طقوس الكتابة 2

سبتمبر 6th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , ندوات أدارها المؤلف

 
     
 د.العادل خضر / باحث .تونس
    لا تحتاج الكتابة إلى طقس خاصّ ولا إلى إعداد ولا إلى استعداد من أيّ نوع كان. فالكتابة هي فعل تنقلب فيه الأفكار والأحاسيس من حال إلى حال. تكون في الحال الأولى في الذّهن، وفي الحال الثّانية على الورق. فالكتابة هي العمل الّّذي يجعل الفكر حبرا على ورق، أو متجلّيا على شاشة الحاسوب. فهي هذا الصّنيع الّذي يقلب أحوالنا الذّهنيّة إلى رموز خطّيّة حتّى تصبح قابلة للتّداول في سوق المبادلات الثّقافي. فليست الكتابة بهذا التّصوّر تمثيلا للفكر وإنّما إبداع له.
هذا التّصوّر الّذي يجرّد الكتابة من هالتها المقدّسة وكلّ طقوس، ويجعلها مجرّد عمل ككلّ الأعمال البشريّة لم ينشأ من عدم، لأنّه نتاج تحوّلات عميقة جدّت في أبنية الثّقافة التّقنيّة، منذ أن عرف الإنسان الكتابة، ثمّ الطّباعة والثّورة الرّقميّة في مجال الاتّصاليّات. وقد جعلت هذه التّحوّلات العالم يفقد شيئا فشيئا سحره القديم، وتنتزع منه قداسته فلم يبق من جرّاء ذلك الفقدان مكان للألوهة. ولا يعني ذلك بالضّرورة الكفر والإلحاد، وإنّما وضعيّة مختلفة عمّا عهدناه من قبل، أضحى فيها الفرد، هذا الأنا المفكّر، معوّضا للإله وبديلا له بوصفه أساسا لكلّ شيء.
وإذا كانت الطّقوس في الأصل مرتبطة بالمقدّس وجسد الآلهة، أي صنمها الملطّخ بدماء الأضاحي العابق بعطر البخور، فإنّ تلك الطّقوس كانت الدّليل الوحيد على ألوهيّة الآلهة، أي على حضورها في العالم. ولعلّ أكثر النّاس ارتباطا بتلك الطّقوس ملاّك الحقيقة، ممّن منحوا هبة الاستبصار، والاطّلاع على الغيب، ومعرفة ما كان وما يكون وما سيكون. من هؤلاء نجد الشّاعر والكاهن والحكم في العوالم القديمة كالعالم الإغريقيّ القديم والعالم العربيّ (في الجاهليّة الأولى والأخيرة). ولا فائدة في استعراض الأدوار الّتي اضطلع بها هؤلاء في ترسيخ الدّيانة المحلّيّة على شاكلة طقوس وممارسات تعبّديّة، كالأضاحي والنّذور وطقوس الحجّ والاستمطار وغيرها.
كانت هذه الطّقوس تجري بما سمّيناه في بعض بحوثنا بالعبارة النّبوئيّة، وهي عبارة يجريها الكاهن بالسّجع والشّاعر بالشّعر، وميزتها أنّها مؤثّرة في الوجود طبيعة وإنسانا. فهي تستنزل الأمطار وتشلّ حركة العدوّ في الحروب. وهي أيضا عبارة غير متيسّرة إلاّ للأصفياء ممّن كانوا قادرين على الاتّصال بعالم الغيب وكائناته اللاّمرئيّة كالجنّ والشّياطين. وهي أيضا عبارة لا تكتسب إلاّ بتقنيات سرّيّة كالطّرق المريديّة أو الانخطافيّة. وهي عبارة باهظة ثمنها أحيانا بصر العين أو العقم، ولكنّها عنيفة ترعد قائلها. فقد كانت كنية الكاهن العربيّ عمرو بن جعيد الأفكل، وهي كنية ذات أصول سومريّة منتشرة في العالم السّامي تدلّ على الرّعدة والنّفضة. كلّ هذه المعطيات تدلّ على أنّ العبارة النّبوئيّة في العالم القديم بصفة عامّة هي قول مقدّس يستمدّ قداسته من طقوسيّته القويّة بوصفها الأساس المكين الّذي ينهض عليه الحضور الإلهيّ، أو ألوهيّة الآلهة في العالم.
من كبير المفارقات أن نتحدّث عن الكتابة والطّقوس، لأنّ الكتابة في اعتقادي هي عنصر دنيويّ قد نقل المقدّس خارج المعبد والحرم، وخارج دائرة الدّين. صحيح أنّ الكتابة منذ ظهو

المزيد


الكتـابة و الطقـوس1

سبتمبر 6th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , ندوات أدارها المؤلف

 
فكرة و اعداد : كمال الرياحي .تونس
 
 kamelriahi2@yahoo.fr
          
هل للكتابة طقوس ؟                   
 
متى يكتب الكاتب ؟ أين؟ و كيف ؟ 
 
أسئلة تبدو خارجة عن فعل الكتابة و النصّ الابداعي أو النقدي أو الفلسفي . و لكن هل حقّا هي أسئلة لا معنى لها ؟           
أسئلة طرحناها على ثلّة من مبدعينا و نقّادنا العرب لنستمع إلى آرائهم محاولة منّا لفتح ملفّات حافة . و الحقّ ان هذه الملفات التي ننوي فتحها لا تخرج عن مشروعنا الذي بدأناه منذ سنوات و هو الإهتمام بهوامش الكتابة و عتباتها .                       
قرأت يوما ان الروائي الكبير "جابريال غارسيا ماركيز "كان يلبس لباسا أشبه بلباس الميكانيكي فيقول في حديث أجري معه:" عندما أكتب ألبس عفريتة ميكانيكي لأنها رداء مريح , فالعفريتة هي اللباس العملي لأقصى حدّ   الذي تمّ اختراعه للعمل , فما عليك الاّ  ان تندسّ داخله في الصباح و تشدّ السحّاب" و هو نفس اللّباس الذي يلبسه ايف نافار"أكتب و انا بالبيجاما , بل انها ليست بيجاما ,إنها …تصوّروا ,عفريتة للأطفال لونها أزرق داكن , لدي بالفعل هذا النوع من الرداء الذي يشبه في آن رداء طفل كبير الحجم ,يمكن ان يوضع له قماط ,و أيضا رداء طيّار كما أنّي انتعل خفّا من الصوف" أما جان شامبيون فيقول :" أرتدي المبذل (الروب دي شامبر ) طوال وقت الكتابة , بل و بعدها ؟ أنا لا أرتديه بل هو الذي يلاحقني .أمسح فيه كل شيء ,أقلامي , و دموعي , و أصابعي , و أصابعي التي اتّسخت من الكربون, و ألمي غير المنتج , و ابتهاجاتي الصغيرة , كل شيء !"                     
أما أنجيلو رينالدي فيحتفظ بربطة عنقه ,كما يقول احتراما لقواعد اللغة ,حتّى لا يدع مجالا للاسترخاء . و حول الامكنة التي يحلو للكاتب أن يكتب فيها تقول نتالي ساروت :" أذهب كل يوم في باريس الى حانتي المعتادة إنه لشيء رائع , كما لو كان المرء مسافرا فليس هناك مجال لأية تسلية , ففي البيت يلجأ المرء الى كل شيء لكي لا يكتب :فهو يبحث عن خطاب مفقود أو يأخذ كتابا أو يستمع إلى جلبة البيت .أما الحانة فيكون الشخص وحده تماما و يعلم تماما ان واحدا لن يزعجه ,و هو لا يشعر في الوقت نفسه بالوحدة التامة و بذلك يفضّل تواجد الناس حوله و هو يراهم أثناء مرورهم" اما روبير ساباتيه فيقول أنه يكتب في أي مكان و في أي وقت , عند الصباح و في المقهى , في لحظة انفراد , في الميترو , يكفي ان تكون معيي ورقة , و انا احمل معي دائما دفتر شيكاتي و نادرا ما لا يكون غلافه مغطّى بكتابات رفيعة مخربشة كما يحدث لي احيانا أن اضحّي بشيك أو شيكين " و يضيف ساخرا "و الحق أنه يجب اجراء دراسة حول أهمية دفتر الشيكات في مجال الشعر "                             
يبدو أن عدم الالتزام بطقس معيّن للكتابة هو في حد ذاته أحد طقوس الكتابة , و ما كان يفعله روبيرتو ساباتييه يشبه ما كان يفعله محمود المسعدي الذي عثر على كثير من نصوص كتابه الأخير "من ايام عمران …" و الذي قدّمه و حققه الدكتور محمود طرشونة, مكتوبا على بطاقات و دعوات رسمية و على جذاذات الجرائد.   
يجرنا هذا الحدث الى سؤال مهم :هل للكاتب العربي طقوس ؟                         
هل اهتم النقد العربي قديمه و حديثه بتلك الطقوس ؟           
هل غيّبت المناهج النقدية المنشغلة بالنصّ الابداعي دون غيره هذه الزوايا ؟        
هل العودة الى محيط النصّ اليوم و التنقيب عن العتبات و الحواشي و الهوامش و المسكوت عنه   من شأنها أن تعيد للمؤلف الحياة ؟                                          
لماذا لا تكون للكتابة طقوس ؟!! اليس للفعل التعبّدي طقوس ؟ أليس للأكل عند الشعوب طقوس ؟أليس للاحتفالات , الزواج و غيره , طقوس ؟                         
اليس النشاط الكتابي ممارسة احتفالية و محاكاة   تعبّدية و نشاطا غذائيا ؟!!       
أيهما اكثر وضوحا طقوس الكتابة ام طقوس القراءة ؟         
هل يمكن لنا أن ننكر أن التطوّر التقني و التكنولوجي بدأ يأكل كثيرا من العادات في الكتابة و القراءة ؟                             
 
في هذا الملف إجابات عن كثير من هذه الأسئلة , بعضها جاء على ألسنة المبدعين و بعضها جاء على ألسنة النقّاد . بعضها حاور سؤال الكتابة و الطقوس في   الادب القديم و بعضها ناقش القضية في الأدب الحديث . بعضها نفى السؤال من أصله و اجتثّه من جذوره و بعضها أكّده و دعّمه بالحجج و الشواهد .
بعض المشاركين في هذا الملف تحدّث عن طقوسه الخاصة و بعضهم استعرض معارفه و بعضهم قدّم طقوس غيره بالنيابة .                      
فعن أي طقوس و عن أي كتابة تحدّث ضيوف هذا الملف ؟ و كيف كانت اجاباتهم ؟ هنا كل الأجوبة .                        
 
 
 
د.عبد الملك مرتاض.جامعة الجزائر.وهران
 الطقوسية تتنامى مع سيرة الكاتب تبعاً لظروفه ومستواه المعيشي ومستواه الفكري
 
 
الكتابة الأدبيّة فنّ من الفنون الجميلة، وهي كسَوائها من الفنون الأُخَرِ تتلبّس بطقوس خاصة بها، أو قل: إنّها تسْتميز، هي أيضاً، بطقوس خالصة لها يتّخذها الكاتب من حيث الزمان والمكان والهيئة والأداة… فالقرّاء كثيراً ما يُصبحون في درجة المستهلكين العاديّين للبضاعة، فالمرء، مثلاً، حين يمتصّ قطعة من الحلوى قد لا يفكّر إطلاقاً في الكيفيّات والتحضيرات والتقديرات التي مرّتْ بها تلك القطعة اللذيذة في تصنيعها حتّى اغتدتْ كذلك… وكذلك القارئُ حين يقرأ نصّاً أدبيّاً، بغضّ الطّرْف عن طبيعة جنسه، فإنّه قد لا يفكّر في المعاناة التي كابدها صاحبُه حتّى أمسى نصّاً على ذلك القدر من الأناقة والجمال…
ويبدو أنّ أوّل من تناول هذه المسألة، من وجه أو من آخر، من النّقّاد العرب القدماء، كان ابن قتيبة (الشعر والشعراء)، ثمّ الجاحظ (البيان والتبيين)، ثمّ ابن رشيق (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده)، ثمّ ابن خلدون (المقدمة)، ثمّ محمد البشير الإبراهيمي (جريدة البصائر، الجزائر)؛ فإنّ هؤلاء –وقد يكون غيرهم كثيرون- تحدّثوا عن طقوس الكتابة وفي أيّ وقتٍ يجب أن تكون، فجنحوا -خصوصا ابن قتيبة والإبراهيمي- إلى أنّ أفضل أوقات الكتابة هو ساعةُ الفجر حيث يكون الذهن أصفى، وحيث تكون القريحة أنقَى… غير أننا نعتقد أنّ كلّ الأوقات صالحٌ للكتابة الأدبيّة. وكلّ ما في الأمر أنّ الكاتب هو الذي يتّخذ له أوقاتاً يعتادها فتغتدي له دأْباً لازباً، تبعاً لظروفه الخاصّة التي تحمله على اختيار وقت بعينه، دون غيره… فقد كتبنا نحن أكثر من العشرين كتاباً الأولى في ساعات القيلولة، لأننا لم نكن نظفر بوقت لائق بالكتابة خارج ذلك… وقد عثرنا على نصّ في خزانة الأدب يثبت أنّّ جريراً كان يكتب شعره في أوّل الليل. وتصوّروا حال الكاتب إذا كان ضريراً فإنّه لا يستطيع أن يكتب إلاّ بالاستعانة بغلام يكتب عنه: أكان يُرغمه على أن يكون معه في ساعة السّحَر ليأتيَ ذلك؟… غير أننا نعتقد أنّ عامّة كتّاب هذا الزمان، وخصوصاً غير المتفرغين، يكتبون كتاباتهم بليل… وكأنّ الليل أخفى للويل!…
وأمّا ما يخرج عن الزمان من الطّقوس فإنّ كلّ كاتب قد يتّخذ له حالاً خالصةً له من كيفيّة القعود، ولون القلم، ونوعيّة الورق، وجِهَة المنظر، وهلمّ جرّاً… فقد كان بعض الكتّاب الأقدمين، في غياب المقاعد والمكاتب، يُضطرّون حين يَتعبون من القعود، إلى الانبطاح على بطونهم لكي يكتبوا!… كما أنّ الكاتب ربما اتخذ اللّون الأحمر لقلمه كما كان يفعل العقّاد، في حين أعرف كاتباً جامعيّاً لا يصطنع إلاّ قلم الرصاص الخفيف، ولا يكتب مسْودَّاته بغيره. في حين أنّ هيئة المكتب الذي يكتب عليه الكاتب ذو أهمّيّة طقوسيّة بمكان؛ فهل سيستدبر النافذة أو يستقبلها؟ وهل سيكتب وبجانبه قدح من الشاي أو فنجان من القهوة، أو لا شيء من ذلك؟ وهل يستعين بالاستماع إلى الموسيقى حيث أخبرني شاعر جزائريّ أنّه كان لا يأتي شيئاً، بما في ذلك تناوُل طعامه ونومه، إلاّ على إيقاع الموسيقى، وأنّه، نتيجة لذلك، لا يستطيع أن يكتب حرفاً واحداً إذا صمتت الموسيقَى! في حين أخبرني كاتب جزائريّ آخر أنّه لا يستطيع أن يكتب سطراً واحداً إلاّ وكأسٌ مترَعة بالوِسْكي على مكتبه، وإلاّ فلا يطمع في أن يكتب شيئاً أبداً… وقديماً كان الخطيب العربيّ لا يمكن أن يخطب في الناس إلاّ وهو ممسك بعصا في أيّام السلم، وبرُمح في أيّام الحرب…
وللمكان، فيما يبدو، تأثير شديد في إقبال الكتابة على الكاتب أو اعتياصها عليه. وقد أعرف حال كاتب كان حين يتنقّل من بيتٍ إلى بيتٍ آخرَ ربما بقيَ ستّة أشهرٍ بعد وقوع التنقّل لا يستطيع أن يكتب شيئاً. وقد وقع لنا نحن شخصيّاً شيءٌ من تلك السيرة العجيبة.
ولعلّ ظاهرة الكتابة بالحاسوب بدل القلم العاديّ ستغتدي جزءاً من طقوس الكتابة الجديدة بحيث سيُصبح التفكير منصرفاً إلى نوع الخطّ المستعمل، وحجم الحرف، ومن ثمّ حجم الصفحة طولاً وعَرضاً… وهي سيرة ستؤثّر في كثير من طقوس الكتّاب الذين سيتخلّى بعضهم عن طقوس القلم السائل نهائيّاً، بعد الذي كان من أمر القلم والمحبرة قبله… كما أنّ الكاتب لم يعد مفتقراً إلى اصطناع الورق وهدر ماله في شرائه، بحيث بعد أن يكتب نصّه على شاشة الحاسوب يمكن أن يُرسله بكيفيّة مباشرة عن طريق البريد الإلكتروني إلى الهيئة الناشرة. وينشأ عن ذلك اختفاء أحد الطّقوس الذي كان يلاحق المؤلفين وهو خلاصهم النهائيّ من تصحيح النّصّ، وذلك بإرساله إمّا قرصاً مسجّلاً، وإمّا بريداً إلكترونيّاً، فيُطبع كما هو دون تصحيح لأنّه يطبع على أصل وضْعه عند الكاتب… ونحن شخصيّاً لم نعد قادرين على كتابة نصّ في حجم صفحة واحدة خارج مكتبتنا، وبالقلم التقليديّ، بعيداً عن اصطناع مماسّ الحاسوب الذي أمسى جزءاً من طقوس الكتابة لدينا…
وتأسيساً على بعض ذلك فإنّا نُثبت طقوسيّة الكتابة ولا ننفيها، ولكنّنا لا نجنح لتوحيدها كما يزعم نقّادنا الأقدمون الذين كانوا يزعمون أنّ أفضل أوقات الكتابة هي أوقات السّحر، وفي يوم شرب الدواء، فالطقوسية تتنامى مع سيرة الكاتب تبعاً لظروفه ومستواه المعيشي ومستواه الفكري أيضاً فتصبح مكوّنا من مكوّنات كتابته؛ فمِن الكتّاب من لا يستطيع أن يكتب شيئاً إلاّ في صخب المقاهي، ومنهم من لا يستطيع تدبيج صفحة واحدة إلاّ إذا اختلى إلى نفسه، وأغلق الباب من دونه… وأعتقد أنّ هذه هي أسمى صفات الطقوس الإبداعيّة… فكما أنّ أفضل العبادات أن تكون حين يختلي المرء إلى نفسه ويناجي ربّه، بعيداً عن العيون، ونأياً عن الرياء؛ فإنّ الكاتب حين يعتزل النّاس ويخلو إلى نفسه تبدأ الأفكار تنهال عليه إذا كان مهيَّأً لاستقبالها، فينسج من ألفاظ هذه اللّغة التي لم يكن يعرف من أمرها، قبل أن تقع له، شيئاً…
 
       د زبيدة القاضي كلية الآداب جامعة حلب .سوريا
  
أندريه جيد وطقوس الكتابة
سحر الموسيقى و القراءة
           

 
        يجدر بنا أن نقول منذ البداية إن أندريه جيد خلق لكي يكتب، وقد وعى قدره ككاتب في وقت مبكر جداً. فقبل أن يبلغ سن العشرين، كان يرى أمام عينيه أعماله الكاملة كأجزاء عديدة من الكتب بصفحات بيضاء عليه أن يملأها. لم يتردد لحظة، أو يفكر في الاتجاه إلى مهنة أخرى ممكنة.
أندريه جيد رجل كتاب، وهو قارئ متحمس كما هو كاتب منتظم، فقد شكل حياته ونظمها كمكتبة، لم تكن الأجزاء المتراكمة فيها سوى حث على الكتابة. إن غزارة قراءاته وتنوعها جعلته طالباً طوال الحياة. وعلى الرغم من المظهر غير المنظم لحياته في أسفارها وتنقلاتها، الذي يتناقض مع التأمل والنضج، فإن أعماله جاءت نتيجة لهذه الحركة المستمرة. فالحركة إيقاعه الطبيعي، وفيها يعيش ويبدع. إن من يكتب في ساعات محددة، وأماكن معينة، وعدداً محدداً من الصفحات كل يوم يشعر بالدهشة، والغيظ، والحسد أمام هذه الحرية التي يتمتع بها جيد تجاه قيود الكتابة. فحرية الآخر تسبب الحنق أحياناً. وها هو الرجل الذي يسمح لنفسه بالعيش، ويجد فوق ذلك الوسيلة لنشر خمسة عشر جزءاً من الأعمال غير الكاملة، في أوج إبداعه، ستتضاعف عندما تصبح كاملة.                       
لن نخوض في الجانب المادي الذي سهل لجيد فرصة التعبير بالقلم، ولم يضطره إلى اللجوء إلى مهنة أخرى لكسب العيش. سنكتفي فقط بذكر إيمانه بالكتابة كواجب أو رسالة عليه القيام بها. من المناسب أن نتحدث عن ظروف تأدية هذه الرسالة، على المستوى المعنوي كما على المستوى المادي. يتوجب على الكاتب أن يعيش في ظروف تسمح لنتاجه بالوصول إلى النضوج الكامل. ومنها البحث الذي كان هاجس أندريه جيد طوال حياته، عن مكان يعمل فيه ؛ وهو مكان لا يتوخى فيه الراحة أو الرفاهية، بل الانفعال. يلزمه على الأقل شعاع الشمس. نحن نعلم أنه كان يبحث عنها في أفريقية، ويتعجب كيف تمكن فلوبير من كتابة أعماله في منطقة النورماندي تلك، حيث كان هو يشعر بأنه "يفسد"روحاً وجسداً.
 
 
 
كان جيد، وهو يافع، يظن أن عليه البحث عن خلوة، الأكثر عزلة ما أمكن، لكي "ينغلق على نفسه، كما في برج "، حيث لا شيء يذكر بالمحيط المألوف. وهو يفكر في لحظة ما أن يحتمي، في باريس، في غرفة منسية. سيحتفظ بعدها بهذه الحاجة (المرضية ؟) في البحث عن "البعيد" للكتابة. في وقت لاحق، سيكون ذلك رده على مسألة العزلة الأبدية وأثرها على الكاتب : لا حاجة فعلاً إلى عزلة كاملة. فأينما كان جيد، يجد الوسيلة للقراءة والكتابة. وجزء هام من يومياته كتبه مسنداً الدفتر على ركبتيه.
عرف أندريه جيد فترات عصيبة من العجز عن الإبداع، لكن القراءة والموسيقى هما النبع الذي ينهل منه عند الحاجة.
فالقراءة زاده الحقيقي، إذ ظل ينهل من الكتب حتى آخر يوم في حياته، وكان يعود لقراءة أعماله المفضلة، ومنها كتب الأقدمين، إذ كتب في يومياته، بتاريخ 3 كانون الثاني/يناير 1922 :
" إن أجود أيام العمل هي تلك التي أبدأها بقراءة كتاب قديم، من هؤلاء الذين يطلق عليهم صفة "كلاسيكيين". صفحة واحدة تكفي، أو نصف صفحة، إذا كنت أقرأها في وضعية ذهنية مناسبة. ليس تعليماً ما يجب البحث عنه في هذه القراءة، بقدر ما هو نبرة، وهذا النوع من التغريب يتناسب مع الجهد الحاضر، ولا يلغي شيئاً من عجالة اللحظة. هكذا أيضاً أحب أن أنهي نهاري."                      
أما عن الموسيقى، فنحن نعلم أن جيد كان يمضي ساعات طويلة في العزف، في كوفرفيل، وفي باريس، وحتى في أسفاره، إذ كان يستأجر بيانو في بعض الأحيان. وهذا جزء من الطقوس اللازمة للكتابة. ولكن، مهما كان المكان، يبقى عزف البيانو بالنسبة إلى جيد نشاطاً انعزاليا"، لأنه ما إن يعلم أن أحداً يصغي إليه حتى يضعف عزفه. إن هذه الحاجة إلى العزلة تفهم أكثر عندما نعلم أن جيد يرى في هذا النشاط

المزيد


ندوة حول الروائيين النقاد

سبتمبر 6th, 2006 كتبها كمال الرياحي نشر في , ندوات أدارها المؤلف

يديرها  كمال الرياحي .تونس

 

          

تسرّبت مجموعة من النقاد العرب في النصف الثاني من القرن العشرين إلى الكتابة السردية فعرفت المكتبة العربية تراكما لنصوص روائية أمضتها أسماء تعود عليها القارئ في الحقل النقدي وتحول هذا الاتجاه إلى ظاهرة لافتة أطلق عليها عبارة "النقاد الروائيين .حول هذا الموضوع فتحنا هذا الاستفتاء الذي توجهنا به إلى مجموعة من الكتاب العرب ووضعنا لهم هذه الأسئلة لتكون عتبات مضيئة فاكتفى بعضهم بالإجابة عنها بينما تجاوزها البعض الآخر للإدلاء بموقفه من المسألة .والحق أن تلك كانت غايتنا ولم ننتظر من الكتاب الإجابة عن الأسئلة .      

*هل تعتقدون أن هذه النصوص مثلت إضافة نوعية إلى المدونة الروائية أم كانت عبئا كميا أثقل كاهل المتلقي بنصوص إجرائية بلا طعم ولا رائحة طبق فيها النقاد مكتسباتهم النظرية حول الجنس الروائي؟                  

* هل يمكن للكاتب في  زمن التخصص أن يكون كاتبا موسوعيا واركستراليا ؟.

* لماذا هوجمت هذه الظاهرة عندنا –نحن العرب –اليوم في حين لم تكن مثار جدل في الغرب الذي عرف أسماء رائدة استطاعت أن تزاوج بين الممارسة النقدية والممارسة الإبداعية (امبرتو ايكو .ألان روب غرييي .نتالي ساروت .جون ريكاردو .جون بول سارتر؟                

* كيف يتعامل المتلقي مع أصحاب هذه النصوص هل بصفتهم مبدعين أم نقاد ا ؟

*هل ظلمهم زملاؤهم من النقاد الذين لم يبرحوا مواقعهم النقدية ؟                   

*كيف يتعامل معهم زملاؤهم من الروائيين .هل يعتبرونهم فعلا دخلاء على مجالاتهم فيعملون على الاستنقاص من قيمة إنتاجهم الإبداعي مطلقين عليه  تهكما أدب العلماء؟

*هل إن نصوص النقاد الروائيين مبجلة فعلا في حلقات البحث الجامعي أم أنها تجابه برفع "الفيتو" لا لشيء ألا لان أصحابها جامعيين ؟                      

جاءت إجابات المشاركين متباينة تباين مواقعهم .فتحدث صلاح الدن بو جاه عن الفرق بين الناقد الباحث بعقله عن حقائق النص والمبدع العاشق الأبدي والتائه في دنيا الحدس ومغاور  النفس فيرى ان الناقد ينبغي أن يكون "روائيا قليلا " حتى يدرك حقيقة الأثر أما الروائي فينبغي أن يكون "ناقدا قليلا "حتى يدرك الوجهة السليمة التي عليه أن يسلكها بحثا عن اللاشيء أو اللا مسمى.وانتهى إلى أن جوهر العالم اليوم يقوم على التعدد والكثرة وان مفهوم الماهية قد ولّى.                       

أما الناقد الجزائري  الحبيب مونسي فيرى ان الناقد لن يكون روائيا  مجيدا إلا إذا خلع عباءة النقد وابعد عن ذهنه القواعد التي يؤمن بها .وعند هذه النقطة تلتقي أراء محمود طرشونة ومصطفى الكيلاني ومحمد الجابلي .وعن مسالة التخصص يراها المونسي مسالة مريبة لان قد تستقيم في المجالات العلمية الدقيقة ولكنها ليست كذلك في مجال العلوم الإنسانية كما يرى –على عكس ما يراه البعض الآخر من الكتاب –ان الناقد  حين يكتب الرواية لن يتحول إلى روائي حتى وان تخلى كليا عن الفعل النقدي لان تفكيره قد تكون من قبل على نمط التفكير النقدي .ويفتح المونسي  النار على النقد الجامعي فيرى فيه نقدا يكتفي بأضعف الإيمان فيصف العمل دون أن تكون له الشجاعة لإصدار أحكام جملية وقيمية فيموقع العمل في دائرة القبول أو الرفض .                                                 

أما إبراهيم درغوثي فيعود بالمسالة –على عادته – إلى التراث العربي ليشير إلى أن أدباء العربية كانوا يكتبون في كل فنون الأدب  والعلم فجمعوا بين الأدب والطب والبيطرة والميكانيكا والفلك واللغة …ومع ذلك فقد نجحوا فيها جميعا كالبيروني وغيره .            

ورغم أن نصوص درغوثي الروائية تدرس في الجامعة  فانه بدا محترزا  من تعامل الجامعة مع النصوص الروائية المعاصرة تلك النصوص التي يكتبها الجامعي آو العصامي.

وخلافا لذلك ينزه محمود طرشونة الجامعة فهي على حد قوله لا تستعمل حق الفيتو ضد إبداع الناقد الروائي فقد درّست الكثير من نصوص المبدعين النقاد القصصية والشعرية والروائية ولم يلتفت قط إلى انتمائهم إلى الجامعة .                       

و اقر طرشونة بصعوبة أن يكون الكاتب موسوعيا لكنه يرى في الكتابة الروائية والنقد الروائي مجالين متكاملين .

أما الروائي الجزائري الحبيب السائح –والذي تركنا مساهمته في الأخير لاهمييتها وخطورتها –فقد ذهب إلى أن الناقد  الروائي لا يمكنه أن يتمرد ويثور ويرفض لان حياته مسيجة بالقوانين والضوابط في حين ان الابداع –كما تشي بذلك الكلمة –بدعة وخرق وتمرد وثورة .ويضيف السائح أن الناقد حين يكتب الرواية فكأنما يرد على الروائيين الذين رأى في نصوصهم خروجا عن القوانيين السردية التي تمدرس عليها .                       

ولا يخفي حبيب السائح بعد أن قدم مفهومه للكتابة الروائية والكتابة الإبداعية بوجه عام قلقه ورفضه للنقاد الروائيين فيقول "إننا لم نهاجمها (الظاهرة) بالقدر الذي يكفي أن يخلص نهائيا النقاد الروائيين عندنا "ويرى أن القياس على السماء الغربية التي زاوجت بين النقد والإبداع الروائي لا يصح بسبب الفارق الحضاري بينهما .ويختم السائح مداخلته "الرصاصة "بان وصول روايات بعض النقد الروائيين إلى حلقات البحث لم يكن إلا نتيجة لدرجتهم الاكادمية وليس لمكانتهم الإبداعية .  

لاحظنا في هذا الاستفتاء أن جل المتدخليين قد رأوا في المسالة قضية مختلقة ولكن النظر في المساهمات وما سقط بين السطور يشي بان المسالة عميقة بالفعل وتحتاج إلى حوار أوسع تشارك فيه أسماء أخرى تطرح مواقفها بعيدا عن" ضبط النفس" و"فكر في غدك "غير إننا لاحظنا انه لا احد التفت إلى صياغة عنوان الاستفتاء"النقاد الروائيين"ولا إلى عبارة "انسربت " في بداية الطرح فلم  يشر احد إلى الفرق بين الناقد الروائي  وهو الناقد الذي تحول إلى الكتابة الروائية  بعد تمترس بمجموعة من المعارف والخبرات والروائي الناقد وهو الروائي  الذي يحلو له أحيانا أن يحاور نصا روائيا لزميله المبدع .وهذه ظاهرة أخرى تطرح أسئلة أخرى .هل يرقى مايكتبه الروائيون من مقاربات إلى مرتبة النقد ؟ هل في انتشار ظاهرة الشهادات الروائية اليوم عبر صفحات الدوريات العربية إشارة دالة على أن الروائي يريد منافسة الناقد في مجاله أم هي ردة فعل على صمت الناقد عن ابداعه

         

                                                     الحبيب السائح/ الجزائر

1 ـ لا أجيب عن سؤالك بقدر ما أحاول أن أحاصر ما أثاره في ذهني. فإنه يمكن لي، مثلك تماما، أن أتصور عدد الأساتذة المدرسين للأدب السردي منه والشعري وللمسرح وللفنون التشكيلية وللموسيقى والفن السينمائي…والذين لم يستطيعوا يوما أن يخرجوا روائيا أو شاعرا أو فنانا؛ لأن كلا من هؤلاء لا يصل إلى المعاهد العليا والكليات، إن صادف أنه مر بها، إلا معبأ بحمل مواهبه. فلا يكون، إذا،ً مروره سوى خطوة في مسار كان قد بدأ من قبل. ولكن أولئك الأساتذة، في الحقل الأدبي، خرجوا بالمقابل نقادا وباحثين!

وإنك، مثلي، لا تكاد تجد ناقدا ـ روائيا متمردا ثائرا رافضا؛ أي متحررا من قيد السياسي المهيمن والأخلاقي الكابس والعلمي الملزم ومما حوط به نفسه من خطوط الفصل. ويصبح الشأن أكثر ضيقا حين يكون أستاذا جامعيا، على عكس الشاعر! وهذه مفارقة يمكن التقريب بين طرفيها باعتبار الرواية نصا أكثر عريا من القصيدة التي تستطيع أن تتدثر بالرمزي حد الغلو.

أقدر أن الناقد حين يتحول إلى المجازفة بالكتابة السردية، وهو في الواقع يؤلف، فإنما لينطق بلامقول يرد به أصلا على نصوص لروائيين غالبا ما يخرقون الجانب المعياري في ما يعتبره منظومته العلمية التي يتوهم النص السردي متحركا ضمن قوانينها حتما.

فهو بتأليفه المخطط له مسبقا، المرفود بخلاصات القراءات النظرية، المؤسس على نموذج مرجعية روائية ما، المحكم الصارم، يقول لهم بشكل تعليمي: هكذا يجب أن تكتب الرواية! وإنك لا تذكر مثلي مما قرأته من نصوص روائية بصمت ذاكرتنا سوى ما كان لكتاب وجودوا لأن يكونوا كل شيء إلا معلمين.

مثل ذلك الناقد ـ الروائي قد لا يكون فعل شيئا أكثر من تأليف خطاب. ذلك بأن الرواية كتابة ـ ولم تكن يوما تأليفا! وفي حد نظري فإن الفرق بين التأليف وبين الكتابة هو الفرق بين تمثل الأثر في محاولة لإعادة استنساخه وبين إنشاء أثرٍ غيره من جنسه نفسِه!

إني أكتب في الجنس الروائي ولكن بشكل يهدم أثري السابق لأني أستطيع أن آخذ حريتي في المجازفة. ثم لأني لست ملزما بحسابٍ مَا تجاه مرجعيةٍ مَا. إن الناقد ـ الروائي لا يستطيع أن يكون المعلم والتلميذ العاق في الآن ذاته. ثم إن الناقد ـ الروائي، كأي مؤسسة، يسعى إلى الإبقاء على وضع سابق خشية التغيير الذي يسبب له التعب والإحراج ويطال جهازه بالخلخلة.

وأنت مثلي تعرف أساتذة جامعيين روائيين، كان يمكن أن يكونوا باحثين أو نقادا، تفادوا بل تجنبوا أن يقعوا في أسر منظومة النقد وظلوا لا يفعلون شيئا أكثر من الإشراف على الرسائل أو مناقشتها وإن كانوا كتبوا يوما شيئا يشبه النقد فإنما هو أقرب إلى الانطباعات حول الكتابة. وأما الباحثون المكرسون فإني لا أعدهم نقادا؛ لأني ألمس فرقا بين الناقد وبين الباحث قد يكون ببساطة في أن الثاني يتابع الظاهرة السردية في لغتها وفي تشكيلها وفي تيمتها وفي تحولها ويجتهد في فهمها من غير استعمال مسطرة تعليمية.

 

2 – الرواية نص المعرفة بامتياز، وليست نصا معرفيا بالضرورة! لأنها الجنس الأدبي الأكثر قدرة على حمل هم الإنسان الوجودي. ولكن نصها قد يغدو على يد كاتبٍ مَا بلا روح حين يحشره في موضوع ذي معرفة صِرْف علمية كانت، تاريخية، فلسفية، تراثية أو صوفية (ألمح هنا حصرا إلى الظاهرة التي عرفها المغرب وتونس ومصر في بعض السرود الروائية).

ثم إن الكاتب الروائي بهذه الدلالة، لا يشرف على تأدية نص كتب لأنه تصوره وتشبع به مسبقا، كما قائد أوركسترا يقود عازفين نحو تناغم كامل ـ وإني لأعتقد هنا أن اقتباس الرواية سينمائيا تشبه تماما عزفا أوركستراليا لنصها الذي يبقى دوما أجمل من الفيلم! ـ بل إنه كما أزعم يكتبه، مثلما يكتب الموسيقي نصه نوتة نوتة وجملة جملة، كلمة كلمة في تتال وجلة جملة في تركيب ومشهدا مشهدا في انبناء وكم هي النفايات التي تنفرز! وفي تبدل قاهر لمصائر الشخوص وفي تحول هادم لمسار النص الذي يكون بدأ لينتهي عند نقطة مفترضة فيجد الكاتب نفسه مضطرا إلى أن ينهيه إلى حيث يشاء النص نفسه أن ينتهي إليه.

لذلك، اعتقدت دوما أن الكاتب لا يفعل أكثر من أن يشعل الفتيل ليبدأ النص في الانكتاب. فالكاتب الموسوعي لا يؤلف إلا نصا أعدت أجزاؤه ومفاصله مسبقا! فهو في هذه الحال ينوّع فرعا على أصل.

 

3 – لعلني من حيث لا أدري أكون، كما يقول سؤالك، أهاجم الظاهرة. وما ذا لو أني قلت لك إننا لم نهاجمها بالقدر الذي يكفي أن يخلص نهائيا النقاد ـ الروائيين عندنا، نحن العرب، من خوفهم على ضياع مجد صنعته لهم المحاباة الجامعية خاصة؛ لأنهم ظلوا يوجدون لأنفسهم حَواريين من طلبتهم متوددين وتابعين من زملائهم مجاملين.

ولك أن تتصور معي لحظة كيف تكون عليه حالهم لو أنهم صاروا خارج هذه الدائرة؛ فإنه قد لا يلتفت إلى نصوصهم بذكر! ولك أن ترى معي أن النصوص الروائية العربية، على قلتها والتي أبدعت خارج تلك الدائرة وبلا دفع منها، هي التي مكنها الزمن من البقاء وكتب لها أن تحيا خارج كل دائرة مغلقة.

إن القياس الذي تقترحه بين أولئك وبين الغربيين ـ من الأسماء الواردة في سؤالك والذين هم يحملون جميعا قضية إبداعية (إيكو) أو فنية (ريكادو) أو فلسفية (سارتر) أو تقنية بحت (ساروت وغريي) في مجال الكتابة ـ يطرح مسألة الأخلاق الأكاديمية والنزاهة العلمية والانتصار للجديد والاحتفاء بالجميل مهما يكن مصدره والدفاع عن حرمة الضمير وحرية الإنسان، ولو أن القياس من الناحية التقنية لا يمكن أن يستقيم للفارق الحضاري الهائل بيننا نحن العرب وبينهم هم الأوروبيين.

ثم إن الأسماء التي ذكرتها فرضتها نصوصها (الإبداعية أو التقنية أو الانطباعية ولا أقول النقدية) على النقد نفسه. ولا أعتقد أنهم جميعا يدرجون ضمن فصيل النقاد، ولا النقاد الروائيين فهم كتاب بهذه الصفة. ولكن لهم جميعا سطوة قول كلمة في النص قد تغدو أشد وقعا من كلمة الناقد نفسه؛ لأنهم تمثلوا ويتمثلون حضارتهم ومورثها وقرأوا ويقرأون غيرهم من معاصريهم خاصة، وتلك هي الهوة التي تحول دون قيام أي قياس.

 

4 – أعتقد أن المتلقي الداري يفصل منذ البدء بين نص لناقد ـ روائي وبين نص آخر لكاتب روائي؛ لأن في ذهنه صورة يشكلها التأليف عند الأول وتشكلها الكتابة عند الثاني. ومن ثمة فهو يتعامل مع نص الأول بصفته تأليفا يسعى إلى تقرير وجهة نظر نقدية في الكتابة بوسيطة السرد لا تخلص غالبا إلا إلى شيء بلا روح (وبعض هؤلاء النقاد ـ الروائيين من الجامعيين خاصة هم في أعماقهم رجال أخلاق عامة وأحيانا رجال دين لا يستطيعون بحال ملامسة المحظور والمدنس!).

وما يكون ترسب، منذ زمن من خلال نصوص أولئك، عند المتلقي الداري أن النص الروائي المفتوح المجازف المتخطي المعاند والمتمرد لا يأتي إلا من روائي متحرر من هيمنة المعياري بشتى صوره. كما يكون ترسب عنده أن الناقد ـ الروائي مكبل، لذلك، عن أن أي هدم.

ثم إن لك أن تأخذ صورة الناقد ـ الروائي الفيزيقية والمظهرية (وهذا أمر ذاتي جدا) فإنك لتجده منمطا في لباسه وفي لهجته وفي حركته وفي خياراته وفي ما يرتضي وما لا يرتضي…ممسكا كل شيء بإبرة!                     

 

5 – الروائي ـ الناقد في نظر الروائي يظل خصما وحكما، كما هو في نظر الناقد دخيل على ميدان، كالنقد، لا يجدر به إلا مختص. فهو في عالميهما غير مرغوب فيه بل مبغوض في حلقاتهما التي تتصف بالهمز والنميمة والدس في الظهر والمجاملات والتظرف المحابي في الوجه. فالناقد ـ الروائي يعيش حالا من الهجن مع ذاته نفسها لرقصه مثل هندي أحمر ولكن على نارين.

 

6 – تلك حقيفقة! فأنت تطرح سؤالك من موقع العارف بما يدور في حلقات الكلام والسمر وفي المناسبات غير الرسمية وأحيانا من المنابر والمنصات التي تجمع بين الكتاب والروائيين خاصة.

أحس شخصيا أن الناقد ـ الروائي نشاز في الكتابة الروائية التي هي مجال متحرر ومفتوح يولد معاييره من داخله لا لتكون معالم للمحاكاة ولكن لترشد إلى وجوب التجاوز. ولعل أهم معيار في النص الروائي هو الهدم المتجدد؛ الشيء الذي لا تسمح به الضوابط النقدية لناقد ـ روائي كي يتحرر. فهو، إذاً، لا يؤلف سوى نص محاكى.

لعل ذلك ما يُظهِر الناقد ـ الروائي في عين الروائي بمظهر "الأستاذ" الذي لا يني يقدم الدروس لغيره في الكتابة الروائية.

ولك أن تنصت إلى حديث ناقد ـ روائي أو أن تسمع شهادته عن الكتابة مثلا أو أن تشترك معه في مجادلة لتتبين النمطية التي تطبع لغته وأفكاره وأحيانا الأبوية العارفة التي يسلطها عليك!  

 

7 – أنت تعلم أن كليات الآداب في الجامعات العربية تكاد تكون مغلقة عن المنتوج الروائي الذي لا يصدر عن الروائيين من داخلها. ولعل للنقاد ـ الروائيين دخلا في ذلك. وإن كان هناك نقاد ـ روائيون وصلت نصوصهم مستوى من "التبجيل" داخل حلقات البحث فإنما لدرجتهم الأكاديمية وليس في غالب الأحيان لمكانة إبداعهم وتميزه.

وقد يكون الباحثون في حقل السرديات مصدر إزعاج حقيقي للنقاد ـ الروائيين في الجامعات، بل وللنقاد أنفسهم. لذلك تجد نفسك أميل إلى أن يقرأك باحث جامعي أكثر من أن يقرأك ناقد ـ روائي همّه أن يقصي كتابتك بشكل ما كي ينصب تأليفه. إنها الحقيقة السارية بيننا، نحن العرب، لأننا لا ننشئ شيئا إلا على التماثل ويفزعنا الاختلاف.

 

الحبيب السائح

    

 

 

د. صلاح الدين بوجاه

(روائي وناقد جامعي تونسي)

 

أعتقد أنّ ثنائية "النقد" و"الرّواية" يمكن أن تثار من خلال ثنائية "الحقيقة" و"اللعب". فالنقد يسعى إلى الظفر بـ"حقيقة" الأثر الأدبي، أمّا الرّواية فتتوق إلى ملاعبة القارئ بأساليب شتّى. لهذا تجد عامّة جمهور الأدب أميل إلى الفصل بين الباحث عن الحقيقة، والمغرق في اللعب !

عبر هذا المدخل يمكن أن نناقش بالكثير من الجد هذه المسألة المتشعّبة الموصولة بجوهر ال

المزيد





ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي