ذبحة السّاموراي في أرض الصفر

أغسطس 29th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , مقدمات كتب

بقلم :كمال الرياحي

     

 

أنت في ورطة، بعد أن جرّدت من أسلحتك وأجبرت على رمي ما تمترست به من مناهج نقدية وأدوات إجرائية ونظريات للتلقي من نوافذ الصدمة إلى بحر الظلمات، وعدت فقيرا عاريا، آدم تطاردك الخطيئة في أرض الصفر وأنت صفر اليدين مشنوق على بوابتها القصيدة من الأذنين. عدت إلى رجفة الخطوة الأولى، تتعلّم المشي بالعينين على أرض شعرية متحرّكة، تأمل أن يسندك أحد، لا يهم الغول أو العنقاء أو ذو القرنين. مسكين أنت أيها القارئ الوحيد في عراء الكلمات، تّرجِمك خطايا الشاعر الكافر بعمود القصيدة، وبالفواتح، والمخارج وبالعلل وبالزحاف، وبالخليل المخلل في الدواة. مسكين أيها القارئ القديم المعفّر برماد الأثافي، حين يلسعك وأنت تحت اللحافِ الاختلافُ. كيف السياحة في أرض الخراب؟ كيف السباحة في الدم المراق والدمع الحريق؟ تصرخ ب حرارة الروح أين المسالك؟ أين الثنايا؟ أين الطريق؟ ما هذه الهدية الملعونة أيها الفاطمي؟ امرأة في ملعقة من علقم ترقص على أنغام خطيئتها، حرّة وتأكل بنهديها. ما ضرّ الحرة إن أكلت بنهديها؟ ها هي القصيدة تأكل ناظمها وناشرها وقارئها، وتفجر مع والدها، وتشهّر بعجزه على الملأ: لم يشبع حاجتي يا سادة! ما ضرّ اليوسف الواقف على أرضه لو هتك المهتوك وتعرّض لعرض القصيدة وخلخل عمودها واستباح عروضها المتفسّخ على أرصفة المتشعرنين منذ سنين؟ ما ضرّ اليوسف لو خرج من البئر القديم ووقف أمام إخوته الكبار وقال: ما أكتبه ليس الشعر الموزون أو الشعر المنثور وما هو بالإعجاز ( فقد ولى زمن الشعراء المنتفخين بأنفسهم – زعماء النظم الزائف و الزلفى- ) ما أكتبه بالفحم هنا والآن – محاولة للحلم وللتحريض عليه وفلسفة للثأر من امرأة … ولدت هذا الأسطول الهائل … من حمقى العالم و انتظرتهم – و هي على قلق – حتى أثموا! … نعم ! لتذلّل أيها الناقد المصلوب على أخشاب الحداثة، على يمينك ابن رشيق وعلى شمالك الجرجاني وتحت أقدامك كل التابعين بلا رؤوس، مقطوعة أذنابهم بذنوبهم، وكل ذنوبهم الاطمئنان المبالغ والتباكي في زمن التشظي و التشاطي. هذه الأرض الصفر تعلن أننا ظللنا قرونا من القول الشعري واقفين في الصفر الذي خلقنا نعد الأثافي ونقطع أوصال العبارة على مزاج الخليل ونصنع لأنفسنا العلل ونزحف على الزحافات؛ ولما انهارت بروجهم لم يجدوا بالصفر غيرنا أحفاده، فسووا بنا أرضهم، ووارونا الخراب. فكيف السكوت على الأمس الكذوب؟ كيف السكوت بعد أن داسنا البقر بقر الحروب؟ ما جدوى السيوف والدروع والرماح والمجاز وغزل الحجاز في عصر تأكلنا فيه الصورة ونحن نتسكع بين المواقع؟ وما جدوى عزلتنا وما جدوى الأبواب في عصر الواب؟ وأي قصيدة اليوم نكتب؟ أي قصيدة نكذب أيها الشاعر؟ استدار اليوسف قائلا: أما القصيدة - وهي تستدعي عموم معارضيها من أساتذة المجاز وما اليه – فقد رأت أن تجلد الأدب القديم أمامهم … دعت الحطيئة، عروة بن الورد، بشار بن برد، الشنفرى والآخرين … أن يتركوا كل السيوف، هناك، في الصحراء وليضعوا الحروف مكانها لتقول بالدفق زمانها شرط التقيد بالشروط و من أهم شروطها: عدم الهروب الى الوراء إلى تقمص نخوة البطل العظيم و نحوه عدم التحصن بالتشابيه البليغة أو بما يدعو إلى سحق العدو ومحوه عدم التشدق بانتصارات الحدود و/أو بأندلس تعود و لن تعود … قف! استعد. إنّك انحرفت. لقد استوليت على بردة الشاعر، هيّا عد إلى انضباطك، وتأبط سوء نيتك واهجم ناقدا ناقما. هكذا صرخ بي شيطان النقد القديم وهو يعدّل خانقة العنق الطويل. أجبت: كيف أستجير بتربة الصحائف الصفراء في حضرة قصيدة بالألوان الرقمية؟ اغرب عن سمائي أيها الرجل القديم واحمل ما نثرت من أرضة ثقلت بطونها ب

المزيد


ذاكرة المدينة تروي روائحها في رواية

أغسطس 28th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , مقدمات كتب

               

 كمال الرياحي 16 سبتمبر 2005

فـي رواية «جمان وعنبر»

كمال الرياحي - تذكرنا هندسة رواية مسعودة أبو بكر وشعرية لغتها وتداخل بنائها من خلال التقطيع والتركيب والاستباق والاسترجاع والاستطراد والقفز والاستغراق بمعمار المدينة العتيقة بشرفاتها و«مشربياتها» وغرفها وأقبيتها ومخازنها ومقاصيرها وأقواسها وأبوابها التي تدخلك أحيانا إلى فضاءات عرضية وأخرى عميقة، فضاءات مضاءة وأخرى معتمة، وتنهض عناوين تلك المقاطع السردية في الرواية بمهمة التمائم وحلقات النحاس على الأبواب الخشبية أداة الزائر يستأذن بها للدخول، فبيوت المدينة العتيقة مدينة الذاكرة، حرمات وأسرار لا يمكن أن تهبك نفسها إلا متى اطمأنت لك ومكنتك من مفاتيحها. مدينة «جمان وعنبر» مثلها مثل الذاكرة، مدينة ضاربة في القدم، عليك أن تمتلك خارطة ثناياها حتى لا تتيه في مجاهلها بلا رجعة.

«يقيم الإنسان في العالم على نحو شعري » هولدرلين

رواية مسعودة أبو بكر رواية مقاومة… مقاومة النسيان…كل عناصرها.. (شخصيات، لغة، معمار..) تقاوم خيانة الذاكرة «الخؤون» وليس من معين غير ذلك المكان، ذلك العبقري الصامد في وجه الزمن الأكول…مكان..أمكنة تمسحها كل يوم دون أن تشعر بها، تمر بها كمن يمر بمقابر مهملة، تأتي الساردة «حورية» لترش هذا المهمل المحتضر بماء الذاكرة الحية فيتفتح من جديد ويروي هوية هددها الفناء.
تتوزع صورة المكان في الرواية على ثلاثة وجوه…مكان قديم أصيل تسعى الشخصية الروائية إلى استعادته ( المدينة العتيقة) بحميميتها وأنسها وطهارتها، ومكان جديد هجين تطمح إلى الانفلات منه (المدينة الجديدة بصخبها وقذارتها وعدوانيتها)، ومكان على النمط القديم تعمل الشخصية مهندسة ديكوره على تأصيله رغم النوايا السياحية التي تقف وراء تشييده.
«لم لا أكتب نصا يستلهم من المدينة روحها وتاريخها ومعمارها ؟» بهكذا سؤال انفلت لسان الشخصية الرئيسية في رواية صاحبة «طرشقانه» ولعلنا لن نجانب الصواب إذا قلنا إن موج متن الرواية وأسئلتها ورهاناتها يتدافع ليتجمع في رحم هذا السؤال.
يبدو ان مسعودة أبوبكر هرعت بتجربتها الروائية إلى المكان بإعتباره ملاذ الذات الأخير. بعد تصدع جدران البيت العائلي «ليلة الغياب» وانهيار أعمدة الذات الفردية الهشة «طرشقانه» وتهدم حصن القوم على القوم «وداعا حمورابي» فلم يبق للكاتبة غير الحنين. وربما تكون «الذات» في «جمان وعنبر» قد خيرت الاحتراق في تربتها لتنتفض كطائر الفينيق من جديد للحياة وتعيد طرح أسئلتها بعد

المزيد





ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي