من فرمان الروائي الذي يمقت السكون و ينشد نظام الفوضى .
إنّ البيت الروائي عند درغوثي بيت عجائبي تحملك احدى غرفه إلى عالم الممكن بينما تستقبلك أخرى بعوالم المستحيل , تستنشق منه عبق التاريخ و التراث , و لكنّ كل شرفات غرفه مفتوحة على الراهن و الحداثي ,إذ يعمد درغوثي من خلال مقولة التجريب إلى خلخلة نوامييس السرد الكلاسيكي و هزّ يقينيات الرواية التقليدية و الاجهاز على القارئ الاستهلاكي و تمزيق وجهه الشهرياري ليدعو إلى قارئ فاعل لا يرض بالعيش خارج الأثر .
يطالب درغوثي مع كل نصّ جديد بقارئ سيّء النيّة لا تجعله يقظة القراءة يسبل جفون اليقين بقدر ما تبعث فيه يقظة المعارك و القتال لتتحوّل القراءة من غاية المتعة و الاسترخاء و احتلاب النوم إلى عملية نزال من أجل تحقيق الذات , نزال يقف فيه الكاتب حاملا نصّا مصقولا سنّه بأدوات و طرق مجهولة على القارئ ان يكشفها و يفضحها ليستحق لقب "قارئ"
إبراهيم درغوثي :قاصوروائي تونسي من مواليد 1955 
 

      من مجموعاته القصصية :
1/ النخل يموت واقفا
ط(1) دار صامد: صفاقس / تونس 1989 _ط(2) دار صامد:صفاقس / تونس 2000
2/ الخبز المـــــر
ط(1) دار صامد: صفاقس / تونس 1990
3/ رجل محترم
ط(1) دار سحر: صفاقس / تونس 1995
4/ كأسك …يا مطر
ط(1) دار سحر: تونس 1997
1/ الدّراويش يعودون إلى المنفى
ط(1) دار رياضالرّيس: لندن بيروت 1992
ط(2) دار سحر: تونس 1998
ط(3) الهيئة العامة لقصورالثقافة / مصر 2004
من رواياته :
2/ القيامة…الآن
ط(1) دار الحوار: سوريا 1994
ط(2) دار سحر: تونس 1999
3/ شبابيك منتصف الليل
ط(1) دار سحر: تونس 1996
ط(2) دار المعارف: تونس 2004
4/ اسرار صاحب السّتــر
ط(1) دار صامد : تونس 2002
5/ وراء السّراب …قليلا
ط(1) دار الاتحاف: تونس 2002
ط(2) مركز الحضارة العربية - مصر 2004
تحصّل على جوائز عديدة منها :
  1. جائزة الطاهر الحداد في القصة القصيرة 1989
  2. الكومار الذّهبي جائزة لجنة التحكيم (1999) عن رواية : أسرار صاحبالسّتر
  3. الكومار الذّهبي لأفضل رواية تونسية 2003 عن رواية : وراء السّرابقليلا
  4. جائزة المدينة للرّواية 2003 عن رواية : مجرّد لعبة حظّ (مخطوط )
التّرجمـــــات:
1/ الدّراويش يعودون إلى المنفى ( فرنسية) نشر: دارأسود على ابيض – تونس / مرسيليا (1999)
2/ شبابيك منتصف الليل ( فرنسية) نشر : دار أسود علىابيض – تونس / مرسيليا (1999)
3/ تفاح الجنة ( قصة قصيرة) : ترجمة : دينس جونس- ديفس ( انجليزية ) نشرت ضمن مختارات من القصة العربية ـ نشر الجامعة الأمريكية / القاهرةمصر –2000.
 هنا حوار مع الروائي يحاول النبش في خلايا الابداع عنده


n صُـنّفـت إبداعاتك القصصيّة والروائيّة ضمن خانـة الأعمـال التجريبيـّـة هل يشغلـك كثيـرا التحليق خارج السرب والمغامرة الإبداعية ؟
 
التجريب هاجس سكـنَـنِي منذ بداياتي . قلت " يا إبراهيم قد صَدَقت الرُؤْيَــا " . فاكتبْ جديدا أو فاصمتْ . تعلم من تجارب الآخرين (القدامى والمحدثين) وحاول أن تتجاوز ما كتبوه . أكتب سطرا واحدا جديدا، فقرة واحدة. معنى واحدا. اخلق شخصية فريدة. أصدم ذائقة المتقبل. حرّك البرك الرّاكدة قل كلمتك ولا تخجل. غامر . اهتك عرْض اللّغـة . بعثر البنى التقليدية للكتابة. ولا تلتـفت وراءك.
            امضِ قُـدما إلى الأمـام ، دائمـا إلى الأمام ولا تلتـفت أبــدا وراءك . هكذا كنت منذ بداياتـي الأولـى.
            وهكذا سأظلّ إلى أن أسمع نباح كلاب السّعير .
 
n   التجريب الروائي ، هل حقّق للرواية العربية حداثتهـا ؟
 
 كثيرة هي الأعمال الرّوائيـة العربيـة التي حقّقـت فرادة في الإبداع . وكثيرهم الرّوائيـون العرب الذين ثاروا على البنية التقليدية للكتابة الرّوائيـة الموروثـة من الغرب. ولكن قليل منهم فقط وجد التّرحاب لدى المتقبل. لماذا؟ ربّما لأننا أمّـة إمّعـه. قالـوا : جمال الغيطاني مبدع كبير جرّب فأجاد التجريب ـ مزج التراث بالحداثة في روايته : "الزيني بركات" وفي بقيّـة أعماله القصصيـة والرّوائيـة فردّد لكل (أقصد في تونس على الأقل) هذه المقولـة وتناسَوا بقيـة المجدّدين. وصاروا يقيسـون مدى نجـاح العمل التجريبي بمدى مطابقته لرواية "الزيني بركات". حتى صارت هذه الرّواية "محرارا" للجميع. أنا لا أشكك في عظمة تلك الرّواية. وفي جديّـة عمل الغيطاني. فهو واحد من أهم الرّوائيين العرب الذين ضخّوا دمًـا نابضـا بالحياة في شرايين الرّواية العربية الحديثة. ولكنّني أتّهم المهتـمّين بالأدب بالكسل والاتكال على أقليّة قليلة من الباحثين المجتهدين الذين يكتشفون قدر مستطاعهم من النّصوص الهامّة فيتلقفها الطفيليون ويصنعون لها هالة من التمجيد تغطّي على الأنظار بقيّة النّصوص الهامّة الأخرى. فتنسى وينسى أصحابها.
            إنّ الرّواية العربية الجديدة، مشرقا ومغربا حقّقت فرادتها. وتجاوزت النّص الجاهز لدى كثير من الرّوائيين وذلك بخرق السائد في المبنى والمعنى وبـتجاوز النّص الكلاسيكي المهيمن على الذّائقة الإبداعيّـة.
            ولكن هذا الجديد اللّذيذ مازال غير مستساغ لدى الكثير من القرّاء المعتادين على بنية معلومة في الكتابة القصصية والروائية، بنية قطع معها الرّوائي التجريبي في عمليّة فرديّة هي بلاشك خطوة رائدة لتحقيق فرادة وحداثة هذا الفنّ النّيل.
 
n   هذا الهوس بالتجريب ألا ترى أنّه أجهز على عدد كبير من القرّاء أصحاب المعرفة المحدودة بفنون التلقّي فأقلعوا عن قراءة الرواية لتصبح الرواية نصّ النخبة ؟
 
 يُبدع الكاتب نصّه ويدفع به للقرّاء آملا أن يصل إلى أكبر عدد منهم. ولكن هل هذه الحقيقة البديهية صحيحة ؟ هل نملك في هذه الأمّة التي دعاها "نصّها المقدّس" إلى القراءة أناسا يهتمّون بالقراءة؟ هل لدى المبدع وهو يدفع بنصّه إلى المجهول من يترقبّه أمام واجهات المكتبات ؟ أم أنّ نصّنا يـلد " لقيطا " لا أهل له. ففي أمّة تِعداد بشرها قارب ثلاثمائة مليون مازال الكتاب يطبع في الف نسخة وفي الغالب الأعمّ على نفقة المؤلف. فلمن يتجّه المؤلف بأعداد نسخه البائسة؟ إلى " الجمهور العريض من القرّاء ! أم إلى " قرّاء النّخبة " ؟
            شخصيّا أُرضي نفسي أوّلا . أكتب ما أريد وكما أشاء ثم أرمي بكتابي للرّيح. جازما بأنّني سأجد من سيتقبّل هذا النّداء. قد يكون واحدا من قرّاء النخبة ( ولا أعـني بالنّخبة أصحاب الشهادات العليا وإنّما أقصد أصحاب الرّؤوس التي تملك عقولا تتدبّر بها أحوال النّاس والدّنيا) وقد يكون واحدا من عموم القرّاء. فكم وصلتني ردود على أعمالي من أفـراد من "الشعب الكريم " أدهشتني لأنّ النصّ المبهر يدفع متقبله إلى تدبّره دفْـعـا فيجتهدُ ويشقى بفهم مراميه.
 
n   هل هناك ثوابت في العمل الإبداعي الأدبي أم أنّ الحريّـة الثابت الوحيد ؟
 
 بدون حريّة لا يمكن للكاتب أن يبدع نصّا ولكن لا بد لكل عمل من ثوابت تؤكد تجذّره في تربته.
            هذه الثّوابت التي تصنع النص في مقدور المبدع الجاد أن يثور عليها لصالح الابداع. فلولا ثورات المجدّدين في الشّعر (نازك الملائكة بدر شاكر السيّاب …) وغيرها على عمود الشعر الكلاسيكي لما وصلنا الآن إلى قصيدة النّثـر.
            المهم أن نحتفظ بالأصل ونحاور الفروع لنصنع الجديد وهذه المحاورة والمداورة لن تكون إلاّ بالحريّة. حريّة المبدع من الرّقيب الذّاتي ومن رقابة الآخر.
 
n   أنت من الروائيين الذين لم يقنعوا بالواقع، فجعلوه عتبة للتحليق في متخيّل يصل أحيانا حدّ السحر والعجيب، هل فعلا أفلس الواقع كل هذا الافلاس لتتحوّل أغلب الكتابات إلى فضاءات الفنطاستيكي والعجيب أم أنّ الواقع أكثر ايلاما من احتمالنا فهرب الروائي إلى المتخيّل ملاذا وبحثا عن طمأنينة فالواقع أصبح أعجب من العجب وأغرب من الغرابة؟ .
 
 الغريب والعجيب والفانتاسطيكي والسّحري، طرائق فنيّة للكتابة ابتدعها المبدع العربي منذ أقدم العصور. من ذلك أنّ كتاب "ألف ليلة وليلة" و"رحلة ابن بطوطة" وكتاب "عجائب المخلوقات" وكتب السّيرة. والمدوّنات التاريخية كـ ²البداية والنهاية ²  و" تاريخ الطبري " وغير ما ذكرت، كثير … كلها تزخر بإبداع طلّق الواقع وجاب آفاقا بديعـة فوق السماوات السبع وتحت الأرضين وخلق شخصيات الجن والعفاريت والغيلان والهواتف فجنّن كتّاب الغرب قبل أن يعيد اكتشافه الكاتب العربي ولسان حاله يقول : " هذه بضاعتنا رُدّت إلينا". هذا من النّاحية التّاريخية . أمّـا من ناحية المعيش في هذه السّنوات من بداية هذا القرن الجديد ونهايات القرن الفائت فإنّ ما يحدث أمام أنظارنا من تقدّم علمي وتخلّف اجتماعي وحيف اقتصادي وهيمنة لروما الجديدة على مقدّرات مساكين هذه الأرض جعل الكاتب يعجز عن تصوير هذه الأحداث إذا عالجها بطريقة الواقعية الاجتماعية التي سادت في منتصف القرن الماضي فعاد إلى تراث الشعوب القديمة يكتب من خلاله حاضرنا. فلا عجب إذن أن نجد كتاب أمريكا الاتينية يعودون إلى تراث الهنود الحمر وكتاب شبه القارّة الهنديّة وإفريقيا واليابان يحيون حكايات الأجداد وسمرهم والكتاب العرب يستثمرون التراث العربي الاسلامي بعجيبه وغريبه يكتبون من خلاله عن واقع مأزوم شبيه بعهود غزوا التيار لبلاد المشرق وتمزّق الانسان العربي بين حاضر بائس وماض تدّعي الأساطير التي وصلتنا عنه. أنّه كان مشرقا وضّاء.
 
n هل تكتب للقـرّاء أم للنقّـاد ـ وهم قرّاء أيضا ـ ؟
 
 أكتب لنفسي قبل كلّ شيء. أكتب لإرضاء نرجسيتي. أكتب لأداوي جراحا ذاتية تسكنني منذ فقدت اليقين في كلّ شيء. يأتي بعد ذلك القرّاء والنّقـاد.
            الكتابة صارت عندي شفاء للرّوح. ويلذّ لي بطبيعة الحال أن تجد هذه الكتابة قبولا لدى القارئ العادي والقارئ المختص.
 
n قلت في حوار مع مجلّة " قصص" التونسية (جانفي مارس 2002) أنّ من علل رجوعك إلى التراث هو فهم عجائب هذا القرن : " لا يمكنني أن أفسّر دكّ مباني مركز التجارة العالمي في نيويورك بتلك الأجسام الجهنّمية الطائرة إلاّ بسورة الطير الأبابيل التي ترمي بحجارة من سجيّل …" هل أنّ في التراث الأدبي والديني وفي كتب التاريخ والسير إجابة لكلّ أسئلة هذا الواقع ؟
 
 يصعب أن نجد إجابة لكل أسئلة هذا الواقع في كتب التّراث بمختلف فروعه. ولكن ما قصدته هو أنّ تلك الوقائع التي هزّت أمريكا والعالم هي عندي غريبة غرابة تفسير وقائع مثلها حدثت في تاريخنا العربي الإسلامي وامتلأت بها الذّاكرة الشعبية حدّ الشّبع دون أن تجد لها تفسيرا علميا. فسعت إلى تفسيرها تفسيرا ما ورائيا يُقنع المخيال الجمعي ولكنّه يُربك العقل الفردي.
 
n سقوط اليديولوجيات هل يخدم الفنّ أم يقتله ؟
 هل يمكن أن يعيش الفنّ خارج الايديولوجيا ؟
 
 لقد نظّر "جدانوف " لأدب الثورة الخارج من معطف "الواقعية الاشتراكية" والمغلّف بالمطرقة والمنجل. أدب يصنع التّاريخ يسقي الفولاذ بعرق العمّال ويملأ الحقول بالزّنابق والرّياحين. أدب يبشّر بانتصار الخير على الشّر في إطلاقية بدون حدود.
            شخصيّا سحرتني "الواقعية الاشتراكية " في بداياتي خاصّة بعد قراءاتي لأعمال "مكسيم جوركي " و"الكسي تولستوي" و "قسطنطين سيمونوف" و"جنكيز اتماتوف" وغيرهم من روّاد هذا الفن. ولا غرابة في ذلك، فحين تكون ماركسيا لينينيا يصبح من البداهة أن تعتنق مذهب "الواقعية الاشتراكية " وأن تتبنّى هذا الطّرح دون سواه لأنّك حين تتخطّاه إلى طريق آخر تصبح مارقا عن الطّريق القويم. كافرا بنعم المعلّم "جدانوف " عدّوا للخير والمحبّة والسلام.
            ولكن مع ذلك هل يمكن للإنسان أن يعيش بدون ايديولوجيا ؟ هذه واحدة من المستحيلات! فالإنسان المستقلّ هو إنسان مستقيلٌ. والأدب هو نبض الحياة من خلاله نطل على الدّنيا من كوى وشبابيك شرقية وغريبة تصنع مشهدًا "بانورامي " يستحيل على الايديولوجيا أن تسجنه أو تُدجّنه ولكنها مع ذلك تترك أثرها عليه.
 
n الرواية "فنّ المستقبل" هكذا نعتها جبرا ابراهيم جبرا.هل يعني هذا أنّها قـــد أقالت الفنـــون الأخرى ؟!
 
 الرّواية هذا الفن القادم من الغرب مع بواريد "نابليون بونابارت" هذا الفن الذي يحاكي الحياة دون أن يصنعها. هذا الفن الجديد الذي قتل فنوننا السّردية العربية القديمة واستأسد فوق قبرها هاتكا فاتكا لأنّه في الوقت الحالي الأقدر من بقيّة الفنون المكتوبة على الإخبار على أحوال الدّنيا والنّاس.
            ولكن هل ستكون الرّواية " فنّ المستقبل " في العالم أجمع ؟ أشكّ في ذلك! قد تكون " فنّ المستقبل " في الدّول المتخلّفة علىركب تكنولوجيا الاتصالات الحديثة ـ والدّول العربية ـ واحدة منها. ولكنّها لن تكون كذلك في بقية دول العالم الرّاقي لأنّ الصّورة هي التي ستسود العالم خلال القرون القادمة ولن يبقى للكلمة المكتوبة هذا الطّغيان المقدّس .
            سيكون "الفيلم " التسجيلي واللـقطة المشهدية ونشرات الأخبار المصوّرة على أجهزة التلفاز. وغرائب " الأنترنات" فنون المستقبل التي ستجعل أحفادنا ينظرون إلى "الرّواية " نظرتنا الحالية إلى "الخرافة " و"الأسطورة" و"المقامة" .
 
n عندما تنوي خوض تجربة ابداعية ما . هل تنبجس في ذهنك أوّلا صورة المكان أم صورة الشخصيّة أم الأحداث ؟!
 
 قد أبني نصّي من خلال حدث بسيط لدى عموم النّاس، ولكنّه يهزّني هزّا عنيفا فأختزنه في عقلي الباطن مدّة قد تطول أو تقصر لأكتب من خلاله بعد ذلك قصّة قصيرة أو أصوّر به شخصية من شخصيات رواية كما أنّ للأمكنة سلطانها عليّ خاصّة عندما تجعل أحداثا وقعت فيها تتداعى داخل مخيلتي المتخومة بالأمكنة والأزمنة. فأنـا مهووس بأنّني عشت أعمارا كثيرة في أمكنة مختلفة من هذا العالم وفي أزمان متباعدة منذ بدايات التّاريخ. فأمكنة كثيرة توحي لي بأنّني عشت فيها حيواتي الماضية وأشخاصا أراهم لأوّل مرّة أحسّ بأنّني عايشتهم في مرّات سابقة من أعماري المتعـدّدة.
 
n وصف أحد الجامعيين الرواية قائلا هي : "جنسا أدبيا امبراليـا على الاطلاق " وقال عبد الرحمان منيف في "الكاتب والمنفى" إنّها لا تطالب برأس أحد. ما رأي ابراهيم درغوثي ؟!!!
 
 الأستاذ محمد القاضي مصيب في رأيه. فما يميّز الرّواية عن غيرها من أجناس السّرد الحديثة الأخرى هو هذه الرّحابة في مساحتها القولية التي تمكنّها من احتواء القصّة والمسرح والسينما والرّسم والخرافة والشّعر في تجانس أخّاذ.
            الرّواية الناجحة "سينفونية" من الأصوات يمتزج فيها "الدّو" ماجُورْ (Do majeur) مع الـ"سي" مينور (So -mineur) دون أن يكون هناك نشازُ يُذهب بمتعـة المتقبّـل.
            لكلّ هذا امتنع

المزيد


مع الروائي صلاح الدين بوجاه

سبتمبر 2nd, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

حِــكاية نخّاس الحكايا أو قصة الكاتب صلاح الدين بو جاه

الذي يركب الرواية والقصة القصيرة ويرتكب النقد ويداور السياسة

حاوره : كمال الرياحي

kamelriahi2@yahoo.fr

تجدّف بك سفينة إبداعه نحو عوالم التراث السردي فتشتمّ منها عبق المخطوطات وكتب التراجم و أدب الرحلة.وتجنّح بك السّفينة لتحملك في طبق طائر وتقذف بك في مجرّات مظلمة من العبث والسريالية فتتقلّب في مناخات كابوسية تذكّرك بعوالم كافكا وترمي بك أمواج السرد أحيانا في عجائبية غريبة تبقى عندها مشدوها هل أنت عند ماركيز أم أنت في جراب السندباد تشاركه رحلاته أم أنت بطلا من أبطال المخيال الشّعبي , وتنحرف بك السفينة مرة نحو عوالم اللاّمعقول فتدخل بك "مقاصير" السحر والشعوذة والطفولة الملتبسة لتكرع من نهر   الأسرار وعوالم الغيب وتأسرك مرّة كتابة الجسد وكتابة الأشياء ولغة الكتابة .من هو ؟ هو بكل سخف الأسماء واختزاليتها المميتة :صلاح الدين بو جاه من أهمّ الأصوات الروائية في تونس , لفت إليه أنظار النقّاد والباحثين منذ نصّه البكر "مدوّنةالاعترافات"1985 فنزل هذا النصّ ضيفا على بحوث جامعيّة كثيرة في تونس وخارجهاومازال إلى اليوم يغري النقّاد والقرّاء معا لما توفّر فيه من صنعة روائية غير مسبوقة استفادت من الأشكال السردية التراثية . لم يتوقّف بو جاه عند هذا النّص بل ظلّ يباغتنا كلّ حين بنص جديد رغم مشاريعه الجامعية ونشاطاته السياسية التي نحسب أنّها أكلت من وقته الإبداعي الكثير .
ولد بالقيروان سنة 1956 ليكون كاتبا تونسيا متميّزا يسهم في الحركة الثقافية العربية منذ السبعينات .عرف في المشرق العربي بإسهاماته النقدية والقصصية والروائية .صدرت أعماله في كل من تونس وبيروت والقاهرة ودمشق .عضو باتحاد الكتاب التونسيين واتحاد الكتاب العرب .انتمى إلى الجامعة التونسية منذ منتصف الثمانينات .شغل خطة عميد كلية الآداب بالقيروان .عضو الجمعية المغربية للآداب المكتوبة بالفرنسية وعضو هيئة تحرير مجلة الحياة الثقافية .قدم عديد البرامج في الإذاعة والتلفزة حصل على الجائزة الوطنية للآداب سنة 2003 وناقش أطروحة دكتوراه دولة في الأدب المقارن حول الرواية التونسية المكتوبة باللسانين العربي والفرنسي .من أعماله المنشورة في المجال النقدي :
الأسطورة في الرواية الواقعية ’بيروت ’1990
الجوهر والعرض في الرواية الواقعية’بيروت’1992
مقالة في الروائية’بيروت’1994
كيف أثبت هذا الكلام؟ تونس ’2004
وصدر له في المجال الإبداعي :
مدونة الاعترافات ’تونس ’1985
التاج والخنجر والجسد ’القاهرة ’1992
النخاس,تونس 1995
السيرك’بيروت 1997
سهل الغرباء ,تونس 1999 ,القاهرة 2000
لا شيء يحدث الآن,تونس 2000 ,القاهرة 2003
من مخطوطاته:
وجوه ,بورتريهات
حمام الزغبار ,رواية
 هذا الحوار يسلّط الضوء على تجربة الرجل القصصية والروائية ويحفر عميقا في ملامح بوجاه بحثا عن حقيقة الطفل الذي يحمله ,وعن المناخات التي أثّرت فيه فدفعت به إلى ارتكاب الكتابة ,في اللقاء سياحة مختلفة في فضاءات السحري والعجائبي والكابوسي والسياسي . 
 
n قرأنا لك حديثا عن روايتك البكر "مدوّنة الاعترافات والأسرار" تقول فيه : "العمل الأول يختزل تجربة صاحبه إذ يكون بمثابة البذرة التي تختزل حلم الشجرة"، الآن وقد مرّ على روايتك البكر ما يناهز العشرين سنة أما تزال ترى فيها البذرة التي قام عليها مشروعك الرّوائي أم أنّ هذا المشروع قد اتّخذ مسارات مغايرة وطَرَق سُبُلا لم تكن في ذهنك إبّان فراغك من الرواية نطفة المشروع ؟
oo "البذرة التي تختزل حلم الشجرة"، هذا تعبير قديم يُفيد أنّ المشاريع تكون مختزنة في كلمة أحيانا، أو فكرة، أو ما دونها، والحق أنني اليوم، بعد مرور سنوات طويلة عن بداياتي الأولى أعود لتأكيد هـذه الفكرة ! فكرت أولا في قول العكس، كأن أقول أن مشروع الكتابة عندي قد اتّخذ مسارات كثيرة جديدة بحيث بدا مختلفا عن استهلالاته، ثم استقر الأمر عندي دون عناد أو مناكفة للجزم بأن "مشروع الكتابة"، إن كان لي مشروع كتابة حقا – قد انطلق مع بداية السبعينات حين أقبلتُ على عرض قصصي القصيرة الأولى على مجلات تونسية وعربية.
وأجدك تعيدني إلى بداية الثمانينات، وبالتحديد إلى المقدّمة التي شفعتُ بها "نصّي" الأول. فعلا طال الحديث بعد ذلك، فهناك من قال إنه لا جدوى من أن يُرفق النص الأول بمقدمة، وهنالك من رأى أنها غير مناسبة لنص قصير، فادعاءاتُها كثيرة متنوعة، ومُنجزه محدود قليل !!
موقفي لم يتغيّر ! لا أجدني اليوم مدفوعا إلى تبرير أي شيء أو الاعتذار عن أي شيء ! كل ما هنالك أنني أعلن الآن أنّ تصاريف الحياة والتجارب، وتنوع الاطّلاع الثقافي العام والروائي الخاص قد أدّت بي إلى تغيير ملامح أسلوبي، بحيثُ بدا مختلفا عن البدايات. وهذا طبيعيّ، فليس هنالك من يُحافظ على السمات الأسلوبية نفسها، وعلى معالجة القضايا ذاتها. لهذا أعود لتأكيد الجملة التي افتتحنا بها هذه الكلمة "البذرة التي تختزل حلم الشجرة". هذا لا ينفي أن "المشروع" قد اتّخذ مسارات مغايرة وطرق سبلا جديدة لم تكن في ذهني إبّان الفراغ من الرواية النطفة. ولا أخفي هنا أنّ أسعد لحظات حياتي كانت تلك التي قال فيها الأستاذ توفيق بكار والناشر الأستاذ محمد المصمودي، في دار الجنوب بتونس، بعد أن دفعتُ إليهما بعملي الموالي لرواية "النخّاس" : "فعلا… هذا أيضا موسومٌ بأسلوب بوجاه / C’est du Bougeh !". في ذلك الوقت علمتُ أنّني قد تمكّنتُ من ابتداع أسلوب خاص بي، والأسلوب هنا لا يتعلّق بظاهرة اللغة فقط، إنّما يتّصل بحيثيّات السرد، والمضامين أيضا ! وقصارى ما هنالك أن "مدوّنة الاعترافات والأسرار" كانت تتضمّن اهتماما بـ"المفارقة" و"تعريضا بالمستقر" و"اختيارا للألفاظ النقيّة" في الغالب الأعم و"ميلا إلى الحلم والفنطازيا والعبث"… وهذه هي ذاتها السماتُ التي تطبع أعمالي الموالية حتى اليوم. كل ما هنالك أنها قد اتّخذت ألوانا جديدة، وأضيفت إليها ظلال أخرى مستحدثة، وخاصة في مجال التخفّف من "صفوية اللغة" واسلاس القياد نحو استعمال العربية قريب من اليومي… أو قُل "إنّه يميل إلى أن يكون قريبا من الجملة العربية العادية اليوم". والحق أنّ الأمر عندي ليس من باب التألّق، إذ التعلق القديم بالفصحى هو الذي يعيدني إلى طفولتي، وإلى كتب الوالد، وإلى المدوّنة التراثية التي نهلتُ منها.
n انشغلت روايتك البكر في نزعتها التجريبية بالهاجس اللغوي أو "الواقع اللغوي" كما عبّرت عنه فكانت اللغة تجهد لتتماسّ مع الأعجاز بما طفحت به من شاعريّة، و ما توفرت عليه من ترميز وما انبنت عليه من تكثيف، أهو الإيمان بأن المشروع الرّوائي هو مشروع لغوي أوّلا وأخيرا أم أنّه الانتصار للغة بوصفها إحدى المكوّنات الهامة والركائز القويّة لحضارة من الحضارات ؟
oo النزعة التجريبية، والهاجس اللغوي، والرمز، والأبعاد الحضارية… كانت الركائز التي انطلقتُ منها. كنّا في منتصف السبعينات نستند إلى نصوص متباينة : مدونة كرم ملحم كرم، "الإنسان الصقر" لعز الدين المدني، "حدّث أبو هريرة قال" للمسعدي… فضلا على نماذج كثيرة من النشر العربي القديم التي استهواني الاطلاع عليها، والاستناد إليها، بالإضافة إلى التراث الغربي متمثلا خاصة في مزيج من كافكا، وجان بول سارتر والشعر الحديث، على يد أعلامه المعدودين مثل بودلير ورامبُو وفرلين ! هذا هو المزيج غير المتجانس الذي استند إليه، فإذا أضفتَ إليه القرآن الكريم، والأناجيل، انتبهت إلى أنه أمشاج شتّى من الغرب والشرق تمازجت بالشائع من أدب الستينات والسبعينات. بيد أن محاولاتي الأولى، مثل كتابتي الراهنة، لم تنتهج درب "الأدب المناضل" أو "الواقعيّة الاجتماعية"، كتابتي ردة فعل على هذا التيّار، باختياراته الأسلوبية والمنهجية ومواضيعه وأغراضه.
بالنسبة إليّ لا قيمة لدراسة الأبعاد الاجتماعية إلا في كنف التعامل مع الأغراض الوجودية الكبرى، مثل الحياة والموت، والولادة واللذة والألم والبداية وخوف النهاية. ليس الأدب فعلا سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا… إلا في نهاية المطاف ! إنه فعل عميق جاد يرقى إلى مستوى النصوص الكبرى، الشعر، المسرح اليوناني، الكتب السماوية. لهذا أتشبّثُ بسعي النص النثري العربي إلى الشاعرية، أو قُل تشبّث النثر بأفق الشعر يمتح منه أساليبه ويعالج قضاياه.
ليس الأدب سعيا سياسيا أو اجتماعيا، وليس الأديب رجل صحافة، أو رجل ضرب من الأحزاب. الأديب أرفع من هذا ! أو فلنقل أنه مختلف مغاير، وكفى ! لكل مهمّته ووظيفته. لهذا نجزم بأن الأديب ليس مترجما، كما أنه ليس رجل معارضة ! الأديب "معارض" بالمعنى العميق، بل العميق جدا. الأديب ليس معارضا سياسيا، إنه "معارض" للمجتمع، معارض للخيارات الإنسانية الكبرى… من حيث هو مسهم في الجدل الأصيل حول الإنسان، وتجربته الروحية العميقة. بهذا المعنى ندرك أنّ الأديب محرّك للوجود، ومُثَوِّرٌ للمستقرّ، ومُسهم في معارضة التفسيرات القاصرة المحدودة، ومُشجّع على تبنّي التوازن الروحي في وجود لا يكاد يؤمن إلاّ بالظاهر المادي المحسوس. على هذا الأساس ينبغي أن ينهل الأدب من التجارب الصوفية، ويكون فنطازيا سرياليا في بعض توهّجاته الكبرى !
n لامك بعض النقّاد على التوطئة النقدية التي أردفتها بروايتك "مدوّنة الأسرار" ورأوا فيها إسقاطا كان يجمُلُ بالكاتب تركه للنقاد والاكتفاء بتقديم عمله الإبداعي، تاركا إياه يتحدّث عن نفسه دون أن يسطّر له التأويلات الممكنة أو يشرح له ما أشكل أو يساعد القارئ على فتح مغالقه فيظلّ النص بذلك ببهائه ورونقه، وقد لاحظنا عزوفك عن هذه المسألة /التوطئة في أعمالك اللاّحقة، أكان ذلك من باب تطييب خاطر النقاد أم أنه اقتناع فعلي بأن ما تطلّبته باكورة أعمالك الرّوائية من توضيح – بوصفها العمل البكر – لا تحتاجه بقية رواياتك ؟
oo فعلا، العمل الأول يختلف دائما عن الأعمال اللاحقة، وقد سلف أن أكدتُ أنه "مثل صندوق الأم يحوي "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". إنه يحوي المتناقضات المتنوّعة الكثيرة، لذلك يحسن أن يُشفع بمقدمة تدعمه وتفسر مغاليقه وتُسنده. والحق أن وضع مقدمات بين يدي الأعمال ليس بالبدعة، خاصة بالنسبة إلى الأعمال الأولى… سواء من قبل الكتاب أنفسهم أو من قبل بعض أصحابهم. انظر على سبيل المثال سلسلة "عيون المعاصرة" تجدها تضم أفضل المقدمات التي أنشأها كتاب، أو نقاد، يتناولون العمل المنشور بالنظر الأدبي الرفيق، فيضيفون إلى فهم القرّاء ويمهّدون الطريق أمامهم.
ولعلّ الحرج الذي قابل به النقاد مقدّمة العمل الأول "مدوّنة الاعترافات والأسرار" يعود إلى أنها كانت فعل بين "المقدمة" و"البيان"، أو لعلها كانت إلى البيان أقرب. فعلا كانت بيانا مشفوعا بأنموذج مما يدّعي صاحب البيان. وكان من الطبيعي أن ينشأ تفاوتٌ بين النظري والتطبيقي، فضلا على أن الناس لا يستطيبون بيانا يصدر عن كاتب لم يُنشئ حتى ذلك الحين إلا بعض القصص القصيرة المنشورة في عدد من المجلات. لعلّهم كانوا ينتظرون بيانا ممّن ترسخت قدمهم في عالم الكتابة القصصية. لهذا نشأ عندهم حرج واسع بين قبول "المقدمة-البيان" أو رفضها، ورفض العمل الإبداعي الذي يصحبها.
n جاءت لغة روايتك "مدوّنة الاعترافات" مع قوّتها ومتانتها لغة شفافة ومتألقة، كثيرة الرواء، مفعمة بالشاعرية. أكان ذلك راجع إلى كثافة حضور الذات في الرواية بوصفها العمل البكر أم هو الحنين يشدّك إلى التجربة الشعرية أم هو الاعتقاد في أن الطابع الشعري ضروري لتقع الرّواية من الأنفس المتلقية موقعا حسنا ؟
oo أجنَحُ إلى الإقرار بالعفوية. لهذا أقول هنا : تلك هي الطريقة التي كنت أحسن استعمالها. فعلا، ذلك هو الأسلوب الذي ورثتُ عن الأغاني، ونشوار المحاضرة والكامل، والعقد الفريد، والمقامات، والأدب الكبير، فضلا على مطالعاتي الغربية التي تحتفظ منها "المدوّنة" خاصة بعمل شهير، سلف أن توهّتُ به، هو "التحوّل" فرانز كافكا. كنت في ذلك الوقت قد قرأتُ "التحوّل" فراقتني كثيرا، لم أكن قد اطّلعتُ بعد على ما نشأ حولها من نقد، بل ما تراكم من آلاف الصفحات حول الكتابة عند فرانز كافكا، وحول تمثيله لمرحلة مهمّة في تاريخ الرّواية الغربية. لقد شعرت بقيمة الكتاب، وأغوتني بنية كتب أخرى لكافكا، مثلا "المحاكمة" أو "القضية، فانتبهتُ إلى أننا إزاء مشكلة وجودية أصيلة، فضلا على الإحساس بالحصر الذي يخصص عصر كافكا. في ذلك المجال من العبث، والإحساس بضيق الكائن، تحرّكت رغبات الكتابة عندي، فألفيتني في عملي الأول أحن إلى بهاء الأسلوب [فيما ورثتُ عن قراءاتي العربية] وإلى أشكال البنية وتداخلها، وتعقد المعاني. لهذا كانت "المدونة عملا مثيرا للاستفهام خاصة ببنية الحاشية والمتن، التي استعارها للمرّة الأولى في تاريخ الرواية التونسية المعاصرة.
n راهَنَتْ رواياتك إجمالا ورواياتك البكر تحديدا على التراث اللغوي تنهل من منابعه وتستلذّ ثماره المعتّقة وتنثر عنه غبار الزمن باعثة فيه روحا جديدة تستجيب لإشكاليات المرحلة. فهل ترى أنّ الاستفادة من الموروث هي إحدى الإمكانات المتاحة للمبدع وهو ينسج نصّه أم أن استلهام الموروث وهضمه وتجاوزه هو شرط إمكان كتابة تتميّز بالخصوصية وبطرق قضايا الراهن ؟‍!!
oo أحتفظ بقولك "إن استلهام التراث، وتجاوزه، هو شرط إمكان كتابة تتميّز بالخصوصية وبطرق قضايا الراهن". أضع استلهام التراث عند ركن الزاوية. فعلا، فهو حجر الأساس بالنسبة إلى كل بناء جادّ ينشد البقاء. ليس في إمكاننا بناء معلم باق إلاّ باستلهام التراث، والانطلاق منه والنسج على منواله. لكنّ شرط التجاوز من الشروط الأساسية في هذا البناء. انظر الهندسة المعمارية مثلا، تجدها تطبّق هذه المقولة تطبيقا رصينا أصيلا كاملا. لهذا فإنني أعتقد أن النصوص الجيّدة تبنى لا محالة على مزيج من النصوص القديمة المستقرّة، أما البناء من عدم، أو قل "ادّعاء البناء من عدم" فأمر مردود لا يكون أصلا.
وقد يكون من الطريف أن ألاحظ هنا أنّ تجارب الكتابة عندي قد نشأت، أول نشأتها، تراثية صرفا، وليس في ذلك أية غرابة، إن كنت تحت تأثير الكتب التراثية الكثيرة التي طالعتُ في مكتبة والدي، فانبثقت كتاباتي الأولى من قبيل المحاكاة، فـ"الأدب" بالنسبة إليّ هو ذاك ! بالإضافة إلى أنّ والدي الزيتوني لم يكن يعرف مفهوما مغايرا للأدب. أودّ هَهُنا أن توقف بعض الوقت للإلحاح على دور والدي في تكويني، خاصة في المرحلة الأولى، لقد كان معلما فعليا بالنسبة إليّ، معلما في الصرف والنحو، بل في الرياضيات والعلوم الطبيعيّة… قل إنه المعلم الشامل، وكفى. جعلت شخصيّته بقية شخصيات المدرسين في الابتدائي والثانوي تمضي غير ذات قيمة، إلا فيما ندر ! وقديما كان النقّاد حين يكتبون ترجمة أديب أو شاعر يشيرون إلى شيوخه. شيخ شيوخي كان والدي، بتكوينه التقليدي الذي كان يميل إلى النثر، ولا يحفظ من الشعر إلا شواهد قليلة دالة، بالإضافة إلى إشاراته المتكرّرة إلى المعلّقات.
في هذا الباب يمكن أن أقول إن تجربتي في الكتابة تستند إلى طبقات، بل هي طبقات متراكمة : الطبقة التقليدية التي ورثت الأدب عن بداية القرن العشرين [أو قل آخر التاسع عشر] مع جبران خليل جبران وكرم ملحم كرم خاصة، ثم عقبتها طبقات شتّى متنوّعة بدخول الفرنسية في تكويني، وإضافة عوالمها الشيّقة جدا، خاصة عالم السريالية الذي بقي عالما شيّقا جدا، إذ أتاح التعبير عن العقلاني، والتخييلي الاستيهامي في وقت واحد ! في طفولتي كنتُ أسأل نفسي كيف أعبّر عن خيالات الصبا الأول بكيفية رصينة متوازنة، ثم حدث انشطار عندي فصرتُ أميّز بين العالمين… حتى كان كافكا من ناحية، والسريالية الفرنسية من ناحية أخرى، فتمكّنتُ من قول الهجنة التي تسكنني. لذلك تعثر في كتاباتي اليوم [في تناولي لقضايا الحياة والموت والبداية والنهاية والمتعة والألم] عن مزيج غير متجانس بينها جميعا !
n قال بعضهم إنّ بنية نصّك "مدوّنة الاعترافات…" يعتريها شيء من التفكّك على ما في النص من طرافة فكرة وسلاسة لغة وثراء خطاب، بهذا المدى الفاصل بين زمن كتابة الرّواية وزمن قراءتك لها اليوم. هل ترى فيها هذا الرأي أم ترى أن كفاءة التلقّي ما تزال تنفر من الجديد الصادم وتأنس بالقديم المألوف ؟ ألا ترى معي أن الذائقة الرّوائية والإبداعية عموما تكشف عن ملامح الذهنية العربية الشرقية وعن آليات اشتغالها ؟
oo ليس القارئ مجبرا على "رأب الصدع" في البداية كنت أحمله ما لا يحتمل، فأقول إنه ينبغي أن يُسهم في كتابة الرّواية برأب الصدع، أو تصوّر النقائص وملئها. والحق أنني أميل اليوم للإلحاح على أن العمل الأول "مدوّنة الاعترافات والأسرار" كان فعلا "عملا أول"، بما يتضمّنه ذلك من إشارات إلى البكارة والبداية واكتناز التجربة… لكنه أيضا كان عملا أول من حيث النقائص الكثيرة التي يتضمّنها. كنتُ أوحيتُ فيما سبق أنّ الاستناد إلى التراث بالنسبة إليّ يعود إلى سببين : أوّلهما تكويني وأثر والدي، وثانيهما اختيارٌ معقلن يقضي بوجوب الاستناد إلى التراث. حدث ذلك بإيجابياته وسلبياته. وهنالك مسألة يمكن أن تكون دالة هنا، وهي الاختلاف بين الثقيل المشرقي والتونسي. لقد نشرتُ في القاهرة رواية ومجموعتين قصصيّتين، ويمكن أن أقول أن القارئ المصري، أو قل المتأدب المصري، مطّلع على ما أكتب ويقبله قبولا عاديا، أمّا القارئ التونسي فيميّز بين التراثي في "المدوّنة" خاصة و"غير التراثي" مثلما ظهر في الأعمال اللاحقة.
إلى جانب خياراتي الأسلوبية أحيل على "أفق التقبّل"، أفق التقبّل في مصر – وفي المشرق عموما – يختلف عن أفق التقبل في تونس، خاصة أن أعمالي الأولى ظهرت مباشرة بعد انتشار "الأدب النضالي" الذي لا يعني بالنسبة إليّ أيّ شيء، بنضاليته الفجّة وانغماسه المبالغ فيه في الواقع اليومي المعيش.
n لنبقى مع اللاّئمين، فنذكر لك ما عابه عليك الدكتور مصطفى الكيلاني – بعدما أطنب في الإعجاب بالرّواية – من تجريد فيقول في مؤلّفه : "صلاح الدين بوجاه قد أعاد في هذه المحاولة الروائية طرح إشكالية اللغة الإبداعية في المجال الروائي والمسألة الحضارية معا في زمن نحتاج فيه إلى مثل هذا الطرح بغية إنشاء رواية عربية أصيلة حديثة، ولكنّنا نعيب على هذا الطرح طابعه التجريدي".
هل كنت قصدت ذلك التجريد حتى يكون عملك الإبداعي أفّاقا ومتحرّرا من حمولات الواقع وما يرشح به من إسفاف، أم أنّك كنت تسير في طريق كان قد بدأ تعبيدها المسعدي بأعماله الشهيرة ؟
oo هو بين هذا وذاك في الوقت نفسه. فقد سبق أن قلت إنّ ثقافتي الأولى تقليدية، مما جعل أمامي أفقا تقليديا لقول ما أريد أن أقول. قد يكون الأمر ناتجا

المزيد


مع مع الروائي اللبناني رشيد الضعيف

سبتمبر 2nd, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

الرواية الممتعة هي بالضرورة رواية سائلة متسائلة.
يستحيل أن أكتب   تحت الطلب.
 .
 
" أنا الآن سعيد في هذا الوسط الذي أعيش فيه , سعيد في هذه الجامعة اللبنانية حيث أعمل أستاذا في قسم اللغة العربية و آدابها في كلية الآداب , و أقبض راتبا يسمح لي , رغم كل الغلاء و التضخّم و ما إليهما , بأن يكون عندي بيت (ايجار قديم بالتأكيد) في حي فخم من بيروت , فوق منطقة الحمراء , قرب أوتيل البريستول الفخم . على مقربة من منزل رئيس الوزراء الحالي السيد رفيق الحريري , أحد أغنياء العالم ." ….." أنا رجل مطلّق بعدما كنت متزوّجا من فرنسيّة , تعرّفت إليها في باريس أثناء إقامتي هناك من أجل تحضير الدكتوراه في الأدب العربي , و هي الآن مقيمة في بلادها لا يبلغني منها ما يزعجني , و لا يبلغها مني ما يزعجها [..] لي منها بنت صارت صبية .." من رواية ليرنينغ انغلش ص21
هكذا يتداخل الواقعي و المتخيّل في أعماله فالراوي بعد أن يوهمك أنّك بإزاء سيرة ذاتية يفاجئك بقوله :" و أحبّ كثيرا عبارة رشيد الضعيف الشعرية الواردة في كتابه الشعري الأوّل " حين حل السيف على الصيف" : " حين تمطر السماء أوّل مرّة بعد انتهاء الصيف , تطمئن نفسي لانتظام الفصول " ليرنينغ ص21 و يقول في حوار سابق :" إنّني متآمر على الواقع و منها تآمرت على التاريخ و كل تآمري كان من أجل كتابتي الروائية …" و يقول:" الرواية فنّ مبني على الحشورية " و يقصد فضول القارئ و حبّه للتجسّس على حياة الكاتب و حدائقه السرّية لذلك لا يتردّد في تلوين رواياته بمناخات الذاتي من خلال مجموعة من الشيفرات و العلامات كالتي قرأتموها في الفقرة المقتطفة أعلاه .
صدر له مؤخّرا رواية أثارت جدلا نقديا وسط الساحة الثقافية العربية , فمن النقاد من رآها إحدى روائعه الفنّية وتمثّل منعرجا في تجربته الروائية و من النقاد من رآها مخيّبة للآمال برهانها على المتعة دون أن يكون لها هاجس آخر خاصة ان عنوانها المبهم يوهم بغير ما حملت , فهي شديدة الحيادية في زمن لا حياد فيه , حتّى إن أحدهم وصفها بأنها ذات روح إستشراقية .وقال عنها  الشّاعر أمجد ناصر في مقال بعنوان "بغداد على وقع الطرب لا الحرب" :" فضيلة رواية رشيد الضعيف الوحيدة، ربما، هي استعادة بغداد التي كان يستخفها الشعر والأنس والطرب، بغداد عاصمة العالم كما كان يعرفها أناس تلك الأيام، أمام بغداد، اليوم، التي تتكالب عليها جيوش وقطاعو طرق جاءوا من كل فجَّ عميق.
"
حول هذه الرواية و سابقاتها يدور هذا الحوار مع الروائي اللبناني رشيد الضعيف صاحب هذه المدوّنة :
في الرواية :
·       المستبدّ 1983
·       فسحة مستهدفة بين النعاس و النوم 1986
·       أهل الظلّ 1987
·       تقنيات البؤس 1989
·       غفلة التراب 1991
·       عزيزي السيد كواباتا 1995
·       ناحية البراءة 1997
·       ليرنينغ انغلش 1998
·       تصطفل ميريل ستريت 2001
·       إنسي السيارة 2002
·       معبد ينجح في بغداد 2005
في الشعر
·       حين حل السيف على الصيف 1979
·       لا شيء يفوق الوصف 1980
·       أنسي يلهو مع ريتا , كتاب البالغين ,
·       أي ثلج يهبط بسلام 1993
حول توظيف التراث السردي في الرواية و تقاطع السير ذاتي بالتخييلي و الكتابة بعيون الآخر و استراتيجية السؤال و علاقة الرواية بالحياة و بالأجناس الأدبية الأخرى و عن المبدع الأكاديمي …. حول أنسجة هذه الأسئلة و سواها يتمدّد هذا الحوار :
 
1 - هل تمثّل رواية " معبد ينجح في بغداد " تحوّلاً في مشروع رشيد الضعيف الروائي ؟
-أردتُها أن تكون كذلك. والحقيقة أنّ هذا التحوّل كان تدريجيّاً وقد بلغ أوجه في روايتي "انسي السيّارة" التي سبقت "معبد…" فقد استمددت كثيراً من أحداث هذه الرواية من الكتب التراثيّة، و"عصرنتها" ومن يعرف هذه الكتب التراثيّة يتعرّف دون عناء على هذه الأحداث.
 
2- اتّهمك أمجد ناصر في مقاربته لهذه الرواية بأنّك كنت تقدم للغرب الصورة الاستشراقية المكرّسة من خلال شخصيّة معبد المغنّي و انّ "عينيك كانتا على الترجمة" فيقول بالحرف الواحد في مقال مثير : .
فهذه مادة وفيرة ينبشها رشيد الضعيف من بطون الكتب، وعينه، أغلب الظن، علي الترجمة، التي تتلقف كل ما من شأنه تغذية التنميطات الغربية (الاستشراقية) عن العربي التي لم تفتر لها هّمة ولم يكلّ لها عزم رغم أفول علوم الاستشراق والمستشرقين.
" ما رأيك في هذا الكلام ؟
-لم أقرأ ما كتبه أمجد ناصر، لكنّني سأتناول مسألة "الكتابة للترجمة". لقد أراح كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" كثيراً من المثقّفين العرب في عدائهم لـِ "الآخر"، وأمدّهم بدعم مصدره سلطة إدوارد سعيد النقديّة المعترف بها عالميّاً.
فما هي هذه "الصورة الاستشراقيّة المكرّسة"؟ ليتني كنتُ أعرفها!
هل تعلم أنّ غالبيّة أحداث "معبد ينجح في بغداد" مأخوذةٌ من كتاب الأغاني، وأنّ معركة بغداد أخذتها من مروج الذهب للمسعودي؟
لا أظنّ أنّ من قرأ هذا الكتاب يمكن أن يرد على باله لحظةً أنّه كتب ليترجم. فمن يستطيع أن يترجم هذا الشعر الذي فيه مثلاً والذي هو في أساسه؟ ومن سيترجم هذا الجهد اللغوي الذي فيه، واختلاف الأساليب الذي اعتمدتها، لتناسب العصور العربيّة المشار إليها من الجاهليّة مروراً بالعصر العبّاسيّ، وحتّى اليوم؟ لكنّني سأكون لا شكّ سعيداً جداً إذا استطاع أحد، مستشرق أو ابن بلد، أن يقوم بترجمته إلى أيّ لغة كان.
 
3- هل التفاتك إلى التراث السردي , و أنت الروائي الحداثي المعروف بأسلوبه الغربي في الكتابة ,كان تماشيا مع هذا الاهتمام الكبير بالتراث و التاريخ .نقدا و ابداعا ؟
- الإجابة عن هذا السؤال هي في الوقت نفسه إجابة على السؤال السابق المتعلّق بـ "الصورة الاستشراقيّة المكرّسة".
من أين جاء اهتمامي بـ "التراث السردي"؟ أنا أوّلاً من والدين أمّيين، ولم أحسن الفرنسيّة التي هي لغتي الوحيدة الثانيّة إلاّ عندما ذهبت إلى فرنسا لأحضّر شهادة الدكتوراه وكان عمري أثناءها ستّة وعشرين عاماً. قبل ذلك التاريخ لم أكن أستطيع قراءة الفرنسيّة إلاّ بشقّ النفس. وأنا أدرّس الأدب العربي في الجامعة اللبنانيّة منذ ثلاثين سنة. لست بعيداً إذن بحكم نشأتي وبحكم عملي اليوميّ عن "التراث السرديّ". ثمّ إنني أعشق هذا التراث، وقراءتي له مستديمة. وأخصّ بالذكر كتباً كالأغاني لابن فرج الأصفهاني ومروج الذهب للمسعودي وغيرهما ممن أتمتّع بقراءتهم متعةً لا توصف!
لماذا؟
لماذا- تساءلتُ - ما زال "الخبر" الذي يرويه هؤلاء الكبار يمتّعني الآن بعد ألف سنة على كتابته؟ إنّ فيه بذرةَ الخلود الجميل لا شكّ. وتبيّن لي أنّ جمال هذه "الأخبار" الواردة في هذه الكتب عائد إلى أنها لا تريد أن تقول شيئاً إلاّ ذاتها! ليس هناك مهمّة يلقيها راويها على عاتق أبطالها. أبطالها مهما يكن شأنهم يبقون بشراً مثل جميع البشر. بطل "الخبر" يعيش ويموت ويأكل ويشرب ويخطئ ويصيب كما جميع البشر. إنّه ليس رمزاً، ولا يحمل على عاتقه مهمّات ميتافيزيقيّة ولا قوميّة ولا إنسانيّة.. إنّه بشر وحسب.
وهذا ما توافق مع تساؤلي الدائم عن سبب عدم وجود قرّاء للرواية العربيّة بالأعداد التي نتمنّى. لماذا؟
نقدّم دائما أسباباً مقبولة لا شكّ من نوع الأمّية السائدة في العالم العربيّ وتدنّي المستوى الاقتصاديّ للمواطن العربيّ والرقابة على الكتب والحدود واختلاف الأنظمة في البلدان العربيّة وما إلى ذلك من أسباب وجيهة، إلاّ سبب واحد هو دور الكاتب! فما دور الكاتب في عدم وجود أعداد مقبولة من القرّاء؟ ما دور الرواية ذاتها في عدم شدّ القارئ إليها، وما دورها في عدم تطوّر عدد قرّائها؟ فهل هي "جدّية" الرواية العربية الزائدة، وهل هي "الرسالة" التي يجب أن تحملها دائماً، وهل هو "المعنى" التي يجب أن تحمله؟
قلتُ إذن: لماذا لا أتعلّم من عدد من القدماء الكبار، وأكتب ما هو ممتع دون أن أحوّل شخصياتي إلى رموز أو نماذج، ودون أن أحمّلها مهمّات ماورائيّة وما إلى ذلك؟.. فكتاب ألف ليلة وليلة ليس كتاباً خالداً لأنّه يحمل "رسالة" أو "يريد أن يقول" شيئاً.
إنّ القارئ العربيّ إذن موجود في صلب شواغلي وأنا أجري هذا الحساب.
إنّ الأمر، كما تلاحظ، خارج تماماً عن الرغبة في "الكتابة للترجمة"، وما إلى ذلك.
أودّ الآن أن أتوقّف عند وصفك لي بـالروائي الحداثي المعروف "بأسلوبه الغربي في الكتابة". ، لا أدري ما المقصود بـ ""الأسلوب الغربيّ في الكتابة"" الروائيّة؟
 
4- أقصد الفصل بين الكتابة الروائية التي تجعل من الشكل الغربي نموجا لها مقابل التجارب الأخرى التي حاولت الاستفادة من أسلوب الكتابة في التراث السردي مثل تجربة الغيطاني مثلا , لنناقش ما قاله محمد برّادة في مقال حول روايتك " معبد ينجح في بغداد" " إن الاحتراز من كتابة رواية أيديولوجية لا ينبغي أن يقودنا إلى نشدان رواية متعة خالصة نفترضها داخل عالم لا مكان فيه لمتعة الحياد "
انطلاقا من هذا الرأي , هل المطلوب من الروائي أن يكون صاحب أيديولوجية , و همّ فكري و فلسفي ..؟ .و هل الاهتمام بالقضايا الكبرى يصنع أدبا كبيرا دائما ؟
- نعم، قال لي الصديق محمّد برّادة هذا الكلام وقرأتُه له في مقالته التي كتبها عن روايتي "معبد.." ونشرها في جريدة الحياة.
لستُ مبشّراً بمدرسة روائيّة ولا بتيّار روائيّ، وليس عندي طريقة أسعى إلى تعميمها. لذلك أقول ليس هناك ما هو "مطلوب" من الروائيّ. فإذا أحبّ أن يكون لروايته همّ فلسفيّ أو إيديولوجيّ أو ما شابه فليكن! وهناك روايات عربيّة وأجنبيّة تُعتبر أعمالاً عظيمة وأحبّها كثيراً، وهي في الوقت ذاته تحمل هذه الهموم. لكنني، أنا شخصيّاً، أريد أن أكتب رواية تناسبني. أحبّ أن أكتب الرواية التي أحبّ أن أكتبها، والتي أحقّق فيها ذاتي وحريّتي. ليس هناك قواعد في هذا المضمار.
لكنّني أضيف أنّ الرواية الممتعة هي بالضرورة رواية سائلة متسائلة. فهل أعمق من "ألف ليلة وليلة"؟ إن السؤال النابع من متعة قراءة العمل الروائيّ هو الهدف البعيد إذا جاز التعبير من كتابة الرواية عندي. أن يكون السؤال في قلب متعة القراءة ومكوّناً من مكوّناتها. هذا هدفي.
إنّ المتعة رافضة! أقصد المتعة بكلّ معانيها وأنواعها.
5- هل يمكن للكاتب أن يكون محايدا حتّى و هو يجعل من الفنّية مدار اهتمامه ؟الا تتنوّع مشارب الفنّ و تحمل تحت جلدها ايديولوجيات نائمة ؟ ألا يكون الكاتب و هو يختار أسلوب كتابة ما دون غيره , بصدد اختيار ايديولوجية ما ؟
- قلت لك إنّ المتعة رافضة! إنّ فنّية العمل تثير أسئلة أساسيّة! خذ مثلاً القصيدة النثريّة التي تتحدّث عن غصن شجرة مثلاً.. أليس في فنّيتها موقف من الشعر الموزون والمقفّى ومن المنظومة الإيديولوجيّة الملازمة؟ وذلك بغضّ النظر عن قبولك إياها أو رفضك لها.
6- شخصية معبد .شخصيّة افتراضية , لكنّها كولاّج من ملامح المغنّين الذين قراناهم في الأغاني للاصفهاني .
ما هو حجم التخييل و ما هو حجم المرجعي فيها عندما رسمتها ؟
- هذه الرواية مأخوذة في غالبيّتها من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وقسم منها مأخوذ من كتاب مروج الذهب للمسعودي. وبعضها مأخوذ من كتب أخرى كالشعر والشعراء لابن قتيبة وطبقات الشعراء لابن سلاّم الجمحي، لكنّها ليست "كولاّج".
بعد التأمّل في كتاب الأغاني رأيت أنّه يبني ترجمته للمغنّين على طريقة واحدة: أصلهم من الموالي، تشابه الصعوبات التي تعترض طريقهم إلى النجاح، الغيرة والحسد، نظرة الناس إليهم، أثر غنائهم على السامعين، الغناء في حضرة الخليفة قمّة النجاح، الخ. بنيتُ "معبد" على هذه الطريقة، وألّفته من الأحداث التي كانت تجري للمغنّين الذين ترجم لهم الأصفهاني، وزرعته في بغداد زمن الحرب بين الأمين والمأمون كما يصفها المسعوديّ (أو بالأحرى انطلاقاً من وصف المسعودي)، وكلّ حدث صغته بشكل يناسب سياق روايتي، وبنيته في المكان المناسب لهذا السياق، ومن الأحداث ما أخذتُ بدايتها، ومنها ما أخذت نهايتها، ومنها ما أخذت عنصراً واحداً من عناصرها.
وقد شجّعني على اعتماد هذه الطريقة القدماء أنفسهم، فقد كانوا ينسبون الخبر ذاته إلى عدّة أشخاص ويغيّرون فيه، وقد نسبوا خبر العبد الذي يعشق الغناء مثلاً إلى ابن سريج وإلى ابراهيم ابن الخليفة المهديّ، فلماذا لا يحقّ لي نسبته إلى المغنّي "معبد" الذي ألّفته أنا وترجمتُ له على حدّ تعبير القدماء ولماذا لا يحق لي أن أغيّر فيه؟ وقد ألّفت بالإضافة إلى ذلك أحداثاً كثيرةً بالتأكيد لتكتمل صورة معبد ومسيرته.
كان الأهمّ عند القدماء الذين أعنيهم "اتساق الخبر" (لا نقل الحقيقة!) وهذه قاعدة غاية في الأهميّة في بناء العمل الفنّي! وهي اليوم ضروريّة عندي أكثر من الأمس.
7- هل و

المزيد


لقاء خاص مع الكائن الأوركسترالي الناقدوالروائي الجزائري الدكتور عبد الملك مرتاض

سبتمبر 2nd, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , عتبات

عرفته نصا منذ سنوات بعيدة عندما كنت اتسلق صفوف التعليم الثانوي فقرأت له ما كتبه في فن المقامة.ثم عرفته من جديد في المرحلة الجامعية من خلال مؤلفاته ودراساته في الجنس الروائي ابداعا ونقدا .وفي السيميائيات وتاريخ الأدب فتعلمت منه الكثير وكنت أتساءل دائما عن حقيقة ذلك الرجل المسكون بكل تلك الهواجس المعرفية والابداعية الى أن التقيته منذ عام (2003) في أحد الملتقيات العلمية بجامعة بشار بالجنوب الغربي الجزائري .
 بعد ذلك اللقاء الذي تحدث فيه الينا بمودة كبيرة وأثنى على جهودنا في التعريف بالأدب المغاربي في هذا المنبر المتميز .وأبدى اهتماما بما نقدمه للقارىء العربي .وقبل توديعه اتفقنا على اجراء حوار نتحسس فيه بعض جوانب تجربته النقدية والابداعية فقبل برحابة صدر رغم التزاماته الشديدة ومشاريعه الكثيرة .ولكننا أجلنا اللقاء أكثر من مرة ولم نرغب في أن يكون حوارا عابرا حتى نراجع بعض مؤلفات الضيف كعادتنا دائما احتراما لمحاورنا ولأنفسنا قبل كل شيء. وعندما انتهينا من مراجعة ما وقع بين يدينا من مؤلفاته وتوصلنا الى ضبط الخطوط العريضة للحوار كان لقاء سبتمبر 2004 لقاء أدبيا متميزا مع علم من أعلام النقد والأدب في المغرب العربي .
ولأنني أحيانا أكون عاجزا عن تقديم أحد الأعلام الثقافية خاصة اذا ما كان كائنا أوركستراليا مثل ضيفنا في هذا الحوار سأشد قارئي من يده لنتسلل معا الى صفحات من السيرة الذاتية للرجل –الذي خصنا بها – حتى نتجسس بمحبة على بعض تفاصيلها.       .  
 
          ¨    ولد عبد الملك مرتــاض بن عبد القادر بن أحمد بن أبي طالب بن محمّد بن أبي طالب، وابن زينب بنت أحمد سوالي- في عاشر يناير 1935 بمَجيعة [ وأصل نطقها فيما يبدو لنا «نَجيعة» حيث إنّ العوامّ في تلك النّاحية يقلبون النّون ميماً؛ فكأنّ هذه القبيلة نجعت من أرض بعيدة إلى حيث استقرّت بها النّوى هناك]؛ بلدة من عرش مَسيردة العليا؛ ولاية تلمسان، الجزائر: من أمّ وأب جزائريّين، مُسْلميْن، سنّيَّيْنِ.
          ¨    حفظ القرءان العظيم وتعلّم مبادئ الفقه والنّحو في كُتّاب والده الشيخ عبد القادر بن أحمد بن أبي طالب بن محمّد بن أبي طالب، بقرية الْخُمَاس التي تبعد عن الحدود المغربيّة الشّرقيّة بزهاء ثمانية عشر كيلو متراً.
          ¨    التحق في أكتوبر من عام 1954 بمعهد ابن باديس بقسنطينة؛ ولاندلاع الثورة الجزائريّة أُغْلِق المعهد وتفرّق طلاّبه شذَرَ مَذَرَ في شهر فبراير من عام 1955؛ فغادر هذا المعهد فيمن غادروه إلى الأبد
          ¨    التحق بجامعة القرويّين بفاس (المغرب)  في شهر أكتوبر من عام 1955 وقطن بالمدرسة البوعْنانيّة التي أصيب فيها بمرض السّلّ، فنُقل إلى مستشفى مدينة فاس (دار الدّبيبغ)؛ وظلّ يعالج قريباً من عام كامل.
          ¨     1960 التحق بكلية الآداب جامعة الرباط (المغرب).
          ¨     1960 تسجّل في كلية الحقوق والعلوم السياسية، ومعهد العلوم الاجتماعية، بجامعة الرباط.
          ¨     1961 التحق بالمدرسة العليا للأساتذة بالرّباط .
          ¨    عضو المنظّمة المدنيّة لجبهة التّحرير الوطنيّ (1956-1962).
          ¨    متزوّج، وأب لخمسة أطفال.
 
شيوخه وأساتذته
 
          ¨    والده الفقيه الشيخ عبد القادر بن أحمد بن أبي طالب الذي حفّظه القرآن وعلّمه مبادئ العربيّة والفقه؛
          ¨    الأستاذ الأديب أحمد بن ذياب (من الجزائر) ( معهد ابن باديس بقسنطينة)؛
          ¨    الدكتور نجيب محمد البهبيتي (من مصر) ( جامعة الرباط)؛
          ¨    الأستاذ محمّد الفاسي (من المغرب) (جامعة الرّباط)؛
          ¨    الدكتور جعفر الكتّاني (من المغرب) (جامعة الرباط)؛
          ¨    الدّكتور عبد الرّحمن الحاج صالح (من الجزائر) (جامعة الرّباط)؛
          ¨    الدكتور إحسان النص من سوريا (جامعة الجزائر)؛
          ¨    الأستاذ أندري ميكائيل (من فرنسا) (الكوليج دو فرانس باريس).
 
رحلاتــــه
 
          ¨    هاجر إلى فرنسا سنة 1953 من أجل العمل، فاشتغل في أفران معامل الأستوري بالشّمال الفرنسيّ؛ كيما يستطيعَ جمْعَ شيء من المال للتّمكّن من الاِلتحاق بإحدى مؤسّسات العلم فيما بعد، فظلّ يكدح هناك لمدّة خمسة عشر شهراً.
          ¨    التحق سنة 1954، بعد عودته من فرنسا، بمعهد ابن باديس بقسنطينة؛ ولكنه لم يدرس به إلا خمسة أشهر؛ وذلك بعد أن قرّرت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة تغليقه؛ فتقطّعت الأسباب بطلاّبه وأساتذته شَذَرَ مذَر.
          ¨    التحق في خريف سنة 1955 بجامعة القرويين بفاس، لمتابعة دراسته؛ ولكنه لم يختلف إلى القرويين إلاّ بضعة أسابيع اُضطُرَّ على إِثْرِها إلى دخول مستشفى فاس لمرَض وبيل ألمَّ عليه؛ فكاد يودي بحياته.
          ¨    أتيح له أن يسافر إلى كثير من الأقطار لحضور ندوات ومؤتمرات أدبية وثقافيّة؛ فبالإضافة إلى أنّه زار كلّ البلدان العربية، وكثيرا من البلدان الأوربية؛ فقد زار الاتحاد السوفياتي سابقا مرّتين، ودُعِيَ إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولبّى الدّعوة مرّةً واحدة (1985)؛ وذلك لحضور ندوة علميّة بجامعة ريتجرس، بولاية نيوجيرزي.
 
الشهادات العلمية
 
          ¨    نال عام 1960 شهادة البكالوريا (القسم الثاني من الشهادة الثانوية)، تطوان (تقدّم إليها مرشَّحا حرّاً).
          ¨    تخرّج في يونيو سنة 1963 في كلية الآداب بجامعة الرباط، وكان الأوّل في شهادة الأدب (ليسانس في الآداب).
          ¨    تخرج في يونيو سنة 1963 أيضا في المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، ونال المنزلة الأولى بين المتخرّجين.
          ¨    نال درجة دكتوراه الطّور الثالث في الآداب من جامعة الجزائر في سابع مارس من عام 1970؛ (وهي أول درجة علمية تمنحها الجامعة الجزائرية على عهد الاستقلال): عن موضوع «فنّ المقامات في الأدب العربي» بإشراف الأستاذ الدكتور إحسان النص، ورأس لجنة المناقشة الأستاذ الدكتور شكري فيصل، وكان الدّكتور الطّاهر مكّي هو الأستاذ المناقش.
          ¨    نال سنة 1983 درجة دكتوراه الدّولة في الآداب بمرتبة الشّرف من جامعة السّوربون الثالثة بباريس بإشراف الأستاذ الدّكتور أندري ميكائيل، ورأَس لجنةَ المناقشة المؤلَّفة من خمسة أساتذة: الأستاذُ محمد أركون؛ وذلك عن موضوع »أجناس النثر الأدبي في الجزائر« [Les genres de la prose littéraire en Algérie](1931 ـ 1954).
          ¨    نال عدّة شهادات تقديريّة وفخريّة، كما كرّمته هيئات علميّة وثقافيّة جملة مرّات، منها جامعة عنّابة، وجامعة وهران، وجامعة بشّار، وجمعيّة إبداع، والشّروق الأسبوعي.
 
أنشطته ووظائفه ومهمّاته
 
   ¨    عيّن سنة 1956 مدرّسا للغة العربية في مدرسة ابتدائية بمدينة أحفير، بعد النّجاح في مسابقة أجريت لاختيار المدرّسين بوجدة، المغرب الأقصى.
   ¨    عُيّن سنة 1963 مستشاراً تربويّا للمدارس الابتدائية بمدينة وهران وضواحيها.
   ¨    التحق سنة 1963 بالتّعليم الثانويّ حيث ظلّ يعمل مدرسا للغة العربية غِرَارَ سبعِ سنواتٍ بثانويّة ابن باديس بوهران.
   ¨    عُيِّن في 16 سبتمبر من سنة 1970 مدرّساً للأدب العربي في جامعة وهران.
   ¨    عيّن سنة 1971 رئيسا لدائرة اللغة العربية وآدابها، لدى استحداثها، لأوّل مرة، بجامعة وهران.
   ¨    عيّن سنة 1974 مديراً لمعهد اللّغة العربيّة وآدابها، لدى استحداثه، لأوّل مرة، بجامعة وهران.
   ¨    انتخب سنة 1975 رئيسا لفرع اتحاد الكتّاب الجزائريين لولايات الغرب الجزائريّ لدى استحداث هذه الهيئة لأول مرّة.
   ¨    عُيّن نائبا لمدير جامعة وهران (1980-1983).
   ¨    اُنتُخب سنة 1981 عضواً في الهيئة المديرة لاتحاد الكتّاب الجزائريين وفاز بأغلبيّة أصوات الكتّاب في مؤتمرهم العامّ.
   ¨    عُيِّنَ مديرا للثقافة والإعلام لولاية وهران، لدى استحداث هذه المديريّة لأوّل مرّة، [1983 - 1986]؛ وظلّ محتفظاً أثناء ذلك بمنصب الأستاذيّة في جامعة وهران.
   ¨    اُنتخب أمينا وطنيا (قُطْريّا) مكلّفاً بشؤون الكتّاب الجزائريين (1984-1989).
   ¨    1984 رأس مؤتمر الكتّاب والصّحفيّين والمترجمين الجزائريّين.
   ¨    عُيّن رئيساً للمجلس العلميّ بمعهد اللغة العربية وآدابها، في جامعة وهران (1986-1998).
   ¨    رُقِّيَ إلى درجة أستاذ التّعليم العالي عام 1986.
   ¨    عُيّن عضوَ هيئةِ التّحرير لجملة من المجلاّت العربية والجزائريّة منها: كتابات معاصرة (بيروت)؛ فصليّة إيران والعرب، بيروت؛ أصوات (صنعاء)؛ التّراث الشعبيّ (بغداد)؛ مجلّة معهد اللّغة العربيّة وآدابها في جامعة قسنطينة؛ مجلة الدراسات الشّعبية (جامعة تلمسان)؛ حوليّة جامعة وهران (وهران)
   ¨    رأَس تحرير مجلة الحداثة التي كان يصدرها معهد اللغة العربية وآدابها في جامعة وهران.
   ¨    أسّس مجلّة »دراسات جزائريّة«، معهد اللّغة العربيّة وآدابها، جامعة وهران (1998).
   ¨    أسّس مجلّة «اللّغة العربيّة» بالمجلس الأعلى للّغة العربيّة، وكان يرأس تحريرها، حين كان رئيساً لهذه المؤسّسة التّابعة لرئاسة الجمهوريّة (1998-2001).
   ¨    عيّن عضوا في المجلس العلميّ للمركز الوطنيّ للأبحاث التّاريخيّة والحركة الوطنيّة بالجزائر.
   ¨    عيّن عضواً في المجلس العلميّ لأكاديمية جامعات الغرب الجزائري، بالجزائر (منذ استحداث هذه الأكاديميّة إلى أن حُلّت).
   ¨    1997-2000 عيّن عضواً في الهيئة الاِستشاريّة لمؤسسة البابطين للإبداع الشعري، الكويت، لمدّة أربعِ سنواتٍ.
   ¨    1998 (يناير) عيّنه ونصّبه، شخصيّاً، فخامة رئيس الجمهوريّة عضواً في المجلس الإسلاميّ الأعلى، رئاسة الجمهوريّة، الجزائر، وهو منصب دستوري.
   ¨    1998سبتمبر –2001 (يونيو) عيّنه ونصّبه، شخصيّاً، رئيس الجمهوريّة في منصب رئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة، رئاسة الجمهوريّة، الجزائر، وهي وظيفة تساوي درجة وزير.
   ¨     1999عُيّن عضواً في المجمع الثقافيّ العربيّ ببيروت.
   ¨    مثّل اتحاد الكتّاب الجزائريين في جملة من المؤتمرات الدّولية (يوغوسلافيا سابقاً، والاِتّحاد السّوفياتي سابقاً) والعربية (اليمن، والعراق، وليبيا).
   ¨    أسهم في مؤتمرات الأدباء العرب المنعقدة بالجزائر، وعدن، وبغداد، وطرابلس.
   ¨    يشرف الآن على زهاء خمسين أطروحة في جامعات وهران، والجزائر، وتلمسان، وقسنطينة، وعنّابة، وصنعاء؛ كما ناقش زهاء خمسين أطروحة جامعية؛ كما تخرج عليه خلق كثير من الطلاب.
   ¨    نشر في معظم العواصم العربية، والمدن الثقافيّة مثل فاس، ووجدة، والقاهرة، وتونس، ودمشق، وبيروت، والكويت، وبغداد، وصنعاء، والرياض، وجدّة، والظَّهران، والمنامة، ومسقط، والدّوحة، ودبيّ…
   ¨    سُجّل اسمه في موسوعة لاروس بباريس مصنَّـفاً في النقّاد؛ كما سجّل في موسوعات عربية وأجنبيّة أخرى في سورية، والجزائر، وألمانيا…
   ¨    قُدّمت ، أو تُقدَّم، حول كتاباته النّقديّة والإبداعيّة، ومنهجه في النّقد والتّحليل رسائل جامعيّة (ماجستير ودكتوراه دولة) في جامعات عنّابة، وباتنة، وقسنطينة، ووهران، وتلمسان…
   ¨    2001 (أبريل) كرّمته جامعة وهران، ودُرست أعماله الإبداعيّة والنّقديّة على مدى ثلاثة أيّام في ندوة وطنيّة.
   ¨    2001 رأس مؤتمر اتّحاد الكتّاب الجزائريّين المنعقد بالعاصمة الجزائريّة.
   ¨    2002 عيّن عضواً في مجلس الإدارة لمؤسّسة الفكر العربيّ، ببيروت.
   ¨    2002 عيّن عضواً مراسلاً في مجمع اللّغة العربيّة بدمشق.
   ¨    2002 عُيّن عضواً في الهيئة الاِستشاريّة لمجلّة »فصليّة إيران والعرب«، ببيروت.
 
أعمالــه المطبوعــة
 
أ . النقد والدراسات والتحليل:
 
1. القصة في الأدب العربي القديم، نشر الشركة الجزائرية: مرازقة ـ أبو داود، الجزائر 1968.
2. نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، ط. 1 ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر: 1971 + ط.2: المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1980.
3.فن المقامات في الأدب العربي، ط.1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1980؛ ط.2، الـمؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر؛ الدار التونسية للتوزيع، تونس، 1988، الطّبعة الثالثة، دار الغرب، وهران2003.
4. العامّية الجزائرية وصلتها بالفصحى، الشركة الوطنية للنشر والتّوزيع، الجزائر، 1981.
5. الألغاز الشّعبية الجزائرية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1981.
6. الأمثال الشعبية الجزائرية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1982.
7.النّص الأدبيّ من أين وإلى أين؟ د.م.ج.، الجزائر، 1983.
8.الثقافة العربية في الجزائر بين التأثير والتأثّر، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1981 + دار الحداثة، بيروت، 1982؛ + د.م.ج.، الجزائر، 1983.
9.معجم موسوعيّ لمصطلحات الثورة الجزائريّة، د.م.ج.، الجزائر،1983، وزارة المجاهدين، الجزائر، 2001.
10.فنون النثر الأدبيّ في الجزائر، د.م.ج.، الجزائر، 1983.
11. الشيخ البشير الإبراهيمي، وزارة الثقافة، الجزائر، 1984.
12.بنية الخطاب الشعريّ، دار الحداثة ، بيروت، 1986؛ + ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1991.
13.في الأمثال الزراعية الجزائرية، د.م.ج.، الجزائر، 1987.
14. عناصر التراث الشعبيّ في » اللاز«، د.م.ج.، الجزائر، 1987.
15. الميثولوجيا عند العرب، المؤسسة الوطنية للكتاب،الجزائر؛ الدار التونسية للتوزيع، تونس، 1989.
16. القصّة الجزائرية المعاصرة، م.و.ك.، الجزائر، 1990.
17.ألف ليلة وليلة (دراسة تفكيكيّة لحكاية حمال بغداد)، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1989؛ + ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1993.
18. ا ي ( تحليل سيمَائِيّ لقصيدة [ أين ليلاي]، لمحمد العيد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992.
وأعيد طبع هذا الكتاب بعد إعادة صياغته جملة وتفصيلاً، تحت عنوان «ألف-ياء»، ونشرته دار الغرب بوهران، 2004.
19.شعريّة القصيدة… قصيدة القراءة، تحليل مركّب لقصيدة »أشجان يمانية«، دار المنتخب العربيّ، بيروت، 1994.
20. تحليل الخطاب السّرديّ، تحليل سيمائيّ مركّب لرواية »زقاق المدقّ«، لنجيب محفوظ، د.م.ج.، الجزائر، 1995.
21.جمالية الحيز في مقامات السيوطي، اتحاد الأدباء العرب، دمشق، 1996.
22.قراءة النّص: بين محدوديّة الاِستعمال ولا نهائيّة التأويل، مؤسّسة اليمامة، الرياض 1997.
23. في نظريّة الرّواية، عالم المعرفة، الكويت، 1998.
 24.الكتابة من موقع العدم، دار الرّياض، الرّياض، 1419 هـ.
وأعيد طبع هذا الكتاب، نشرته دار الغرب بوهران، 2003.
25.السّبع المعلّقات، نشر اتّحاد الأدباء العرب، دمشق، 1999.
26. النّصّ، والنّصّ الغائب في شعر سعاد الصّباح، نشر دار النّور، بيروت، 1999.
27.الأدب الجزائريّ القديم، دراسة في الجذور، دار هومة، الجزائر، 2000.
+ الطّبعة الثانية، 2001.
28.نظام الخطاب القرآنيّ، (تحليل سيمائيّ مركّب لسورة الرّحمن)، دار هومه، الجزائر، 2001.
29.التّحليل السِّيمَائيّ للخطاب الشّعريّ،
(تحليل سيمائيّ لقصيدة »شناشيل ابنة الجلبي«
 دار الكتاب العربيّ، الجزائر، 2001.
30.في نظريّة النّقد (متابعة لأهمّ المدارس النّقديّة المعاصرة ورصْد لنظريّاتها، دار هومة، الجزائر، 2002.
31.أدب المقاومة الوطنيّة، نشر المركز الوطنيّ للدراسات والبحث في الحركة الوطنيّة وثورة أوّل نوفمبر 1954، 2002. جزءان، 2004.
32.الإسلام والقضايا المعاصرة، دار هومة، 2003.
33.نظريّة القراءة، دار الغرب، 2003.
 
ب. الرّوايات والمجموعات القصصيّة:
 
34.نار ونور (رواية، دار الهلال، القاهرة، 1975.
35.دماء ودموع، رواية نشرت مسلسلة في جريدة »الجمهوريّة«، وهران، خلال سنتي 1978 -1979.
36.الخنازير، (رواية) المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1985.
37.صوت الكهف، رواية، دار الحداثة، بيروت، 1986.
37.حيزيّة، رواية، نشرت مسلسلة في جريدة الشّعب، الجزائر، 1988.
39.مرايا متشظّية، رواية، دار هومة، الجزائر، 2000 ؛ الهيئة العامّة للكتاب، صنعاء، 2001.

المزيد


التالي



ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي